في استشراف آفاق النهوض في الحالة الكردية السورية

صلاح بدرالدين

بادئ ذي بدئ لابد من التوضيح أن عملية البحث في الجوانب الاجتماعية ، والاحصائية ، ووتيرة ونسبة الهجرة ، والنزوح ، وتحديد الاتجاهات السياسية والفكرية داخل المجتمع الكردي السوري استنادا الى الوثائق ، كانت في قائمة الممنوعات طيلة عقود في ظل الحكومات والأنظمة المتعاقبة في البلاد ، وخصوصا بعد تسلط حزب البعث على مقاليد السلطة منذ بدايات الستينات من القرن الماضي ، والمصدر الوحيد كان تقارير أجهزة الامن المرفوعة بسرية كاملة الى أصحاب القرار محدودة التداول ، والمحجوبة طبعا عن الأنظار .

ولم يتبدل الوضع في ظل سلطة الامر الواقع التابعة لل – ب ي د – منذ بدالية الثورة السورية وحتى الان ، فليس هناك من مراكز بحث مستقلة لتستقي منها المعلومات والبيانات الموثقة ، وماهو متوفر تابع للأحزاب وفي خدمة توجهاتها ، ومن اجل صيانة أمنها الداخلي ، وفي حقيقة الامر ليس من مصلحة لا سلطة – ب ي د – والأحزاب المنضوية فيها ، ولا – الانكسي – وأحزابها تسليط الضوء على أي جانب من جوانب الوضع الكردي السوري ، ولا الكشف عن حقيقة الاتجاهات والتوجهات السياسية والفكرية داخل المجتمع الكردي السوري ، خصوصا في كشف الحقائق الصادمة لتلك الأحزاب وأولها أن الغالبية العظمى من الوطنيين الكرد ، مستقلة ، وغير متحزبة ، بل عازمة على الإفصاح عن مواقفها بشتى السبل المتاحة وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي الحرة .

نعم تخشى هذه الأحزاب من الكشف عن حقيقة اصطفافات الحالة الكردية السياسية ، لان من شأن تلك الحقائق أن تحرجها ليس أمام متحزبيها وأنصارها فحسب ، بل أمام الأطراف الوطنية السورية ، و الجهات الخارجية المانحة ، والداعمة ، وفي جميع الأحوال فان تلك الجهات الخارجية مضافا اليها النظام ، وبعض التيارات الشوفينية السورية ، تفضل التعامل مع هذه الأحزاب الكردية الضعيفة ، والمفتقرة الى الشرعية ، والمسيرة عن بعد الفاقدة لاستقلالية القرار بدلا من مواجهة حركة كردية اعيدت بناؤها ديموقراطيا بمشروع برنامج سياسي ، وقيادة منتخبة تمثل إرادة الشعب الكردي .

في ظاهر الامر تتجنب الأحزاب باعلامها الإشارة الى وجود أي فكر مخالف بل تحظرها ولاتفسح المجال لها ، وتتجاهل أية مواقف سياسية مغايرة لسياساتها ، ولو كانت جادة ، ولها ثقة بسلوكها ، وصدقية اطروحاتها ، لاعترفت علنا بوجود كتلة تاريخية من الوطنيين المستقلين لها تعبيراتها ورموزها ، ومناضلوها ومفكروها ، ولاستجابت للحوار العلني معها ، ومناقشة كل القضايا المصيرية والثانوية معها وامام الشعب ، ولكن بدلا من ذلك فانها اما تحظرها وتقمعها ، أو تمنع أعضاءها ومريدوها من متابعة منابرها ، وقد تمت محاسبة العديد من الحزبيين لانهم وضعوا لايكات اعجاب على بوستات وبيانات ونداءات ومذكرات ، تعود لحراك – بزاف – وأنصاره .

لذلك فان الجهود الذاتية والفردية بالرغم من نواقصها ، وشروطها العلمية غير المكتملة ، هي المتوفرة الان في سبر أغوار المسائل والمواضيع ( الممنوعة ) التداول في منطق الأحزاب ، ولاشك انها تعبر عن جوانب هامة من الحقيقة في زمن – قحط – المعلومات ، وسيطرة الذهنية الأمنية الحزبوية الضيقة .
في تصنيف سريع تقريبي توصل اليه الكثير من المتابعين والباحثين ، حول الانتماءات السياسية للكرد بالداخل ، وفي مواقع الشتات الخارجية ، والتي تشكل حسب بعض التقديرات أكثر من ٤٠٪ من العدد الإجمالي ، هناك من الأقل من ٦٠٪ ، بالداخل ، بين ٥ ٨٪ منهم فقط تتعاطى العمل الحزبي أو الإداري ، أو العسكري – الأمني لقاء مورد مالي .

أما الغالبية الساحقة فمن غير المنتمين الى الأحزاب ، ومن بينهم الى جانب فئة قليلة مترددة مستكينة فقدت الامل من أي عمل سياسي ، ومستصعبة نجاح أية مبادرة للنهوض مجددا ، هناك غالبية وطنية من فئات شبابية ومتوسطة الاعمار من الجنسين من عامة الشعب ، والمهنيين المتنورين ( كتاب – معلمون – أطباء – مهندسون – محامون – فنانون – اعلامييون ..) هذه الغالبية التي تشكل موضوعيا ( الكتلة التاريخية – الأداة ) في عملية التغيير ، وإعادة بناء الحركة الوطنية الكردية السورية ، واستعادة شرعيتها من خلال المؤتمر الجامع .

ويعتبر حراك – بزاف – احد تجليات هذه الكتلة التاريخية ، وتعبيراتها الراهنة ، والذي بدأ باستنهاض الهمم ، وعقد اللقاءات التشاورية ، والدعوة لتنظيم الصفوف منذ عام ٢٠١٢ ، والتحاور مع الجهات المعنية بالملف الكردي السوري خصوصا إقليم كردستان العراق ، وبعض اطراف التحالف الدولي ، وقدم مشروع البرنامج للرأي العام ، ومن خلال الحوارات تم التعديل الرابع عليه قبل نحو أسبوعين ويعتمد اللقاءات التشاورية سبيلا لهيكلة البناء التنظيمي ، وصولا الى توفير شروط التحضير للمؤتمر المنشود .

جميع الفئات ، والمجموعات ، والافراد من هذه الكتلة التاريخية ، مدعوون الى المشاركة ، والتحاور حول المصير وسبل الخلاص ، وقبل كل شيئ القيام بالدور المطلوب في إعادة بناء الحركة الكردية السورية ، واستعادة شرعيتها ، وقرارها المستقل المخطوف ، وذلك من خلال الطرق الديموقراطية ، والاعتماد على إرادة الشعب بتوفير الاسباب اللازمة لعقد المؤتمر الكردي السوري الجامع بمن يحضر ويلتزم بالنتائج .

نبذة عن الكاتب

avatar

صلاح بدرالدين ولد في 11 آذار 1945 بقرية – نعمتلي – قضاء – القامشلي – سورية ,ثم عاش مع اهله في قرية – جمعاية - . انتسب مبكراً الى الحزب الديموقراطي الكردستاني - سورية وساهم مع الجناح اليساري القومي عام 1965 في تدشين النهج القومي الديموقراطي في الحركة الكردية . انتسب الى كلية الحقوق بجامعة دمشق واعتقل قبيل التخرج . عاش الجزء الأكبر من حياته ومنذ صيف 1966 في العمل السري والاختفاء بالداخل والهجرة القسرية الى لبنان وكردستان العراق وتونس وألمانيا الديموقراطية والاتحادية فيما بعد وسجن لعام واحد في سجن القلعة بدمشق ، وتم تحويله الى محكمة امن الدولة العليا بدمشق بعد تجريده من الحقوق المدنية . منذ كونفرانس عام 1968 اصبح السكرتير الأول للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري في سورية ثم أمينا عاما لحزب الاتحاد الشعبي الكردي بعد تبديل الاسم في المؤتمر الخامس عام 1980. التقى الراحل الملا مصطفى البارزاني قائد ثورة ايلول للمرة الاولى في حزيران 1967 بمنطقه – بالك – في كردستان العراق . اسس في لبنان – رابطة كاوا للثقافة الكردية – كمؤسسة ثقافية في أعوام 1975 – 1978 . ويترأس الرابطة في كردستان العراق منذ عام 1999 . ساهم مبكراً في بناء العلاقات الودية مع حركة التحرر العربية وخاصة الحركة الوطنية اللبنانية وقوى منظمة التحرير الفلسطينية وقلده الرئيس الراحل ياسر عرفات أعلى وسام فلسطيني – درع الثورة الفلسطينية - كما شارك في اقامة عدد من جمعيات الصداقة بين الكرد والعرب وهو رئيس جمعية الصداقة الكردية – العربية . . انسحب طوعا من رئاسة حزبه وكل العمل الحزبي منذ عام 2003 ويمارس قناعاته الثقافية والسياسية بصورة مستقلة . - المؤلفات :1 - الكرد والحركة التحررية الكردية – بيروت – برلين – 1982 ( باللغات الكردية والعربية والألمانية ) .2 -الاكراد شعبا وقضية – بيروت – 1986 3- موضوعات كردية - بيروت – 1987 . 4 - القضية الكردية والنظام العالمي الجديد – بيروت – 1992 . 5 - غرب كردستان – بيروت – 1998 . 6 - القضية الكردية أمام التحديات - أربيل – 1999. 7 - الحركة القومية الكردية في سورية – رؤية نقدية من الداخل ( باللغات الكردية والعربية والانكليزية ) – أربيل – 2003 . 8– الكرد والعرب : اتحاد اختياري وشراكة عادلة - أربيل – 2004 . 9 – غرب كردستان ...الربيع الدامي – أربيل – 2004 . 10 – الكرد بين ارهاب الدولة القومية والاسلام السياسي – أربيل – 2005 . 11 – حوار شامل مع صلاح بدرالدين – أربيل – 2006 . 12 - كردستان من الثورة الى الكيان – أربيل – 2010 . 13 - الصراع في سوريا " النظام – الكرد – المعارضة "- أربيل – 2010 . 14 – نظام اقليمي جديد للتحرر القومي – أربيل – 2010 . 15 – صلاح بدرالدين يتذكر – بيروت – أربيل 2011 . له مئات المساهمات في الصحف والمجلات والمواقع الكردية والعربية .

مقالات ذات صله

الرد