النفط مقابل السلاح


مصطفى الأدهم

أثارت الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء، السيد نوري المالكي، إلى واشنطن ولقائه مع الرئيس الأمريكي، باراك اوباما، مواضيع مهمة لكلا الطرفين. أمريكا من جانبها تريد الإنسحاب الهاديء، والخروج “اللائق” من العراق، مع الإبقاء على شعرة لمعاوية في ظفيرة  علاقتها مع وادي الرافدين. العراقيون، قد يختلفون حول ما يريدونه من أمريكا. وهم كذلك واقعا. لكن، لا أعتقد أن عراقيا قد يخلف مع أخيه، على حقيقة أن العراق ضعيف عسكريا، اقله على المستوى الإقليمي. أكثر جيران العراق في “المحلة” الإقليمية أقوياء عسكريا، وتقنيا. لديهم تصنيف كامل للجيوش؛ أهمها قوة جوية وصاروخية متفوقة مقارنة بالوضع العسكري العراقي. ناهيك عن القوة البحرية ومنظومات الرادار، والرصد والهجوم والدفاع الإليكتروني – الأمن الإليكتروني.

من هذه النقطة المشتركة – حاجة العراق للسلاح – يمكن البناء للوصول إلى اقله شبه اجماع حول الخلاف القائم عن “ما الذي يريده العراق من أميركا؟”
قد يجادل البعض بأن العراق ليس بحاجة الى السلاح عامة ومن أميركا خاصة. وان البلد قد مر بما يكفي من الحروب وشبع من السلاح واتخم من المعارك. ولهم في هذا جزء من الحق. لكن، للأسف أرض الواقع تختلف عن سماء الشعر. حقائق العلاقات الدولية، أخشن من رومانسية النوايا الحسنة – التي تثري الفن والأدب والثقافة، لكنها تؤكل في غابات السياسة.
نعم العراق، قد أتخم من المعارك، وشبع من الحروب، ولا داعي لتكرارها. لكنه في جوار اقليمي ملتهب، لم يعد مضطرب. طبول الحرب تقرع، معلنة ولادة صباح جديدة، يشغل الحذر فيه والتقرب حيزا يفوق ما يرسمه الأمل بريشة فنان!
لذلك، وبما أن لدول الجوار ما يفوق مصالحها في العراق، بل مطامعها. وكل ينتظر الفرصة الأمثل كي يغتنمها. وصور التوغل والقصف والإختراق للأراضي والأجواء والمياه العراقية لم تمحى بعد من الذاكرة الوطنية. وبما أن جيش وطني محترف ومسلح تسليحا حديثا ومتقدما هو بمثابة درع وقائي للجسم الوطني من الفايروسات القادمة من خارج الحدود، عندها لا نختلف على أن الدول الكبرى شئنا أم أبينا هي مصدر السلاح الأفضل؛ الذي لا يمكن تجاوزه في الحسابات الأمنية العصرية. وغيره ما هو الا أشكال هندسية تصلح للعرض والزينة، والمعارك القديمة؛ وليس لها بعد استراتيجي ردعي متقدم في الدفاع. أن انتصار اليوم يعتمد على القدرة الردعية الدفاعية. كلما تصاعدت كلما قلت بالتوازي معها نسبة الهجوم والخطر. وبالتالي يتصاعد مؤشر الأمن القومي في سوق أوراق الإستثمارات العالمية، معه ترتفع أسهم الإستقلالية في اتخاذ القرار الوطني العراقي الخالي من حسابات الخذر من ضغوط هذا الجار أو تهديد ذلك الطرف.

وعليه، فأذا كان “ولا بد ولا مفر” من منح شركات الطاقة الامريكية أفضلية ما في السوق النفطية العراقية، لتطوير واستثمار قطاع الطاقة العراقي بما لا يسلب العراق والعراقي ثروته الوطنية، يفترض أن يستثمر هذا الموضوع عراقيا لأقصى درجة ممكنة، أوجزها بنقطتين:
– رفع العقوبات الدولية (الخروج الكامل من جميع أحكام وتبعات بند الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وما ترتب ويترب عليه).
– الأمن، بما يشمله من تجهيزات وتسليح للجيش العراقي بأعلى مستوى ممكن، يمكنه من الوقوف مستويا على قدميه لا يخاف بل يخاف.

أعلم أن تجارة السلاح “الرسمية” تخضع للتوازنات الدولية والإقليمية، ومدى استراتيجية العلاقة بين الأطراف. لكني أعلم أيضا، أن المصالح الإقتصادية (عمودها الإستثمار ولوبيات الشركات) للغرب ومن ضمنه أميركا، تمثل الجوهر الذي تبنى عليه هذه الأستراتيجيات والتوازنات.
وما الإستراتيجيات إلا وسائل لتحقيق المصالح؛ التي هي غالبا ما تكون اقتصادية. المال؛ هو الثواب والعقاب في الرأسمالية. فلابد من استثماره عراقيا بشكل ذكي، يحقق أكبر قدر من المكاسب لنا أولا قبل جانيه ثانيا.
سيكون من الصعب صمود العراق بشكل مستقل في ظل تصادم المحاور الإقليمية ولما لذلك من ارتدادت دولية، ما لم يكن له قدرة دفاعية عالية. تردع كل من يحاول اللعب معه من تحت الطاولة، أو ضربه تحت الحزام.
الجيوش القوية، والقوة الردعية القوية، تحتاج إلى جبهة داخلية متينة، استخبارات فعالة، أمن مستتب وأقتصاد قوي. مربع لا يمكن فك أضلاعه.

لذلك، لا بأس من ابتداع طريقة عراقية تزاوج بين الإستثمار النفطي والإستثمار الأمني. بصيغة تبادلية. أي أن كان و”لا بد” من اعطاء أولية لشركات الطاقة الأمريكية في مجال التطوير والإستثمار، لا بد أن تعطي الإدارة الأمريكية العراق أولية في مجال التسليح. أن كان التفاوض معها بشكل مباشر أو عن طريق شركات الطاقة ذاتها اذا ما أرادت ضمان أولوية استثماراتها. خصوصا وان شركات الطاقة من أكبر اللوبيات الضاغطة والمؤثرة في البيت الأبيض والبنتاكون. وبينها وبين شركات السلاح ترابط عضوي.
مصلحة العراق هي في الحصول على السلاح الأفضل. وهذه شطارة في كيفية استثمار الموارد لما فيه خير الوطن والمواطن. وان توفرت السلعة عند تاجر غير العم سام فلم لا.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد