مسيرة (بينوسا نو) المئة

د. محمود عباس

تكاد وسائل التواصل الاجتماعي أن تقضي على دور الصحافة المكتوبة، وتنقل سوية القراءة من الكتب إلى المقالات، ومن الصفحات إلى السطور، وربما الجمل، إلى درجة بدأ الفرد يشعر بنهاية عمر الكتاب، والبحوث، والدراسات الطويلة، بل وحتى المقالات، ويزداد الشعور يوما بعد أخر أن تعب الساعات من أجل بحث ما؛ أصبح هدر وعبث، عندما نلاحظ أن عدد القراء؛ بل المطلعين لا يتجاوزون أصابع اليد.
لا شك هذا المفهوم كان حاضرا على مر المراحل التاريخية التي بدأت فيها الكتب والصحافة المكتوبة تنتشر بشكل واسع، ورافقت ظهور المطبعة السريعة النشر التأفف من عدم القراءة، وهذه الحقيقة أصبحت الأن أكثر حضوراً وأوضح على خلفية الانتشار السريع للأفكار والآراء.
لربما من المنطق القول، إن البشرية تتجه نحو حضارة البناء والتكوين المتسارع، بعد غياب الزمن واضمحلال المسافات، وتلقي المعلومات بجمل، والهروب من صرف الطاقة الذهنية إلى الرؤية النظرية. و(بينوسا نو) النسخة الكوردية بأعدادها 93 والعربية بأعدادها المئة و(نحن هنا بصدد يوبيل النسخة العربية) كغيرها من الجرائد والمجلات المكتوبة، تعاني في هذه البيئة الثقافية ليس من مضمونها، بل من القراء، ولا تنقصها أقلام المفكرين والباحثين بل من الذين يستفيدون من هذه المعلومات. فقد قدمت وعلى مدى السنوات التسع الماضية، دراسات أدبية ثقافية، وبحوث في مجال اللغة والفن والشعر، وتحاليل في الأبعاد السياسية، ترقى إلى سويات نوعية عالية المدى، نشرت صفحات تجاوزت الألاف، نقلت أحلام الكتاب، وأمال الأمة، وخيال الشعراء، وإبداعات المفكرين مع طيشهم، وعبقرية الروائيين بمعظم شطحاتهم، وجماليات الفنانين مع عبثيتهم، كما وتضمنت حوارات مع العديد من النخبة الثقافية والسياسية، وغيرها من المواضيع المثيرة واللذيذة والقيمة، وجلها كانت على سويات ثقافة عالمية.
المفكرون والمؤرخون والكتاب والشعراء الذين ساهموا في إصدار صفحات بينوسا نو (العربية حصرا هنا نذكرها لبلوغ عددها المئة) سوياتهم الثقافية على مستوى الشرق الأوسط إن لم تكن عالمية، منهم على سبيل المثال: عبد الواحد علواني، وإبراهيم محمود، والدكتور أحمد خليل، والدكتور مهدي كاكه يي، والدكتور أمين سليمان سيدو، والدكتور محمد الصويركي، وإبراهيم يوسف، وعبد الباقي حسيني، والدكتور محمود عباس، والكاتب خالد البهلوي، والكاتبة نارين عمر، والدكتور آلان كيكاني، والشاعر جميل داري، والفنان سرور علواني، وغيرهم العشرات من الأقلام الكوردية، الذين يستحقون كل التقدير. وقد أشرف على تحرير النسخة العربية، من أعدادها الأولى، الدكتور أحمد خليل، وفيما بعد لفترة قصيرة الكاتب إبراهيم محمود، وفيما بعد أستلم رئاسة تحريرها الكاتب خورشيد شوزي ونائب التحرير الدكتور محمود عباس.
جريدة بينوسا نو تشق طريقها في الدروب الصعبة التي تواجه الصحافة المكتوبة بشكل عام، خاصة وهي من ضمن عداد الجرائد التي تنعدم لديهم الإمكانيات المادية، وهي تستند على جهود محررها الشخصي، الكاتب خورشيد شوزي، والذي يصدرها بحلتها المعروفة، وينشرها من خلال النت، على المواقع، ومراكز التواصل الاجتماعي، خاصة على صفحة الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد، وصفحات أعضاء هيئتها الإدارية، وصفحة بينوسا نو وموقعها الإلكتروني، لتصل إلى كل زوايا المجتمع الثقافي والسياسي الكوردي والعربي.
ولإيصال صوت شعبنا وقضيتنا إلى خارج الوسط الكوردي، حرصنا نحن في (الإتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في سوريا) وبعد العدد الأول، أن تكون الجريدة باللغتين، وتنشر أبحاث ومقالات لكتاب عرب لهم توجهات وطنية ولهم أراء إيجابية حول القضية الكوردية.
وعلى خلفية المهمات التي حملتها منذ البداية كانت ولا تزال دروبها صعبة، تخللها العديد من المطبات، وهو ما يحث هيئة تحريرها على تكرار طلبها من جميع كتابها عرض ملاحظاتهم، وانتقاداتهم، السلبية قبل الإيجابية، لتنوير الساحات المظلمة، وتوضيح ما يخطؤون فيه، علهم يتمكنون من تخفيف بعض المآسي؛ المعانية منها أمتنا، والتي لا حصر لها، وتبدأ من لقمة العيش وشظف الحياة في الوطن، إلى آلام الغربة لمن هاجر؛ ولا تنتهي بضياع القضية بين قوى حزبية متصارعة، بل تجتاز إلى حيث مؤامرات القوى الإقليمية المحتلة لكوردستان، وتغيب في عالم الصراعات الجارية، والتي تكاد تكون بلا نهاية.
لهذا فنحن، كشعب وأمة، نحتاج إلى نشاطات بينوسا نو، مثل احتياجنا إلى جهود أبن الشارع الكوردي وحامل القلم، والإعلامي، والسياسي والمثقف، وفي كل المجالات وعلى كل الأصعدة، قدر الإمكان.
لا شك، المواجهة الصريحة تخلق المشاكل، رغم أهميتها ومكانتها، لهذا كثيرا ما يبتعد إعلامنا ومن ضمنها جريدتنا المذكورة، عنها ليس قلة في الجرأة بقدر ما هي حكمة في تتبع الأساليب الصحيحة في معالجة وتوضيح قضايا مجتمعنا، ومصاعب الشارع الكوردي.
يقال إن الإعلام الذي لا يقتحم الدروب الصعبة، لا تنفع وتزول، وفي الواقع الصارخ منه مرحلة أنية وتخلق من الإشكاليات بقدر ما تثير الشارع، أما ذوي الخط الوطني والذين يتبعون الحكمة والأساليب المنطقية نجاحاتهم ترسخ لعقود طويلة، لذا فمحررو بينوسا نو ومنهجية الإتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد، يتبعون خطط لفوائد طويلة الأمد، لذلك وفي كل أعدادها حاولوا عرض مواضيع واسعة المدى وعميقة التأثير، وكثيرا ما نبشت أقلام كتابها عن المنابع ليس فقط التي تخلق الراحة والطمأنينة والإحساس بالمتعة الفكرية، بل نقبت عن المصادر التي تبث الكوارث، ومحرور بينوسا نو يحثون وفي كل حلقة كتابها وبحاثيها على عرض مواضيع ودراسات ومقالات تعالج قضايا الشعب والمجتمع، والعائلة الكوردية، بمنطق وروية.
ورغم كل هذا، هل بلغت الجريدة أحد مقاصدها التي تم تحريرها من أجله؟ وهل نجحت في بلوغ غايتها خاصة بعدما بدأت تنشر من العدد الثاني باللغتين الكوردية والعربية؟ ماذا قدم محرروها الذين تتالوا عليها، وهم قامات أدبية وفكرية عالية، خلال السنوات الطوال إلى أن بلغت الأن العدد المئة؟ وهل اضطروا إلى تغيير أو تنويع المواضيع التي نشرت من على صفحاتها؟ هل تغيرت منهجية بينوسا نو؟
الأجوبة على هذه الأسئلة وغيرها، يجب تركها للقراء، والنقاد، بل والذين ربما سيتناولونها يوم ما في أبحاثهم حول الإعلام الكوردي المكتوب. وللإجابة بشكل غير مباشر من داخل أسرة جريدة بينوسا نو ومن الإتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد، والقائمين على النسختين، عمل محرروها، وخاصة الكاتب خورشيد شوزي والذي تولاها بعد السنة الثالثة من صدورها، على تنويع مواضيعها، والتي شملت معظم الجوانب الثقافية والفكرية والسياسية والفنية، وغيرها إلى أن وصلت إلى هذا العدد؛ المئة.
أهنئ أسرة جريدتنا بينوسا نو، وأشكر بشكل خاص محررها؛ الكاتب خورشيد شوزي على جهوده القيمة، وكده المتواصل من أجل إيصالها إلى هذه السوية، نوعاً وكماً، والشكر للهيئة العامة للكتاب والصحفيين الكورد، الذين تمكنوا وبجهودهم الخاصة وإمكانياتهم الذاتية تحقيق هذا الإنجاز الرائع.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد