لمن نكتب نحن المتقوقعون

د. محمود عباس

تطرق الكاتب عباس عباس إلى إشكالية في غاية الأهمية في مقاله (قنديل وسور الصين) المنشور في 25/2/2021م، وهي أن الحراك الكوردستاني لا يزال يعيش في بوتقة الحصار الذاتي، أكثر من حماية الذات من الأعداء، فنتآكل من الداخل ونعاتب البشرية على إهمالهم لنا ولقضيتنا، دون الانتباه إلى أننا نحن من نعزل ذاتنا عن العالم الخارجي، كما عزل كونفوشيوس وسور الصين الشعب الصيني ضمن حياة جامدة، ملتهين بواقعنا الافتراضي بعدما نملأه بالخلافات السلبية والحوارات العقيمة، ولا نعرف كيف نوصل قضيتنا إلى الساحة الإقليمية والدولية بالشكل المطلوب، فنخرج متقاعسين مكتفين بمجتمعنا الكوردي وحراكنا، رغم الحركة الانترنيتية المتسارعة، والتي فتحت جميع الآفاق العالمية، وحيث النسبة الواسعة من المجتمع الكوردي الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي وبشكل يومي وفي كل المجالات.
لا نزال كحراك ثقافي وسياسي منغلقين على ذاتنا، نبحث عن أخطائنا أكثر من نجاحاتنا، لهذا يمكن تسمية معظمنا بكتاب الموضوع الواحد، أو أحياناً المقالة الواحدة، كالشعراء الذين يوصفون بشعراء القصيدة الواحدة رغم غزارة الإنتاج لبعضنا، نعيش داخل السور الكوردي، ونراقب أخطاء الأخر وليست ايجابياتهم، تحت منطق التخصص، وليته كان مفيدا، فمن النادر أن نكتب عن قضية كوردية تعرضت إلى الطعن من القوى الإقليمية، ولا شك قد لا تكون هذه ناقصة، فيما لو كان الاختصاص يؤدي إلى توعية المجتمع وتصحيح مسار الحراك العام، لكن عندما نسخر أقلامنا لتوسيع الشرخ بين المجتمع، وديمومة الخلافات بين الحركة، يمكن توصيفها بناقصة ذاتية تؤثر بدورها على الوعي العام بين الشعب.
في جميع المجتمعات، بين إعلامهم، وكتابهم، تتواجد شريحة تحصر نشاطاتها ضمن بوتقة ذاتية الصنع، تستمد منها بشكل رئيس موادها الفكرية، لا ترى خارج بعدها الجغرافي، ونحن في الحراك الثقافي الكوردي إن لم تكن أغلبيتنا، ننتمي إلى هذه المجموعة الفكرية، ملهمنا عدد من أحزابنا الرئيسة، الأنكسي ومجموعتها، والإدارة الذاتية والمنتمين إليها، أو كما هو معروف، ألـ ب ي د وما خلقته من الإتحاد الحزبي، وحزبين أو ثلاث خارج هذين الإطارين، نقلبهم على بعضهم، ننقدهم، ونهاجمهم، ونوبخ ونخون قياداتهم وننعتهم بما خلق الله من الأوصاف الدونية، منا من تجف أقلامهم عندما لا تخطأ أحد الأطراف، أو يرتطم حزب ما بمطب، فننتظر سقطة من أحدهم لتستيقظ الموهبة وتظهر مادة الكتابة، علما أن الخارج الكوردستاني بل والداخل مليء بالمواضيع التي يتوجب معالجتها ودراستها، صمتنا يترافق ومسيرة ليس فقط هذه الأحزاب، بل أحيانا عمل شخصية ثقافية أو كاتب ما، أو هفوة فنان تسقط منه كلمة غير مناسبة، أو شاعر مبتدأ يخطأ النطق، دونها يسيطر الصمت.
بالمناسبة نوهت إلى الأحزاب الرئيسة، لأنني أعتبر 90% من الأسماء الموجودة أحزاب بالاسم ولا تستحق التنويه أو التسمية الحزبية، منها لم تكن أصلا حزب؛ انقسمت على ذاتها أربع وخمس مرات، ومنها ما دفع بفرد أو عدة أشخاص لتسمية مجموعة بحزب وجلها أما لغايات شخصية، أو أدوات بيد قوى ينفذون أجندات ساذجة. ولا تعني هذا أن الأحزاب الرئيسة والتي هي مادة دسمة للعديد من الكتاب والمثقفين وأصحاب وسائل التواصل الاجتماعي؛ بأفضل منهم.
الحراك الثقافي والإعلام الكوردي، أو من في حكمهما، يعيشون الأزمة، الفكرية والسياسية، والوعي العام، ولا تعني كثرة قراءة المراجع والكتب تراكم معرفي يؤدي بالضرورة إلى وعي الذات ومتطلبات المرحلة، بل يتطلب الإبداع وتنوير المجتمع والحراك السياسي، وعلى خلفية غياب الأخيرة نجد ذاتنا ضمن خضم الخلافات التنظيمية الحزبية، والنشاطات الكلاسيكية الروتينية، علماً أن ما هو متوفر لنا في ساحات الأنترنيت، وحيث شبكات التواصل الاجتماعي والأقنية الافتراضية كافية لتوعية الذات والأمة من كل أطرافها.
فلربما ما نحتاجه كبداية، تقبل الخلافات كبعد حضاري، والنقد وتقبله كتحقيق للديمقراطية، وكثرة الأحزاب حلول بدائية للمعضلات التي استعصت على الأحزاب المهترئة. دونها تبقى الطامة، ومنها استمرارية تعمية بصيرة المجتمع، وتوسيع شق الخلافات في الشارع الكوردستاني، وتكريس نشاطات الأحزاب لإزالة الأخر من الساحة، وإعاقة تطوير أساليب الحراك السياسي.
في الوقت الذي يعيش فيه أغلبيتنا الضحالة الفكرية، ولا قدرة لنا كحراك سياسي-ثقافي تقديم خطوة لتوعية الذات والمجتمع أو رفع القضية درجة في المحافل الدولية أم مع القوى الإقليمية، مثلما نجد ذاتنا ضعفاء على إيصال قضية عفرين، على سبيل المثال، بالمستوى المطلوب إلى المحافل الدولية، مثلما لم يكن لدينا الإمكانيات لإيصال قضية أهلنا في شنكال إلى العالم، لولا الدول الكبرى التي أدعت مصالحها تفعيلها لظلت في شبه عتمة، والحالتين في الواقع لا تزال دون سوية ما يجب أن تكون عليه الاهتمام العالمي، فهما جونسايد بشري، لكنهما لا يزال يدرسان كبشائع لمنظمات إرهابية.
وبالمقابل نملك قدرات واسعة في محاربة الكوردي الآخر، نحارب الأنكسي أو الـ ب ي د، أو التقدمي خاصة عندما كان المرحوم حميد حجي درويش لا يزال قائما على رأس الحزب، وقد كان أخر الأحياء من مؤسسي الحزب، أو الوحدة. أو الأحزاب الكوردستانية، الديمقراطي أو الإتحاد أو الـ ب ك ك، وهناك من سيقول حتما وكيف يتم المساواة بين هذه الأحزاب، كما يقال في واقع جنوب غرب كوردستان كيف يتساوى المجرم بالضحية، والمعادلة مرعبة وكارثية، كل طرف له مواليه، ومريديه ومهاجميه، والاتهامات خطيرة، وهكذا نستمر لا ندرك كيف نطور ذاتنا لمجارات المراحل الفكرية وخلق أساليب عصرية لإنقاذ الذات ومواجهة المتربصين بنا. أي عمليا نعيش السجن الذاتي، وهو ما نوه إليه الكاتب عباس عباس.
نكاد في الحراك الكوردي والكوردستاني نعرف بعضنا البعض، ماذا كتبنا وماذا سنكتب، وماذا سيتحدث الحزبي ذاك، في حواره القادم، وما سيقدمه الكاتب أو الشاعر هذا أو ذاك قبل محاضرته أو سيمناره، وماذا سيقدم الإعلامي على منبره الافتراضي، نكاد لم نعد نقرأ للبعض، لأننا نعرف سلفا ما يتضمنه كتابه أو دراسته أو مقاله، أي عمليا نعيش قوقعة كوردية، لا أقولها ضحالة تقديرا، لأننا نحرث في الحقل ذاته منذ عقدين وأكثر دون تطوير يذكر، وهي مدعاة للأسى، حراك ثقافي-سياسي نمثل أربعون مليون ندور في الحلقة ذاتها، نسير على الدروب نفسها، ونتحدث ومنذ عقود في القضايا المتشعبة بنفس الصيغ الكلامية ونكتب على المنهجية ذاتها. فهل سنتمكن وبهذه الأساليب من تغيير الواقع الكوردستاني؟ وهل نخدم أمتنا أم الأعداء؟ وجميعنا نعلم أن عدم وعي المتغيرات العصرية خدمة مجانية للمتربصين بنا وبأمتنا.
من شبه المستحيل أن نغير الكوردي الأخر ليعمل مثلما نريده، فما نراه خطأً قد يراها هو جادة الصواب، وبالعكس، لكننا نستطيع أن نقف في وجه العدو كل بطريقته، إما نقنعه بقضيتنا أو نحده من محاربتنا أو نحاربه بأسلوبه، لذا علينا جميعا التحلي باحترام رأي الأخر، ولا تعني هذا التخلي عن النقد والنقد الحاد، بل تعني عدم نقل الخلافات الفكرية الداخلية إلى سوية الصراع الكوردي-الكوردي المؤدي إلى ضعف الذات.
ومن مهماتنا كحراك ثقافي بكل جوانبه وليس الحزبي، توعية المجتمع، وخلق التفاهم والتقارب في الشارع الكوردي، وإلغاء منطق الخيانة، وتفهم الحرية على أنها تعني ما يريده الأخر وليس ما نريده نحن، ونتقبل النقد؛ وننقد للتوعية وتصحيح المسارات وليس لشمولية فكرية، أي كما نوه الكاتب عباس عباس مثلما قدم أتباع كونفوشيوس لبلدانهم في اليابان وكوريا الجنوبية وغيرها.

الولايات المتحدة الأمريكية

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد