دعاية انتخابية عسكرية ل-بُطل فارغ- في بلاد العراق

د. كاظم حبيب

في غفلة من الزمن وغفوة الشعب ، في بلد اسمه العراق ، تسلمت حفنة من “الرجال!” الحكم وحولت بلد الحضارات القديمة والعريقة إلى بلد الرثاثة والخراب والبؤس والفساد والنهب للخيرات ولقمة العيش ، حيث التهم الجراد الأصفر الأخضر واليابس ، ونشر الفاسدون القيم المعيبة ومعايير الرذيلة في كل مكان. وأصبح العراق من بلد الذهب الأسود (النفط والغاز المصاحب) إلى بلدٍ ينزف شعبه دماءً زكية وسيولاً من الدموع ، بلد الفقر والحرمان للغالبية العظمى ، وغنى فاحش للحفنة الضئيلة الحاكمة وحواشيها ، حفنة من النهَّابة واللصوص الخرافيين الحديثي النعمة والسيئي السلوك والأخلاق. في هذا البلد انقلبت المعايير رأساً على عقب ، فبدلاً من الحديث عن البناء والعمران الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي ، عن الازدهار الاقتصادي وتحسين الخدمات وأحوال الشعب المعيشية واختفاء البطالة المكشوفة والمقنعة ، عن مكافحة الأمية والجهل والخرافة والسحر والشعوذة ، عن ارتفاع الوعي والاعتراف المتبادل والتفاهم والتفاعل الإيجابي بين اتباع القوميات والديانات والمذاهب في العراق ، أصبح الحديث مكثفاً عن استمرار “صراع ومعركة أتباع الحسين ضد اتباع يزيد!” ، وعن تأسيس الميليشيات الطائفية المسلحة ، عن “الحشد الشعبي” الغارق بالميليشيات الولائية الإيرانية ، عن تأسيس أجهزة أمنية وعسكرية لم يكن همها حين تأسست سوى قهر الشعب لأنها بنيت على أسس غير قويمة وطائفية مقيتة وضد مبدأ المواطنة العراقية الموحدة والمتساوية والحرة ، على أسس لم تعتمد العقيدة العراقية ، بل عقيدة طائفية شيعية صفوية لا غير. في هذا البلد انتصرت حتى الآن العملة الرديئة وطردت العملة النظيفة والوطنية من الرجال والنساء.
في غفلة من الزمن وغفوة الناس في بلاد العراق نُصّب شخص على رأس حكومة عراقية لم يألوا جهداً في دفع العراق أكثر فأكثر صوب مستنقع الطائفية النتن والصراع الديني والطائفي والصراع القومي من جهة ، وصوب تكريس تبعية العراق لإيران من جهة أخرى . هذا الرجل الذي طُرد من الحكم بعد دورتين انتخابيتين مريرتين ومليئتين بالقتل على الهوية وغيرها من صيغ الموت والخراب ، يقوم الآن بنشر دعاية انتخابية ، نشر بوستر دعائي تتوسطه صورةً بطوله ، وحولها سجلت مجموعة من التأسيسات العسكرية ، وليس العمرانية والحضارية والقيمية العقلانية ، بل عسكرية بحتة كانت مهمتها حين التأسيس ، وبعضها الغالب ما يزال حتى الآن ، قمع صوت الشعب واحتجاجاته ومظاهراته وانتفاضته الباسلة : تأسيس جهاز مكافحة الإرهاب ، تأسيس جهاز الأمن الوطني ، تأسيس قوات الردع السريع ، تأسيس قوات سوات ، تأسيس قوات الحشد الشعبي ، تأسيس الشرطة الاتحادية ، تأسيس الجيش الوطني ، وتأسيس طيران الجيش العراقي .. (أنظر: الانجازات العسكرية لحكومة السيد… – حزب الدعوة ، m.facebook.com ).
ولكن السؤال العادل والمشروع هو : على أي أسسٍ وقيم حضارية أقيمت هذه المؤسسات العسكرية ؟ كل الدلائل المتوفرة تؤكد بما لا يقبل الشك ، وابتداءً من حكومة الطائفي بامتياز وفيلسوف التيه والتهافت والرجعية إبراهيم الجعفري ، بأن المهمة كانت قد تبلورت وتركزت في جعل وزارة الداخلية وأجهزة الأمن قائمة على أساس طائفي شيعي صفوي بحت ، أي على إيمان العاملين في هذه الدوائر والأجهزة المطلق بولاية الفقيه الإيراني والالتزام بفتاويه ، أياً كان هذا الفقيه وأياً كانت الفتوى . ثم واصل خلفه في الحكم ، نوري المالكي ، ولمدة ثمانية أعوام الوجهة الطائفية والفاسدة ذاتها وبإصرار وتصميم مستمرين عند تأسيس تلك الأجهزة التي تحدث عنها في دعايته الانتخابية ، إذ تجلى عمله الطائفي والفاسد مباشرة بفضيحة مجزرة معسكر سپايكر في العراق ، تلك المجزرة التي نفذتها عصابات داعش الإجرامية ، وراح ضحيتها 1700 مجنداً في سلاح الجو العراقي بالقرب من مدنية تكريت ، وكلهم دون استثناء من أتباع المذهب الشيعي ، التي تجسد الوجهة الطائفية لرئيس الحكومة وأغلب القوى التي كانت تعمل في القوات المسلحة العراقية حينذاك في تعيين وتجنيد الشيعة فقط . لقد تم استثناء المسيحيين والسنة والكرد وغيرهم ، وجندوا الشيعة فقط لمهمات خاصة. ولكن الفضيحة الأكبر برزت في هروب وهزيمة ما يتراوح بين 40 و 60 ألف عسكري عراقي كانوا يعملون في مدينة الموصل ومحافظة نينوى أمام 800 إرهابي تكفيري من أعضاء عصابات داعش الإجرامية الحاملة للأسلحة الخفيفة التي اجتاحت الموصل ومن ثم نينوى وهزمت تلك القوات دون أي قتال أو مقاومة . لقد هرب قادة القوات المسلحة وهُزم الجيش العراقي دون قتال ، بسبب افتقاده حينذاك للعقيدة الوطنية العراقية والمواطنة ، واعتمد العقيدة الفرعية القاتلة وساد فيه الفساد بشكل تام أولاً ، وبسبب قرار الانسحاب الذي أصدره القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء حينذاك .
السؤال العادل: هل بعد هذه الهزيمة المريرة والنكراء يحق للقائد العام للقوات المسلحة ورئيس الحكومة السابق ولثماني سنوات عجاف ومريرة أن يتبجح بنجاحاته العسكرية في بناء المؤسسات العسكرية العراقية وفي إصراره على خوضه وحزبه وقائمته الانتخابات المبكرة ؟ كل الدلائل تؤكد بأن هذه المؤسسات العسكرية العاملة في الموصل وعموم محافظة نينوى تميزت بطائفية بشعة وبفساد شامل وجهد مناهض لسكان المحافظة السنة والمسيحيين والكرد ، كما لم تكن مهمتها حماية الشعب والحدود العراقية بل اضطهاد الناس وتمريغ كرامتهم بالتراب والدوس والتجاوز الفظ على حقوق الإنسان.
لقد كان وما يزال مطلب الشعب الموجه للقضاء العراقي والادعاء العام هو: استكمال التحقيق بأسباب انهيار القوات المسلحة في الموصل ونينوى أمام اجتياح داعش واحتلالهما لثلاث سنوات ، وما حصل خلال الفترة المذكورة من إبادة جماعية ومآسٍ وخراب وتدمير شنيع مثيل لا لهما ، وتقديم المسؤولين الكبار كافة عن ذلك إلى المحاكمة وإصدار الأحكام العادلة بحقهم ، ومنع من يُحكم عليه عن مزاولة السياسة طوال حياته ، لاسيما الذين أعلنوا عن فشلهم وفشل طبقتهم السياسية .
ولكن المثل العراقي النابت يقول : الحياء قطرة واحدة وليس سطلة ! فهل بعد كل ما حل بالعراق ، بسبب سياسات هذه الحفنة من الحكام الطائفيين الفاسدين ، أن يسمح لهم من جديد ليس الترشيح للانتخابات المبكرة فحسب ، بل وان ينشروا دعايات انتخابية مزورة للحقائق ومشوهة للوقائع والمضامين وما جرى حتى الآن في العراق. هل يمكن أن يسكت القضاء العراقي عن كل ذلك دون أن يتدخل الادعاء العام باتخاذ خطوات تحمي الشعب العراقي من عواقب من أساء إلى الشعب وإرادته ومصالحه ومن وضع العراقي تحت التبعية الإيرانية ويريد العود ثانية لحكم البلاد وتكريس التبعية اكثر فأكثر ؟ أيها الحكام ! صبر الشعب له حدود ، ومن يتجاوزها لا يتوانى الشعب عن تلقينه درساً قاسياً ، فالشعب يمهل الدولة بسلطاتها الثلاث ولا يهمل من أجرم بحقه بأي
حال!

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد