حول السلام في أفغانستان

عادل حبه

بقلم سلطان علي كشمند*
رئيس الوزراء السابق لأفغانستان
ترجمة عادل حبه
أود أن أذكركم مقدماً بأن هذا المقال هو ليس مجرد اقتراح من قبل طرف محدد، خاصة من تلك القوى والجماعات المتورطة في أحداث أفغانستان، والتي تسعى إلى اللجوء إلى القوة والحرب والعنف والدعاية. إنني أوجه حديثي إلى الملايين من الجماهير الأفغانية عبر الجماعات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تناضل من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وإلى قوى الشعب والمؤسسات الديمقراطية والمدنية والإعلامية، وإلى المنظمات الليبرالية والتقدمية التي تمثل بحق المصالح الأساسية للفقراء والمعذبين في أفغانستان. ويتحدد هدفي في تقديم المساعدة المعنوية للشعب، مهما كانت كانت هذه المساعدة متواضعة. ولم أفكر قط في فرض رأيي على الآخرين.
ولذا، فإن هذه المقالة ما هي إلاَ خلاصة لنص شامل قد دونته بما يتناسب مع الأوضاع الحالية الملموسة في البلاد. وكما يعلم الجميع، هناك قضية محادثات السلام حول أفغانستان التي يجري تناولها على نطاق واسع هذه الأيام، والتي أصبحت في مركز إهتمام العديد من وسائل الإعلام وشبكات الأخبار. ففي 18 آذار 2021، عقد اجتماع في موسكو من قبل الترويكا (روسيا والولايات المتحدة والصين بالإضافة إلى باكستان) مع وفود تضم ممثلي مختلف الجماعات الأفغانية وحركة طالبان.
كما عقدت قمة “قمة قلب آسيا” في الفترة بين 29-30 آذار 2021. ومن المقرر عقد اجتماع آخر في اسطنبول – تركيا ، في نيسان عام 2021، ويتحدث البعض إنه سيحمل عنوان “مؤتمر بون 2”. وهذه المرة، سيناقش في الاجتماع أيضاً مصداقية الأمم المتحدة في رعاية “المؤتمر”. على أي حال، يتم التعبير عن أفكار ووجهات مختلفة حول هذه القضية، وإن المشاورات والتكهنات تجري على قدم وساق. ويمكن تقديم ومناقشة مختلف الأجندات والخطط والبرامج من قبل مجموعات مختلفة في هذا الاجتماع.
إذا كان هذا الاجتماع أو الكونفرنس أو أي اسم آخر على غرار كونفرنس بون، فهناك أمل ضئيل في نجاحه على المدى البعيد، وهذه المرة ستصبح مصداقية الأمم المتحدة على المحك. لأن كونفرنس بون إنعقد بغياب الشعب الأفغاني، وبدون مشاركة ممثلين عن كل القوى الكبرى المتوافقة والمتعارضة، وبدون حضور ممثلين عن جماهير الشعب والقوى التقدمية الحقيقية التي تسعى إلى العدالة، وبدون أي خطة لأرساء قواعد السلام وإعمار البلاد.
إشراك جميع فئات الشعب في اتخاذ القرارات:
في رأيي ، يجب أن يحضر كونفرنس اسطنبول أو أي لقاء أو اجتماع آخر يقرر مستقبل ومصير الشعب وسيادة الدولة والسلام، ممثلون منتخبون من جميع فئات جماهير الشعب، رجالًا ونساءً، أوعلى الأقل يجب جمع أفكارهم ومقترحاتهم ومطالبهم الأساسية وتقييمها والتعبير عنها بوضوح وشفافية. يمكن أن تنعكس إرادة الشعب ومطالبه ومقترحاته في وجود مؤسسات ومنظمات ديمقراطية وشعبية مدرجة على النحو التالي:
• – الأحزاب والحركات والمنظمات السياسية الشعبية الساغية للتقدم والعدالة،
• – المؤسسات المدنية والإعلامية،
• – منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفل والشباب،
• – منظمات النساء والشباب،
• – مؤسسات حماية حقوق الأشخاص من ذوي الإعاقة،
• – مؤسسات حماية حقوق الناجين من الحرب وأسر ضحايا الحرب،
• – ممثلين عن الجمعيات الخيرية ومنظمات الإعانة غير الحكومية ،
• – الفئات الفكرية والمؤسسات الثقافية والفنية.
• – نقابات المعلمين والأطباء والمحامين والطلاب والموظفين وغيرهم من طبقات المثقفين،
• – نقابات العمال ونقابات الفلاحين والحرفيين ،
• – مؤسسات الحرفيين الصغيرة والمتوسطة الحجم والتجار والرأسماليين المرتبطين والمستعدين للعمل داخل البلاد،
• – المنظمات المؤثرة للاجئين الأفغان في الخارج في القارات الخمس،
• – المنظمات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية غير الحكومية الأخرى التي تعتمد على جماهير الملايين من الشعب وتدافع عن مصالحهم.
إن القضية الأبرز تتحدد في المشاركة الشاملة والفعالة لممثلي القوميات والأقوام، ولا سيما ممثلو القوميات الأربع الرئيسية: البشتون والطاجيك والهزارة والأوزبك -التركمان. ويجب أن يشاركوا وفقاً للمعايير المقبولة عالمياً بالنسبة للبلدان المتعددة القوميات بممثل واحد عن كل مكون (هناك نماذج في الكثير من الدول على مستوى المناصب الرسمية ومجلس الشيوخ).
– ممثلو الحركات والانتفاضات الشعبية ووحدات الدفاع الذاتي المنخرطون بشكل مباشر في الأزمة.
– وأخيراً وعلى وجه الخصوص: مشاركة ممثلين من ذوي الصلاحية للفصائل المتورطة في أزمة “الحرب والسلام” في أفغانستان.
وبالإستناد إلى هذه المشاركة الواسعة، و بالتعامل بشفافية مع أفكار ومطاليب ممثلي مختلف الأعراق والفصائل والشخصيات السياسية والاجتماعية، وممثلي المؤسسات والمنظمات الشعبية، عندها يمكن أن يتوفر “الإجماع” الذي يتحدث عنه الكثيرون. وبالإضافة إلى ذلك ، ستتمتع الوثيقة حول مفاوضات السلام بمصداقية.
طريق تحقيق السلام الدائم من خلال الذهاب إلى صناديق الاقتراع:
هنا، يجب معالجة مبدأ أساسي، وهو: عند اتخاذ قرارات متعلقة بإختيار النظام السياسي المستقبلي للبلد، يجب اللجوء إلى التصويت المباشر للشعب من خلال إجراء “استفتاء”.
فلم يعد من الممكن القبول بالأساليب القديمة وبالمؤسسات التي لم يتم انتخاب جميع المشاركين فيها عن طريق التصويت الشعبي المباشر. فليس من الصعب إجراء استفتاء في هذا العصر الرقمي ذي التقدم التقني المذهل. ففي سويسرا، على سبيل المثال ، يجري اللجوء إلى الرأي العام كل عام لاستفتائه حول القضايا الوطنية المهمة من خلال التصويت الشعبي. بالإضافة إلى ذلك، حقق العالم اليوم تقدماً هائلاً في طرق وأساليب أخذ العينات، وإحصاء الأصوات، والرسوم البيانية والتحقق منها، وعمل الشركات التابعة لها. في أفغانستان أيضاً ، سيكون من الممكن تطبيق مثل هذه التقنيات والأساليب. يمكن أن يقال ليس لدينا الامكانيات مثل الذهاب إلى صناديق الاقتراع فهو غير عملي في الظروف الملموسة التي تعيشها أفغانستان ، لكنني أعتقد أنه من الممكن تحقبق ذلك في هذه الحقبة من التقدم التكنولوجي والرقمي بالتعاون مع المجتمع الدولي بالمعنى الحقيقي. فبدعم من المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة وغيرها، يمكن أن يصبح مثل هذا الشيء ممكناً اليوم أو غداً.
الفيدرالية هي خيار لنظام سياسي قائم على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وخيار لتحقيق السلام الدائم والحفاظ عليه.
في قمة اسطنبول أو ما بعدها مثل كونفرنس بون، تم إلقاء نظرة سطحية على النظام السياسي المستقبلي لأفغانستان تحت ستار “جمهورية” أو “إمارة”، ويبدو أن احتمال تحقيق سلام دائم ودائم في البلاد مازال قاتماً. إنني على إعتقاد بأن النظام السياسي الذي يمكنه أن يوفر الأساس الحقيقي للتقارب والتضامن والوحدة بين جميع أفراد الشعب المنحدرين من مجموعات عرقية مختلفة في أفغانستان في بلد واحد وإقامة سلام دائم وعادل والحفاظ عليه، هو النظام الفيدرالي الذي يمتد من القرى إلى المدن ، ويؤسسه ممثلون حقيقيون منتخبون من قبل الشعب. بالطبع ، هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها التعبير عن مثل هذه الفكرة. فهناك الكثير من المقالات والأحاديث حول هذا الموضوع، وإن خيار الفيدرالية بنطوي على العديد من التعديلات والتعارضات.
يعود تاريخ الصراع السياسي والاجتماعي وخاصة الفكري والمقالات المتعلقة بالفدرالية الأفغانية في مقابل النظام الرئاسي المركزي، إلى فترة المرسوم الرئاسي لمحمد داوود عام 1973. في ذلك الوقت، كان هناك صراع صعب بين القوى الموالية للنظام الرئاسي مقابل القوى الموالية للنظام البرلماني والقوى الموالية للفيدرالية في أفغانستان. كما صاغ حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني (فصيل پرجم) مسودة دستور ديمقراطي برلماني موازي قائم على الفدرالية في مقابل مشروع دستور نظام رئاسي مركزي. في نهاية المطاف ، تم فرض نظام جمهوري شديد المركزية حيث تولى الرئيس السلطة الكاملة على البلاد.
في الثمانينيات من القرن الماضي، كان لدى الحكومة برنامج حول فدرالية النظام السياسي للبلاد في خططها، وكخلفية ومثال، أثارت مسألة الحكم الذاتي لهزاره ستان. لماذا جرى طرح الهزاره في المقام الأول: 1- تم تقديم أسباب القيام بذلك كمثال و 2- إزالة التمييز والظلم التاريخي ضد الهزاره، والتي كانت رغبتهم الأساسية منذ أمد طويل، هي الاستقلال وقد قدموا تضحيات كبيرة على هذا الطريق. كما تم التخطيط لتشكيل عدة مقاطعات جديدة (نورستان وخوست وسار إي بول) والتنبؤ بخمس مقاطعات أخرى. وتم تشكيل مؤسستين اجتماعيتين وثقافيتين، “المجلس الوطني للهزاره” و “مركز التماسك الوطني في الهزاره” على مرحلتين، جنباً إلى جنب مع مؤسسات أخرى مماثلة. واستحدثت “وزارة القوميات” بالإضافة إلى “وزارة شؤون العشائر”. كما تم إنشاء ثماني مناطق في جميع أنحاء البلاد للتعامل بشكل أفضل مع القضايا الإدارية والأمنية.
بعد ذلك، تم تمرير وتنفيذ “قانون السلطات المحلية والإدارة الحكومية”، الذي طبق نظاماً مستقراً للمجالس الشعبية في البلاد من أدنى بقعة إلى أعلاها، ومن القرى إلى البلديات والمدن والمحافظات، على أساس الانتخابات المباشرة من قبل الشعب.
وعند الشروع في أقامة نظام قائم على المجالس المنتخبة شعبياً، تم التحقق منه في جزء من ذلك العقد وكان له نتائج طيبة، واستمر هذا النظام حتى النهاية، ولم يبرز قصور في التعامل مع القضية الوطنية والحساسيات القبلية في البلاد. ولم ينهار هذا النظام. ولو ظلت أيضاً حكومات “المجاهدين” تتعامل مع القضية الوطنية وعلى الأقل مع العلاقات القبلية منذ عام 1992 ولم “تهمش” القوى التقدمية والوطنية في الشؤون المدنية والعسكرية رغم استعداداتها، لما تصاعد لهيب الحروب بين المجموعات المختلفة ولا الحروب الأهلية في التسعينيات من القرن الماضي على هذا الشكل المدمر والكارثي.
وإضافة إلى ذلك، فلو جرى القبول في كونفرنس بون المنعقد عام 2001 بنظام قائم على المجالس المحلية والبرلمانية المنتخبة اللامركزية كبديل عن النظام الرئاسي المركزي، وتم نقل جزء من وظائف الحكومة والسلطة الأمنية إلى الهيئات المحلية المنتخبة من قبل الشعب، لما إنحدرت أفغانستان في حرب شاملة على أي حال ، ونترك الحكم على الماضي للتاريخ، والآن أعبر عن أفكاري في الوضع الحالي على النحو التالي:
أفغانستان بلد متعدد الأقوام والأعراق:
الحاجة إلى أن يحل النظام البرلماني الفدرالي محل النظام الرئاسي
كما يعلم الجميع، فإن أفغانستان بلد متعدد الأعراق ويتكون من العديد من القبائل والعشائر الكبيرة المعروفة وويعيش المجتمع حالة التقسيمات القبلية. وتسكن في أفغانستان عدة قوميات تتباين من حيث عدد السكان والمساحة الجغرافية، ومن بينها: البشتون، والطاجيك، والهزاره، والأوزبك -التركمان. وعلى الرغم من أنني لا أحب استخدام مصطلح “الأقليات القومية والدينية” كما يجري استخدامه في أفغانستان، فالبعض يرى أن العديد من المجموعات العرقية ليست ذات أهمية وغير متساوية، ولكن إذا قبلنا بالمصطلح، فإن مصطلح الاقليات القومية والدينية ينطبق على الجميع. صحيح هناك قومية صغيرة وأخرى كبيرة، ولكن لا توجد قومية قاطنة في أفغانستان تشكل الأغلبية لوحدها بحيث يمكن الحديث عن وجود “أقليات لقوميات”. لذلك، ولسنوات عديدة ولحد الآن، أراد البعض أن يعتبر نفسه “الأخ الأكبر” وأن يتمتع بالنفوذا بشكل يزيد على الآخرين الأصغر حجماً والأقل نفوذاً.
الفيدرالية توفر أسس التضامن الشعبي وليس الانفصالية:
الفيدرالية لا تؤدي إلى الانفصالية، كما يظن أو يروج لذلك المتشككون والمتشددون والمعارضون للنظام الفيدرالي. فالأمر على العكس من ذلك، حيث أظهرت العديد من التجارب حول العالم أن الحكومة الفيدرالية يمكن أن توفر أسساً واسعة وحقيقية للتقارب والتعايش السلمي والتضامن والتعاون والتنمية الاقتصادية والاجتماعية بين مختلف القطاعات والأعراق في البلاد على أساس المساواة بين المواطنين. فالحقوق والمواطنة هما شرط في النظام الفدرالي. كما أنها توفر فرصاً جديدة ومستدامة للدفاع عن النفس والحفاظ على السلم العام. لأن كل قومية وعشيرة في النظام الفيدرالي أو في ظل حكم ذاتي يتمتع الجميع بحقوق متساوية، ويجدون مكانهم في مجتمع يحميهم ويدافع عن حقوقهم ومصالحهم إلى جانب المصلحة العامة للبلد. بهذه الطريقة، يمكن للشعب في نهاية المطاف أن يحقق الشروط لسلام دائم يعبر عن رغبتهم الأساسية.
لقد أصبح من الضروري الآن اختيار حلول جديدة في إطار حكومة اتحادية لإدارة شؤون الدولة على نطاق الحكومة المركزية وفي الحكومات المحلية لتفادي تكرار الأحداث الشاذة التي جرت تحت يافطة الحكومة بالمركزية. إن الحل الأساسي المبرم هو تأمين الحق في تقرير المصير لمختلف القوميات والقبائل القاطنة في البلاد. ويمكن توفير الحرية والمنافع لجميع قوميات البلاد في إطار الحكومة الفيدرالية، وتتكامل الوحدة القائمة على الوعي والطوعية لجميع القوميات والأعراق والمناطق وإرساء قواعد جديدة وموحدة لأفغانستان.
يجري الآن الحديث عن تحقيق السلام وتشكيل حكومة ائتلافية اليوم أو غداً، وهناك امتحان رئيسي بواجه البلاد ، ومن الواجب تقديم مقترح بإرساء قواعد نظام سياسي يستطيع الشعب فيه “ممارسة حقه في تقرير المصير”. وبإعتقادي ، يمكن تحقيق هذه الرغبة في ظل حكومة فيدرالية حيث يمكن للشعب أن ينال حقوقه الوطنية والمواطنة على قدم المساواة والإنصاف.
لذا، حان الوقت لوضع حد لممارسة وطرح فكرة المركزية في الحكم. لأنه، وفقًا للتجربة، فقد أفصحت الحكومات المركزية عن استبدادها وعدم كفاءتها في أفغانستان خلال مائة عام تقريباً. ونمر الآن بمرحلة حاسمة بالنسبة لمستقبل البلد وإحلال السلام الدائم فيها، ويجب البحث عن الحقائق المجربة بشكل أساسي عند بناء هيكل الدولة، إذ تؤكد التجارب أنه من الممكن تأمين الحقوق الوطنية للشعب في ظل نظام سياسي فيدرالي عادل وديمقراطي.
وفي مثل هذا النظام (الذي تم اختباره فيدرالياً في عشرات البلدان في القارات الخمس – الكبيرة والصغيرة، المتقدمة والنامية، وعلى أساس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية)، فإن جميع الشعوب من جميع الأعراق والطوائف، كبيرة وصغيرة في عدد سكانها ، وعن طريق انتخاب ممثليهم (من خلال الانتخابات)، يمكنها المشاركة في المجالس الشعبية في القرى والمدن وفي البلديات والولايات والمحافظات في العملية الانتخابية، وكذلك المشاركة بنشاط وعلى قدم المساواة في تشكيل الحكومة المركزية. وبهذه الطريقة، يمكن للشعب أن يقرر مصيره بنفسه على أساس القوانين الوطنية للبلاد والمعاهدات والمراسيم العامة.
الفيدرالية تمهد الطريق للسلام الدائم وحمايته
هناك الكثير من الحديث عن الحاجة إلى إرساء قواعد نظام فيدرالي، وعن مزاياه وسبل إنشائه في ظروف المجتمع الأفغاني الحالي الغارق في الفوضى. لكنني أعتقد أن اقتراح إنشاء نظام فيدرالي في أفغانستان ليس مجرد فكرة طوباوية، ومجرد تكهنات ورغبة للمستقبل البعيد لأفغانستان، بل إنها حاجة آنية ملحة لمعالجة الحياة الراهنة للبلد، وهذه الحاجة تبرز بشكل ملح لأن الوضع الحالي حاسم ونحن على مفترق طرق لتحديد مستقبل البلاد، وله أهمية كبيرة في مجال الحرب والسلام. ولا ينبغي أن يناله الفشل، شأنه في ذلك شأن مؤتمر بون الفاشل الذي إنعقد في عام 2001 وبقي يدور في حلقة مغرغة. لقد أظهرت العديد من التجارب أن الحكومات المركزية على إختلاف أنواعها لا يمكن أن تمسك بمفتاح حل الصعوبات الكبيرة التي تواجه الشعب الأفغاني وحل قضية الحرب والسلام في البلاد.
وينبغي علينا الآن، حيث تثارمسألة السلام داخل وخارج البلاد بشكل جدي، القول أنه كلما غدا من المقرر أن تصل مفاوضات السلام في أفغانستان إلى نتائج مقبولة عالمياً، فستكون بشرى سارة لإحلال سلام دائم وعادل. يجب أن يكون هذا هو الحال ، والآن وعلينا أن نرسي أساساً متيناً على الأرض ونبنى مستقبلاً سلمياً للشعب. وهذا هو حجر الزاوية لنظام يمكن لجميع المجموعات العرقية والأطياف في أفغانستان المشاركة ببنائه بوعي وبشكل طوعي. ويمكن أن يكون هذا النظام السياسي عبارة عن فيدرالية قائمة على العدالة الاجتماعية التي تمهد الطريق لمستقبل سلمي في أفغانستان.
وعندما يتم اتخاذ قرار على أساس الفصل بين السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) عند صياغة الدستور المستقبلي لأفغانستان، فيجب أن يتم انتخاب السلطة التنفيذية أو الحكومة (برئاسة رئيس الوزراء أو السلطة التشريعية (البرلمان) والقضاء أو السلطة القضائية (المحاكم والهيئات القضائية). سيتم تحديد طرق الاختيار وكيفية التصنيف الهيكلي لكل منها وواجباتها واختصاصاتها بوضوح في الدستور والقوانين المكملة لها.
وبمجرد القبول بقدرة الشعب على تقرير مصيره بشكل مباشر وأن يوفر الأرضية السليمة لإنهاء الحروب والتدخل في شؤون بعضهم البعض وبالتالي احترام حقوق الإنسان في المجتمع، تبرز الحاجة إلى وجود حكومة مركزية منتخبة من البرلمان (بقيادة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والبرلمان والسلطة القضائية) والمجالس الشعبية المنتخبة من الشعب في القرى والمدن والبلديات والولايات والمحافظات وفي إطار حكومة اتحادية. وكخلفية لذلك يجب، أولاً، انتخاب جميع مؤسسات الدولة من أعلى مؤسسة (الحكومة المركزية) إلى أدناها (الحكومات المحلية) من قبل الشعب. ويمكن تحديد حدود صلاحيات ومسؤوليات كل منها في الدستور والقوانين المكملة. إذا كانت هناك حاجة إلى أمثلة تتعلق بتقسيم السلطة في الحكومة المركزية والحكومات المحلية من حيث النسب أو الجنسية ، فهناك تجربة يمكن مراجعتها مثل سويسرا (النظام الفيدرالي) أو لعشرات الأمثلة في عشرات البلدان ذات الأنظمة الفيدرالية والبلدان ذات أنظمة تعتمد على المجالس.
في النهاية ، وعندما يتم ضمان سلام دائم في أفغانستان، فإننا نحتاج إلى صياغة دستور جديد، يوجب أن يجري التصويت عليه مسبقاً لتحديد النظام السياسي المستقبلي للبلاد.
أعتقد أن القبول بنظام فيدرالي ديمقراطي بطبيعته، لبلد متعدد الأعراق كأفغانستان ، وهو مجزأ داخلياً بطبيعته ، يمكن أن يوفر أسساً للوحدة الواعية والطوعية والتضامن بين جميع القوميات والأعراق وفي أجزاء مختلفة وفي بلد واحد هو أفغانستان. إن الفدرالية تقف على قدم المساواة مع التقارب والديمقراطية، ولا تنكر أو تنتهك الحق في المواطنة الوطنية. وتسمح الفيدرالية بممارسة المعتقدات والطقوس الدينية والتقاليد والثقافات الأصلية دون تدخل الآخرين في أي جزء من أجزاء البلاد، وهي لا تتوافق مع الديكتاتورية والاستبداد ، بل تتوافق مع الحقوق القومية والمواطنة المتساوية القائمة على حقوق الإنسان. إن الحكم الذاتي والادارة الذاتية في النظام الفيدرالي ، خلافا للمزاعم التي لا أساس لها وغير المنطقية والتافهة، والتي تبدو عند البعض وكأنها مماثلة للملكية الطائفية، من شأنها أن تمهد الطريق لانتخاب جميع المؤسسات الشعبية والحكومية من الأدنى إلى الأعلى. وسيوفر النظام الفيدرالي المساءلة القانونية المزدوجة: المساءلة أمام الناخبين- الشعب، والمساءلة أمام المؤسسات العليا المنتخبة.
ويمكن توفير المساواة بين القوميات والأعراق في النظام الفيدرالي كأساس لمشاركة ممثلي الشعب في المؤسسات الحكومية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الحكومة المركزية وفي الأجهزة المحلية والإدارة من بين القوميات والأعراق والقبائل المختلفة في البلاد، الصغير منها والكبير حسب عدد السكان والدائرة، وتوفر الإمكانيات للتوزيع العادل للثروة العامة بين كل قطاع ، بحيث يمكن أن يخلق فضاء من الأخوة الحقيقية بين مختلف القبائل و الجنسيات: المساواة والأخوة.
التاريخ: 30 آذار 2021.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* السيرة الذاتية لسلطان علي كشمند
ولد سلطان علي كشمند بن نجف علي في كابول في 9 نيسان عام 1935. درس في المدرسة الابتدائية چهار قلعه قلاده ومدرسة غازي الثانوية في كابول وتخرج من جامعة كابول للاقتصاد. كان كشمند أحد الأعضاء المؤسسين لحزب الشعب الديمقراطي الأفغاني. شغل منصب نائب رئيس المجلس الثوري ، ونائب رئيس الوزراء ووزير التخطيط من عام 1980 إلى عام 1981. شغل منصب رئيس الوزراء أو رئيس مجلس الوزراء ومن 1981 إلى 1988، وعمل أمينًا للجنة المركزية للحزب لمدة تسعة أشهر.في فبراير 1989 ، أعيد انتخابه رئيساً لوزراء أفغانستان. وبعد 16 شهراً في المنصب ، تم انتخابه نائباً أول للرئيس في أيار عام 1991 وظل في منصبه لمدة خمسة أشهر. في تموز 1991 استقال من الهيئة التنفيذية للجنة المركزية للحزب الحاكم. وفي شباط عام 1992 تعرض لمحاولة اغتيال على يد إرهابيين في كابول وأصيب بجروح خطيرة. ويعيش سلطان علي كشمند وعائلته في الخارج كلاجئين سياسيين منذ عام 1992.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد