نقاش هادئ في مسألة ساخنة

صلاح بدرالدين

” ماذا قدمت الأحزاب الكردية ؟ ” الأحزاب فشلت في حل القضية الكردية في سوريا ” كل تاريخ الأحزاب الكردية السورية عبارة عن وعود فارغة لم تتحقق ، وانشقاقات ، وتضليل ” لا أحزاب اليسار ، ولا أحزاب اليمين قدمت شيئا للكرد ” ، هذا مانسمعه ، ونقرؤه بين حين وآخر من مصدرين مختلفين ، واحد من فئات متعلمة لم تكن يوما في الصف القومي ، والوطني ، ولم تقدم أية تضحيات من أجل خلاص الكرد ، وآخر من مثقفين كانوا ومازالوا ملتزمين بقضايا شعبهم ، وبعضهم شارك في النضالات الحزبية ثم ابتعد لاسبابه الخاصة .
بالرغم من الاختلاف النوعي في طبيعة مصدري هذا الخطاب الا ان القاسم المشترك بينهما هو : عدم الاعتماد على منهجية التحليل العلمي ، التاريخي ، واطلاق الاحكام القطعية دون تميز بين أحزاب تختلف في الفكر والرؤى والمواقف السياسية ، ووضعها جميعها بشكل قسري في سلة واحدة ، وجهل أو تجاهل تاريخ الحركة ، والمراحل التي مرت بها ، ومحطاتها البارزة المؤثرة في عملية التحولات الفكرية العميقة ، ومعاناة القسم الأكبر من مناضليها في ظل النظم والحكومات الشوفينية ، والمستبدة ، المتعاقبة على حكم البلاد ، والتركيز الأحادي على العامل الذاتي ، مع التجاهل التام للعامل الموضوعي الذي بقي عصيا على التبدل لمصلحة القضية الكردية السورية ومازال .
سأسمح لنفسي مناقشة المآخذ ، والاحكام المطلقة الشمولية الواردة بحق الأحزاب ، انطلاقا من تجربتي النضالية لأكثر من خمسة عقود في ( البارتي اليساري – الاتحاد الشعبي ) الذي شاركت في إعادة بنائه ، وقيادته ، ومواكبة مدرسته فكريا ، وثقافيا ، وسياسيا ، والالتزام بنهجه ، والمساهمة بتحقيق منجزاته التي يتعامى البعض عن رؤيتها عن جهل أو سابق إصرار .
من حيث المبدأ تشكل الأحزاب بمختلف اتجاهاتها ، وادوارها الإيجابية منها والسلبية ، ، ودرجات إنجازاتها ، لصالح القضايا المطروحة في كل مجتمع على هذا الكوكب ، ماهي الا تعبيرات سياسية وثقافية لطبقات اجتماعية ، وفئات ، ومكونات قومية ، تظهر ، وتختفي ، في مراحل متعاقبة ، وماهي الا وسائل مرحلية ، تتبدل ، وتتجدد حسب الظروف المحيطة ، تخضع في النشأة ، والمسار ، والمآل ، للعوامل الذاتية ، والموضوعية ، وينطبق المبدأ هذا على الحالة الكردية السورية أيضا .
برامج وشعارات المرحلة الأولى من ظهور التنظيمات السياسية الكردية
كما أرى فان هذه المرحلة تبدأ من تاريخ ظهور الحزب المنظم الأول ( ١٩٥٧ ) مرورا بالتحولات العميقة في كونفرانس الخامس من آب ( ١٩٦٥ ) وتنتهي ببداية الالفية الثالثة ، وتتميز هذه المرحلة بالتركيز الشديد على تعريف الكرد ، والقضية الكردية السورية ، في أجواء بالغة التعقيد ، من جهة انكار للوجود من جانب النظام الحاكم رسميا ودستوريا ، ومصادرة للحقوق ، وامعان في تصفية ماهو موجود عبر تغيير التركيب الديموغرافي للمناطق الكردية ، وكذلك العمل على إزالة الشكوك من بين مفاهيم الأوساط السياسية المعارضة ، والشبه معارضة حول الوجود التاريخي للكرد كشعب اصيل من سكان سوريا .
في تجارب الشعوب المقهورة ، المهمشة ، تظهر وسائل مختلفة لاثبات الوجود منها من مارست العمل السياسي والمدني ، ومنها من اختارت طريق الانتفاضات والثورات المسلحة ، أو القيام باغتيالات فردية ، وبعضها اختار مثلا خطف الطائرات ، والاحتفاظ برهائن حتى يعلم العالم عبر وسائل الاعلام ان هناك شعوب محرومة تتعرض للاضطهاد والحرمان ، تطلب التدخل الدولي الإنساني ، وادراج قضاياه في الهيئات الدولية لايجاد الحلول الناجعة لها .
في حالتنا الكردية السورية المشخصة كان العمل السياسي – الإعلامي – الدعاوي – الحواري المنطلق ، والوسيلة لتصحيح الخطأ التاريخي المقصود في اعتبار سوريا أحادية القومية ، ودحض مزاعم نفي الوجود الكردي ، والتاكيد بالبراهين والقرائن على نسبته التي تفوق ال ١٥٪ ، ووجوده قبل ظهور سوريا كدولة مستقلة ، ومشاركته باحداث المنطقة ولكي لانذهب بعيدا وعلى الأقل منذ اكثر من ثمانية قرون في عهد الإمبراطورية الايوبية .
كان جزء كبيرا من دوافعنا في تأسيس رابطة كاوا للثقافة الكردية ، وترجمة ونشر الكتب باللغة العربية ، تحقيق اثبات الوجود التاريخي للكرد عموما بالمنطقة والكرد السورييون على وجه الخصوص امام النخب العربية والشركاء السوريين ، كما كان توجهنا المبكر في احياء الفولكلور الكردي ، وانشاء الفرق الفنية الغنائية في البلاد بظروف امنية صعبة من اجل اظهار اصالة الشعب الكردي وجذوره الممتدة عبر حقب التاريخ في مناطقه .
في كل علاقاتنا السياسية بمختلف دوائرها السورية ، والعربية ، والاممية كان تعريف الكرد السوريين يتصدر المشهد ، ويشكل المادة الرئيسية في النقاشات ، وكان دليل نجاح أي سياسي كردي سوري المامه بتاريخ شعبه ، واطلاعه على بنود الاتفاقيات ، والمعاهدات الدولية التي تناولت وضع الكرد السوريين منذ الإمبراطورية العثمانية ، مرورا باتفاقية سايكس – بيكو ، ومعاهدتي لوزان وسيفر ، والانتداب الفرنسي ، وانتهاء باستقلال الدولة السورية الراهنة ، التي أنكرت حكوماتها وانظمتها وجود الكرد وحقوقهم ، وأصدرت العديد من المراسيم والقرارت السرية والعلنية ، ووضعت المخططات لتهجير الكرد ، وحرمانهم من حقوق المواطنة ومن ابرز تلك المحاولات مخططا ( الإحصاء الاستثنائي بالجزيرة ، والحزام العربي ) .
خلاصة القول ان المرحلة تلك كانت كما ذكرنا من اجل اثبات الوجود ، وليست مرحلة انتزاع الحقوق التي كانت تحتاج الى شروط عديدة لم تكن متوفرة في المرحلة الأولى ، وهنا تبطل كل المآخذ ، والاتهامات التي تعير الحركة الكردية على ان احزابها فشلت في إيجاد الحل للقضية الكردية ، وكل ذلك التجاهل غير العادل للجهود الجبارة التي بذلت لاثبات الوجود التاريخي مع كل صعوباتها ، والامها ، ومعانات مناضلي تلك المرحلة جراء السجون ، والمعتقلات ، والملاحقات ، والمحاكم العسكرية ، ومحكمة امن الدولة العليا .
عندما كان يطلب منا تبيان مطالبنا فالى جانب الهدف الاستراتيجي بالاعتراف المبدئي بحق تقرير مصير شعبنا ، كنا نركز بالدرجة الأولى علي مسألتين الأولى بالاعتراف بوجود شعب كردي سوري من السكان الاصليين ، والثانية بادراج ذلك في الدستور السوري ، ولم يكن اختيارنا هذا الا تعبيرا عن واقع موضوعي ، ومفهوم سياسي بني على دروس مستقاة من تجارب شعبنا وحركتنا ، وخبرة مناضلينا ، واستنتاجنا الصحيح بانه لن يتحقق الحل العادل النهائي للقضية الكردية السورية الا بتوفر الشروط الثلاثة التالية : ١ – الاجماع الكردي ٢ – التوافق الوطني ٣ – النظام الديموقراطي ، والشروط الثلاثة ليست متوفرة الان .

نبذة عن الكاتب

avatar

صلاح بدرالدين ولد في 11 آذار 1945 بقرية – نعمتلي – قضاء – القامشلي – سورية ,ثم عاش مع اهله في قرية – جمعاية - . انتسب مبكراً الى الحزب الديموقراطي الكردستاني - سورية وساهم مع الجناح اليساري القومي عام 1965 في تدشين النهج القومي الديموقراطي في الحركة الكردية . انتسب الى كلية الحقوق بجامعة دمشق واعتقل قبيل التخرج . عاش الجزء الأكبر من حياته ومنذ صيف 1966 في العمل السري والاختفاء بالداخل والهجرة القسرية الى لبنان وكردستان العراق وتونس وألمانيا الديموقراطية والاتحادية فيما بعد وسجن لعام واحد في سجن القلعة بدمشق ، وتم تحويله الى محكمة امن الدولة العليا بدمشق بعد تجريده من الحقوق المدنية . منذ كونفرانس عام 1968 اصبح السكرتير الأول للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري في سورية ثم أمينا عاما لحزب الاتحاد الشعبي الكردي بعد تبديل الاسم في المؤتمر الخامس عام 1980. التقى الراحل الملا مصطفى البارزاني قائد ثورة ايلول للمرة الاولى في حزيران 1967 بمنطقه – بالك – في كردستان العراق . اسس في لبنان – رابطة كاوا للثقافة الكردية – كمؤسسة ثقافية في أعوام 1975 – 1978 . ويترأس الرابطة في كردستان العراق منذ عام 1999 . ساهم مبكراً في بناء العلاقات الودية مع حركة التحرر العربية وخاصة الحركة الوطنية اللبنانية وقوى منظمة التحرير الفلسطينية وقلده الرئيس الراحل ياسر عرفات أعلى وسام فلسطيني – درع الثورة الفلسطينية - كما شارك في اقامة عدد من جمعيات الصداقة بين الكرد والعرب وهو رئيس جمعية الصداقة الكردية – العربية . . انسحب طوعا من رئاسة حزبه وكل العمل الحزبي منذ عام 2003 ويمارس قناعاته الثقافية والسياسية بصورة مستقلة . - المؤلفات :1 - الكرد والحركة التحررية الكردية – بيروت – برلين – 1982 ( باللغات الكردية والعربية والألمانية ) .2 -الاكراد شعبا وقضية – بيروت – 1986 3- موضوعات كردية - بيروت – 1987 . 4 - القضية الكردية والنظام العالمي الجديد – بيروت – 1992 . 5 - غرب كردستان – بيروت – 1998 . 6 - القضية الكردية أمام التحديات - أربيل – 1999. 7 - الحركة القومية الكردية في سورية – رؤية نقدية من الداخل ( باللغات الكردية والعربية والانكليزية ) – أربيل – 2003 . 8– الكرد والعرب : اتحاد اختياري وشراكة عادلة - أربيل – 2004 . 9 – غرب كردستان ...الربيع الدامي – أربيل – 2004 . 10 – الكرد بين ارهاب الدولة القومية والاسلام السياسي – أربيل – 2005 . 11 – حوار شامل مع صلاح بدرالدين – أربيل – 2006 . 12 - كردستان من الثورة الى الكيان – أربيل – 2010 . 13 - الصراع في سوريا " النظام – الكرد – المعارضة "- أربيل – 2010 . 14 – نظام اقليمي جديد للتحرر القومي – أربيل – 2010 . 15 – صلاح بدرالدين يتذكر – بيروت – أربيل 2011 . له مئات المساهمات في الصحف والمجلات والمواقع الكردية والعربية .

مقالات ذات صله

الرد