بين الاحتفال بالديموقراطية ويومها العالمي وانتهاكها بنيويا في العراق

د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

تحتفل الأمم المتحدة ودول العالم باليوم العالمي للديموقراطية في 15أيلول-سبتمبر على وفق القرار الأممي ذي الرقم (A/RES/62/7).. ولابد لنا أن نؤكد بهذه المناسبة أنّ الدول الديموقراطية العريقة بنهجها باتت تحت وطأة أزمة كوفيد – 19غير المسبوقة وآثارها بما فرضته من تحديات اجتماعية سياسية قانونية على المستوى الوطني المحلي والدولي العالمي. فكثير من القرارات المتخذة التي تنضوي تحت مهمة حماية المجتمعات من مخاطر تهديدات كورونا أثرت بشدة على فرص استيعابها من جمهور واسع رأى فيها خرقا للحريات ومن ثم للقيم الديموقراطية والحريات العامة والخاصة…
بينما لم تجد بلدان العالم النامية وضوحاً في تلك الأوجه نظراً لأنها بالأصل لا تمتلك الممارسة الديموقراطية الحقة من جهة و-أو لم تتطبع على ذياك النهج لمسافة تفضح أي خرق لها إذا ما وقع وهي تمتلك مؤسسات للمركزة وحتى القمع بما لا يسمح بالحديث عن آثار خرق الديموقراطية غير المتحققة بالفعل..
بجميع الأحوال، فإنّ آثار الوباء كانت ومازالت سلبية بمدياتها إلى درجة بعيدة، من جهة الحجر الصحي وإجراءاته الضرورية في الانتشار الميداني، لكن لكل بلد ظروفه وفرص قراءة المجريات بطريقة شفافة أو متخفية متسترة بحسب طابع النظام وما يعنيه من التفاعل مع كوفيد ومخرجاته التدميرية..
إن الدول الديموقراطية اتخذت وتتخذ القرارات والإجراءات الطارئة الملائمة للتصدي للوباء لكنها حتماً تواصل البحث عن سبل (دعم سيادة القانون، وحماية المعايير الدولية والمبادئ الأساس للشرعية المستندة للحريات ولقيمها، ولحماية العدالة في مجمل الإجراءات القانونية الاضطرارية الطارئة الواجب اتخاذها.
ومن هنا فإنّ جميع الدول والحكومات معنية بل ملزمة في أن التمسك بشفافية العمل بهذه الظروف والاستجابة للمساءلة بشأن أي إجراء بشأن فيروس كورونا بما يمنع قطعياً ونهائياً أن تخرج تدابير الطوارئ على القانون بصورة فجة غير ضرورية وبإلزام أن تكون غير تمييزية في تطبيقاتها، أي بما يوفر حماية مناسبة لحقوق الإنسان وسيادة القانون.
وفي الموجز الذي أعدّه الأمين العام للأمم المتحدة لرسم السياسات بشأن احترام حرية التعبير والصحافة وحرية المعلومات وحرية تكوين الجمعيات والتجمع وغيرها من الحقوق الأخرى وحمايتها وضمان ممارستها وكفالته، جرت الإشارة إلى الآتي مما نقتبسه نصاً:
1. تدابير للسيطرة على تدفق المعلومات وقمع حرية التعبير وحرية الصحافة في إطار تقلص الفضاء المدني.
2. اعتقال واحتجاز ومقاضاة أو اضطهاد المعارضين السياسيين والصحفيين والأطباء والعاملين في مجال الرعاية الصحية والنشطاء وغيرهم بزعم نشر “أخبار كاذبة أو تلفيقها.”
3. عدوانية الشرطة الإلكترونية وزيادة المراقبة على الإنترنت.
4. تثير مشكلات الانتخابات قضايا دستورية خطيرة في بعض الحالات وربما تؤدي إلى تصاعد التوترات.
5. كما تثير الأزمة تساؤلات بشأن أفضل السبل لمواجهة الخطاب الضار ولكن مع التشديد على ضمان حماية حرية التعبير. إذ قد تؤدي الجهود الكاسحة الرامية إلى إزالة المعلومات الخاطئة أو المضللة إلى رقابة مقصودة أو غير مقصودة، ما يقوض الثقة. بينما الاستجابة الأكثر فعالية هي إتاحة معلومات دقيقة وواضحة وقائمة على الأدلة من مصادر يثق بها الناس.
من هنا وجب التذكير بالأوضاع العراقية في ضوء تلك المؤشرات التي أكدها الأمين العام للأمم المتحدة. إذ المشكلة عراقياً تتخذ تكريس مفاهيم تضليلية تتعارض والديموقراطية وتتقاطع وممارستها..
إذ يدرك المجتمع العراقي كيف يجري منع تدفق المعلومات وحرية الاطلاع عليها أو شفافية عرضها ووصولها للجمهور ولو المتخصص ونفتقد كلياً لمنظومة عمل إحصائي بقدر ما نجد تسريب كل ما يضلل بهذا الشأن بذريعة تأمين الحقائق بعيداً عن أعداء النظام كما هو حال ادعاءات النظم الدكتاتورية؛ تلك التي تقوم على ارتكاب أشكال قمع حرية التعبير وحرية الصحافة مثلما ارتكبت السلطة القائمة جرائم ضد الإنسانية في قمع التظاهرات السلمية وجرها للعنف كي تتم تصفيتها باختراق التظاهر السلمي بوساطة بلطجية الميليشيات وعناصر انظام حتى أن ما ارتكب في العراق في أثناء ثورة أكتوبر العراقية السلمية اختطف حياة ألف شابة وشابة بالرصاص الحي والأسلحة المختلفة وأوقع حوالي الثلاثين ألف إصابة وسط المحتجين السلميين.. وأنكى من ذلك جرى ويجري باستمرار وتواصل تقليص فضاء العمل المدني مقابل اختلاق آلاف التنظيمات المشوهة خدمة لمآرب مرضية مفضوحة دع عنك مئات المافيات والعصابات والميليشيات المسلحة التي تشتغل لصالح (أحزاب السلطة) ولأجندات غير عراقية..
وبوقت تستجيب منظمات المجتمع المدني في جميع أنحاء العالم لنداء الأمم المتحدة للعمل المثابر في تبني خطى تقف بوجه أزمة كوفيد -19 وما يعوق الديمقراطية بقصد تقليل أية فرصة من فرص الاستبداد فإننا عراقياً أمام مشكلات معضلة عمقت شروخ واختلقت عقبات كبيرة وبنيوية بوجه الديموقراطية من قبيل:
عرقلة أي تقدم في ميدان المعرفة الإعلامية وتشويه إجراءات السلامة الرقمية، الأمر الذي يتعارض وازدياد أهمية العالم الرقمي الإلكتروني بخلفية تعمق الاهتمام العام وتقدم النشاط على منصات الإنترنت! إن الشعب العراقي يجابه بالخصوص مخاطر التنمر والقمع والتدخل والانتهاكات والخروقات بوساطة جيوش إلكترونية مدربة على تلك الانتهاكات وعلى إيجاد فرص العرقلة ومنع، بل إلغاء فرص تفعيل المنصات الإلكترونية من جهة وإغلاق الفضاء المدني باتساعه من جهة أخرى..
وبعد أدوار الميليشيات وبلطجيتها في التهديد والابتزاز ومطاردة الرأي المستقل الحر تأتي إجراءات (رسمية أو حكومية) بذرائع محاربة المعلومات الكاذبة والمعلومات المضللة وخطاب الكراهية لتتخذ إجراءات المصادرة علما أن ذات الأطراف الحاكمة من أحزاب الفساد وأجنحتها وأذرعها المسلحة هي التي عملت وتعمل على نشر الأزمات بأشكالها واختلاق خطاب الكراهية والعنصرية ومنطق الطائفية ودجل الخرافة لتتصيد بالمياه العكرة..
إن السلطة إذ تتجه لمناورة الادعاء بالاستجابة لمطالب ثورة أكتوبر وإقامة (انتخابات مبكرة) فإنما تدرك قبل معارضيها من ثوار تشرين والحركة الاحتجاجية السلمية أنها أخّرت الانتخابات طويلا وأنها بدل أن تستند لشروط الشعب الثائر من أجل تغيير النظام صممت صيغ بقوانين تعيد تدوير النفايات وإنتاج النظام الذي رفضه الشعب العراقي ومن أجل ذلك فقد طعنت أبرز أدوات (الديموقراطية) ألا وهي الانتخابات بامتناعها عن تنفيذ قانون الأحزاب يوم سمحت للمجموعات السملحة بالمشاركة فيها بصورتيها المباشرة وغير المباشرة أي بصورة ميليشيا تتمظهر بخطاب (سياسي) فيما تواصل حمل سلاحها الإرهابي التخريبي أو بصورة غير مباشرة عبر واجهات و-أو أجنحة (سياسية) مع بقاء الأساس ممثلا بجناحها العسكري المسلح بخلاف كل ما تؤكده القوانين واللوائح الحقوقية بمنع أية جهة مسلحة أو تملك ذراعا مسلحا من الاشتراك في أية انتخابات تحترم معنى هذا المصطلح وفحواه الحقة..
والأنكى أن تلك القوى بخلفية المال المافيوي الفاسد بجانب السلاح الميليشياوي تقسم المدن والأحياء والقرى بينها في السطو عليها وفرض منطقها بالإكراه وبأشكال مفضوحة لا تخفى على متابع فكيف بنا إذ نشير في رصد الديموقراطية ومسارها من طرف منظمات أممية وحقوقية دولية وإقليمية!؟ من المؤكد أنهم جميعا يدركون المجريات وتمثيلية المزاعم والادعاءات المخالفة للديموقراطية وقيمها في توفير أجواء انتخابية بعيدا عما تتعكز عليه من فارغ الكلام.. وأذكر بأن النُظُم الدكتاتورية عادة ما تُجري ما تسميه انتخابات وإن هي إلا مزاعم تمرر شرعنة وجودها بنسب ونتائج مسبقة بحدود تفوز بها بنسبة 90-100% وها هو النموذج العراقي الذي انتفض عليه الشعب مرات عديدة رافضا زيف اللعبة وقاطع في الانتخابات الأخيرة بنسبة تفوق الـ85% وحتى تلك النسب الضئيلة التي شاركت اعترفت قوى النظام بأنها زيفتها بنسب جوهرية بنيوية كلية وشاملة بما لا علاقة لها بالحقيقة…
لقد سجلت المراصد الحقوقية الدولية والمحلية أن العراق كان ويبقى من بين أكثر بلدان العالم خطورة على الصحفيين حيث الاغتيالات والمصادرة والبلطجة والابتزاز بلا حدود سواء بالانفلات الأمني وفوضى السلاح بلا من يتصدى له أم بأطر استغلال النفوذ رسميا حكوميا ولا توجد سلامة شخصية ولا الأمن ولا الأمان لمن يتحدث نقدياً وبصراحة ومكاشفة!
ومن جهة أخرى غير قضية حرية التعبير والعمل الصحفي الإعلامي المكفول سنرصد أن المرأة العراقية تمضي ضد التيار تحت وطأة معاناة كثيراً ما أودت بحيوات الفتيات والنشوة أمام جبهة العنف القائم على النوع الاجتماعي، بمختلف أشكاله من الأسري إلى الاجتماعي العام إلى السياسي ولقد تفاقمت ظاهرة العنف وبشاعاتها في أثناء عمليات الإغلاق والحجر الصحي حيث تفجّر الضغوط الاجتماعية والاقتصادية بسبب جائحة كورونا؛ وبسبب تحديات غياب المساواة وضعف تقديم الخدمات التي تفاقمت مع تفاقم الأزمة وانهيار مؤسسات الدولة وعجزها بخلفية التشوهات البنيوية الهيكلية
وهكذا لا نجد في اليوم الدولي للديموقراطية ما يمكننا التبشير بوجوده في عراق ما بعد 2003 وحكم أحزاب الطائفية والفكر الظلامي وفسادها المطلق ونزعاتها لاستخدام الميليشيا الفاشية بنهجها القمعي التصفوي، ما يؤكد انعدا فرص تلبية الأداء الديموقراطي الذي ينبغي أن يقوم على تحقيق العدالة الاجتماعية فيما الحقيقة تجسد ظواهر الفقر والبطالة بأعلى نسبها عالميا علماً أن (احتياجات وحقوق) كل من النساء الفئة الهشة الأضعف في المجتمع الذكوري ونهج الهمجية والوحشية التي يتسم بها ومعهن فئة الشبيبة المختلق بوجهها البطالة بأشكالها وظواهر إشاعة المخدرات والأمراض الاجتماعية باختلاف أنماطها إلى جانب من يسمونهم تهميشا ومصادرة بالأقليات وكل الفئات السكانية المهمشة الأخرى، إنما تتعرض لأبشع استغلال طبقي اقتصا اجتماعي وسياسي لدرجة اجترار منظومة قيم زمن العبودية لمستوى الاتجار بالبشر واشكال الجريمة المحظورة في القوانين الدولية وبإطار أي نظام ديموقراطي يحترم التزاماته الإنسانية بأبسط اشكالها..
إن مسلسل جرائم ضد الإنسانية وإبادة النوع البشري وعنصرية التمييز في ضوء الانتماء القومي الديني المذهبي حيث جرائم الإبادة الجماعية بأمثلتها ضد الإيزيديين، المسيحيين، الصابئة المندائيين، المسلمون السنة من غير سنة إيران وكثير من الجرائم الأخرى إنما تدعو إلى مساءلة الحكومات المتعاقبة والأخيرة منها .
وبمناسبة اليوم العالمي للدموقراطية تقتضي الالتزامات الحقوقية القانونية لا أن يكون أي طرف وطني أو دولي ((شاهد زور)) على ما يسمى انتخابات أو يمرر شرعنة اللعبة ومزاعمها، أؤكد إنما يقتضي بديلا مساءلة الحكومة عما يُرتكب وعدم غض الطرف عن الجرائم الكبرى التي ترقى لمستسويات تدركها قوانين المحكمة الجنائية الدولية من جرائم إبادة وضد الإنسانية وعدوان بتمرير انتهاكات نظامي إيران وتركيا واجتياحاتهما المتكررة للسيادة وللوجود السكاني حد جرائم التطهير والتخريب البيئي الشامل دع عنكم جرائم الإبادة الجماعية!!!
لقد أوجدت الأمم المتحدة هذا اليوم الدولي للديموقراطية ليس لاستعراضات شكلية واحتفاليات مضللة والمشاركة كما شهود الزور بما تفعله بعض الحكومات وسلطة الظلام الإرهابية بل بهدف استعراض حالة الديمقراطية (بحق) في العالم. وهو الأمر الذي لا يمكن أن يتحول إلى حقيقة واقعة تحظى بها شعوب العالم ما لم نشتغل بالتزام (أخلاقي) بناء لا يقر لمضلِّل ما يرتكبه ولا يشاركه الجريمة…
إنّ قيم الحرية واحترام حقوق الإنسان وأيضا وحصراً مبدأ تنظيم انتخابات دورية نزيهة بالاقتراع العام تظل عناصر ضرورية تأسيسية مهمة لإشادة الديمقراطية بحق.
إنّ وثائق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يكرس مجموعة من حقوق الإنسان والحريات المدنية هي وثائق جوهرية مهمة وخطيرة من شأنها أن تساند إشادة الديمقراطيات المسؤولة الهادفة لتلبية العدالة الاجتماعية وإنهاء ظواهر الفقر والبطالة والجريمة ومن ثم فهي ليست استعراضات تزويقية مضللة كما يتبدى لبعض الأطراف بتدبيجهم الخطابات المنحولة الموضوعة.
وعلى وفق المادة 21(3) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن صلة جوهرية تجسدها المادة بمنطوقها، بين الديمقراطية وحقوق الإنسان ونقرأها كما في فحواها التي تقول: إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ما يقطع بأنها تخضع للشعب لا لأحزاب تفرض إرادتها على السلطة كما في النموذج العراقي الذي ثار عليه الشعب لاستعادة السلطة وإنهاء وجود تلك الأحزاب الأمر الذي لا يجد له الشعب أي أفق ما يدعوه للمقاطعة مجددا وإلى جولة كفاحية سلمية جديدة حتى يفرض إرادته المعبر عنها لا عن وسائل التضليل وإعادة إنتاج نظم كليبتوفاشي كما تؤكد الحقائق تلك التي تشير إلى أن التعبير عن الإرادة الشعبية لا يأتي إلا بانتخابات نزيهة حرة تجرى على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع، وهي قضية لا تجدها تُطبق في أجواء العراق اليوم..
إن الشعب العراقي يحتفل باليوم العالمي للديموقراطية بتأكيد كفاحه من أجل الانعتاق والتحرر وفرض إرادته بانتخابات حرة تخضع للقوانين والعهود الدولية بينما تحتفل قوى السلطة التي ثار عليها بادعاءات ومزاعم تضليلية يلزم فضحها بمناظرات ميدانية لعل من بينها الحركة الجماهيرية الشاملة الحاشدة لأبناء الجاليات نسوة ورجالا شيبا وشبيبة مطلع أكتوبر فلا يحتشدن طرف خطأً مع اللعبة التي تبتغي تكريس نظام يصر على فرض إراداته فوق إرادة الشعب بوساطة المال السياسي المافيوي الفاسد والسلاح الميليشياوي وعصابات القتلة بالتحالف مع رجال التدين الزائف المتجلبب المتستر بعباءة رجل دين زوراً وبهتانا وهو الذي يصدر فتاوى مدفوعة الثمن متقاسما حصص الغنيمة من رؤوس بنات وأبناء الشعب!!!
فلتحيا الديموقراطية ومنظومتها القيمية ولتسمو بإرادة الشعوب وحرياتها وحقوقها ومبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة ودحر العنصرية والتمييز وأشكال الاستعباد التي يجترونها…

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد