التراث الحضاري الثوري لشعب -لگش- يتجدد في أحفادهم في -الناصرية-

د. كاظم حبيب

منذ أكثر من عام ونصف العام تجتاح الناصرية المظاهرات الشعبية الاحتجاجية المتواصلة المطالبة بحقوق الشعب أولاً وأهل الناصرية وشبيبتها من الإناث والذكور ثانيا. وبدلاً من الاستجابة لها تواجه يومياً بإرهاب الحكومة وأجهزتها الأمنية والميليشيات الطائفية المسلحة الأعضاء في الحشد الشعبي بالرصاص الحي وبسقوط المزيد من القتلى والجرحى والمعوقين. هذه الروح الثورية الساطعة تعبر عن روح الشعب ورفضه للظلم والاضطهاد والعسف والقهر السياسي والاجتماعي الذي يذكرنا بأول انتفاضة شعبية ثورية انطلقت من أرض العراق على صعيد العالم، حسب علمنا، انطلقت من مدينة لگش في جنوب العراق والتي تقع بحدود محافظة الناصرية الحالية. لنعيد إلى الأذهان ما جرى في هذه الانتفاضة الشعبية التي حصلت في عام 2351 قبل الميلاد. كتب الأستاذ الدكتور طه باقر في كتابه الموسوم “مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة للأستاذ طه باقر ما يلي:
“في عام 2351 قبل الميلاد، في يوم شتائي بارد ثار شعب مملكة لگش على حكومته المستبدة ووقفوا وقفة احتجاجية غاضبة لما عانوه من سوء الأوضاع وحجم الضرائب… وبعد احداث طويلة نصّب الثوار أوروكاجينا من عامة الناس أميراً عليهم فقام بأول إصلاح سياسي عرفهُ التاريخ حيثُ شرّع أوركاجينا مجموعة من الإصلاحات تم تدوينها بدستور جديد سُميت بإصلاحات أوروكاجينا جاء في مقدمتها :جئت لأخلص الضعيف من القوي ولن أدع أحد ينام وهو جائع. وقد تمثلت هذهِ الإصلاحات برفع الضرائب وتحسين الخدمات اضافة الى توفير فرص العمل وإنهاء التسلط الطبقي واستغلال المناصب والفساد الذي شاع بذلك الزمن.”. (أنظر: طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، الناشر: شركة دار الوراق للنشر، الطبعة الثانية، 2012. هذه الإصلاحات تم تدوينها على موشور طيني تم العثور عليه في العراق ومعروض حالياً بمتحف اللوفر في باريس).
تشير المعلومات المتوفرة التي عثر عليها في أنقاض لگش إلى أن السومريين عرفوا قبل قانون أورنمو تشريعاً آخر هو قانون الملك أوروكاجينا الذي حكم في المنطقة بحدود 2351 ق. م. بعد أن اشتد الصراع بين السلطة الحاكمة وكهنة المعابد، وكذلك في ما بين كهنة المعابد، ثم بين بين الفقراء والأغنياء في المجتمع السومري القديم. لقد مزقت الخلافات المجتمع وأصبحت الظروف ناضجة في حينها لتغييرات فعلية، فكانت الانتفاضة المناهضة للملك الظالم لوغال آندا. ويشار إلى أن الأوضاع الاجتماعية والفقر الجماعي الذي شمل لگش كان شبيهاً بما حصل في فترة حكم الملك أياناتوم. وبالتالي ارتفعت الشكوى ضد الوضع حينذاك، إذ أن الشعب فقد حقاً كافة حقوقه في هذه الفترة، مما لم يعد ممكناً تجاوز الوضع القائم. وتشير إلى ذلك بوضوح المقاطع التي سجلها الملك أوروكاجينا، الذي ارتقى سدة الحكم عبر الفقراء وجزء من كهنة المعابد، على نقش نقرأ فيه ما يلي:
تعدى حاكم لگش على حقوق المشاعيات لمصلحة “الأقوياء” وحرق “المراسيم القديمة” وفرض ضرائب غير شرعية لحسابه وحساب الكهنة، وعين المفتشين والموظفين لمباشرة مضاعفتها أحياناً، وشرع الكهنة الذين لم يكتفوا بالضرائب المفروضة يسلبون السكان. فانتزعوا من السكان مواشيهم ودواجنهم، والأشياء النحاسية، والملابس، وأجود أشجار البساتين وثمارها، وطلبوا رسوماً باهظة لدفن الموتى. واحتكر لوغال آندا وكبار موظفيه أصواف أجود أنواع الأغنام، وفرضت ضريبة محددة (5 شيقلات من الفضة) على كل رأس من الأنواع الأخرى، كما استحدثت رسوم وضرائب أخرى. وهكذا ازداد الأغنياء (الأقوياء)غنى وتضاعف بؤس الفقراء حين كان القوي ينهب ثمار جهد الضعيف وتغتال حقوقه” (أنظر: دلّو، برهان الدين. حضارة مصر والرافدين. التاريخ الاقتصاديظالاجتماعي-الثقافي والسياسي. الفارابي. بيروت. ط 1. 1989. ص 214).
أصدر الملك أوروكاجينا إصلاحاته باسم الإله ننرجسو موضحا الأسباب التي دعته إلى تلك الإصلاحات من جهة والإصلاحات التي أدخلها لصالح الفقراء ضد الأقوياء وضد الكهنة الذين ساهموا مع الأقوياء في استغلال الضعفاء والفقراء فكتب يقول:
“أبقار الآلهة استخدمت لسقي الأراضي الزراعية المقطوعة لإنسي، الأراضي الخصبة تشكل إقطاعيته، وهي موضع سرور أبسي. الحمير والأبقار الجميلة كانت تصادر من قبل الكهنة، الحبوب توزعها الكهنة على أناس أينسي. أي كاهن في أي ناحية كان يقلع أشجار حديقة أم فقيرة لنفسه، كما كان يقطف ثمارها لصالحه. وإذا ما دفن ميت كان الكاهن يأخذ سبع قراعات بيرة كمشروب له، و420 رغيف خبز و120 سلة قمح لطعامه، إضافة إلى رداء وكبش صغير وفراش لنومه”.(Helmut Uhlig, Die Sumerer, Volk am Anfang der Geschichte C. Berrelsmann Verlag, München, 1976, S. 231).
ونتيجة هذا الظلم قرر الملك الجديد ما يلي:
“بعد أن منح ننجرسو مملكة لگش إلى محارب أنليل، أوروكاجينا أعاد العمل باللوائح القديمة. ألغى التعريفة التي كانت تدفع للمراقبين عن الخروف الأبيض وعن الحمل. وأبعد المراقبين الذين كانوا يجلبون المدفوعات النقدية عبر الكهنة إلى القصر. لم يعد هناك مراقبين عند حدود منطقة ننجرسو. عندما كان يدفن ميتاً كان يتقاضى الكاهن 3 قراعات بيرة كمشروبات له، و80 رغيف خبزٍ لطعامه، وكان يأخذ لنفسه فراشاً وكبشاً صغيراً. لم يعد هناك كاهناً يمكنه أن يضايق أم فقيرة ويلج حديقتها في أي ناحية كانت. إذا ولد لأحد رعايا الملك حماراً جيداً وقال له رئيسه: “أريد أن أشتري منك هذا الحمار”، وإذا كان موافقاً على عملية الشراء، فيبتغي أن يقوله له: كلفني الحمار كذا مبلغ، فادفعه لي. هكذا أمر الملك، وبالتالي حرر الناس في لگش من الجفاف والسرقة والقتل. هو الذي طبق الحرية. لم يرتكب أي عمل غير عادل بحق اليتيم والأرملة بعد ذلك. ننجرسو عقد هذا الاتفاق مع أوروكاجينا”. (أنظر: المصدر الألماني السابق نفسه، ص 231). [ملاحظة: الملك لوغال آندا، الذي أطلق على نفسه أينسي وهو ابن الكاهن الذي تربع على العرش مؤقتاً ونصب ابنه ملكاً على عرش لگش. ك. حبيب].
ونتيجة لهذه الإصلاحات سُمي بملك الشعب، كما يشير إلى ذلك الكاتب الألماني هيلموت أوليغ. أما المؤرخ والآثاري المعروف البروفسور بورشارد برينتيس فيذكر بان هذا الملك لم يستطع أن يتخلص من تأثير النخبة الحاكمة والكهنة رغم الإصلاحات التي أجراها، أي أنه لم يقم بثورة اجتماعية تغير الوضع القائم كله، بل أجرى إصلاحات اجتماعية تنقذ النظام القائم من المخاطر التي كانت تحيط به بسبب شدة الاستغلال والظلم والجور التي سلطت على رقاب الناس من جانب الملوك والكهنة. وبمعنى آخر أن الملك أوروكاجينا سعى إلى إنقاذ الطبقة الحاكمة من غضب الطبقات الكادحة والمستغلة. ( Brentjes، Burchard Prof. Dr.Die orientalische Welt. VEB Deutscher Verlag der Wissenschaften. Berlin, 1972. S. 69).
ويشار إلى هذه الفترة بأن الناس بدأوا يتصورون أن المجتمعات السابقة كانت لا تعاني من الظلم والجور مثل ما هم عليه الآن، إذ كتب أحدهم يقول:
منذ زمن بعيد لم تكن هناك حيّات، ولا عقرب، لم يكن هناك ضبع، ولا خوف ولا فزع. لم يكن للإنسان عدو.”. (. Ebenda. S. 69. الكتاب باللغة الألمانية، المصدر السابق نفسه)
هذه الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في لگش قبل 4370 سنة ضد الظلم والطغيان، ألا تذكرنا بانتفاضة شعب الناصرية المقدام، ألا تذكرنا بأجدادهم البواسل الذين تصدوا لظلم الحكام والكهنة من شيوخ الدين حينذاك الذين ساوموا الحكم على حساب مصالح الشعب والوطن. ليس عجيباً ولا غريباً أن يكون أبناء وبنات الناصرية اليوم هم من أحفاد وحفيدات نفس ذاك الشعب، لن يسكت على الضيم والقهر والبطالة والفقر والحرمان نهب الوطن وحرمانه من سيادته واستقلاله. وهو ما نسمعه من الأهازيج والردّات التي ترتفع إلى عنان السماء. لن يقبلوا بحاكم يساوم على حساب مصالح الشعب ويتخاذل أمام سارقي قوت الشعب ومصاصي دماءه وقتلة بناته وأبناءه.
المجد لكم يا أبناء وبنات الناصرية، يا أبناء وبنات العراق المنتفض على الظلم والطغيان والطائفية والفساد.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد