-الوطنية- الايديلوجيه الثلاثينيه الزائفة؟/1

عبدالامير الركابي

في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، تعرض العراق لاكبر عملية خداع على صعيد تجلي “الوطنيه” ابان لحظة غير عادية، مثلها الاحتلال البريطاني،واستوجبت حضورها الملح بمواجهتة، في وقت عجزت النخب العراقيه التي حدث ان كانت موجوده آنذاك، عن مقاربتها والتعرف عليها، فلجأت يدلا عن ذلك للهروب المستخذي، وخداع الذات المتواطيء الجاهل باشتراطات واقعه التاريخي، الى الايديلوجيا الحزبية، الاستعارية الاستلابيه، لابل والالتحاق بالعملية الافنائية الغربية، واستعمالها على انها هي “الوطنية العراقية”،بعد التجاوز المخادع على اشتراطات وممكنات تجليها التاريخي في حينه.
حدث ذلك في غمرة وابان الاحتلال البريطاني للعراق عام 1917 ، والحدث الثوري التحولي الازدواجي غير الناطق، الذي انفجر في 31 حزيران 1920 وما نتج عنه وتمخض من تعديل في المواجهة، وأسلوب تدبير الاحتلال للحال العراقي ضمانا لنوع من النفوذ والهيمنه الممكنه، بعد ان اضطر لتطبيق شكل مبكر من اشكال “الاستعمار الجديد” الذي عرف لاحقا في الستينات، قبل اوانه، جاعلا له عنوانا هو: “إقامة حكومة من اهل البلاد تكون واجهة للنفوذ البريطاني”أرسيت على عجل وقتها عام 1921 كتدبير اضطراري داهم، لاجل تصفيه والاجهاز على مترتبات الحدث الوطن/ كوني العراقي العشريني.
يقول احد الماركسيين المعدودين:” اما البرجوازية الوطنية فكانت ضعيفة جدا اقتصاديا وسياسيا ولم تستطع تنظيم نفسها في حزب سياسي كبير شان” الوفد المصري” او ” المؤتمر الهندي”، اذ لم تستطع تنظيم الجماهير الشعبيه او قيادتها بصورة ثابته وفعاله، كما لم تستطع فرض صورة من الديمقرطية البرلمانيه يمكن مقارنتها حتى بنظائرها في مصر او الهند”(1) ولا داعي لان نناقش زكي خيري بما يقصده ب “الديمقراطية” في عراق العشرينات وكيانيته المفبركة، بالمقابل لابد من ان نحاكم مايقوله عن تنظيم الجماهير وقيادتها ووفق اية أسس يقترحها او يتصورها، فهو لايخطر له اطلاقا اذا كان هنالك في البلاد التي يتحدث عنها، وهو منها بالاصل، “رؤية وطنية” كان المفترض ان يستفزها، ويحفز على البحث عنها، الطاريء الاحتلالي الداهم، والحضور الغربي بمختلف جوانبه.
واهم ماتجدر ملاحظته والانتباه له فيما يذهب اليه الكاتب أعلاه، هو المصادقة على مشروع الاحتلال بتبني مايسمى “الدولة الحديثة”، واعتبارها واقعا وحقيقة موضوعيه، لا نوعا من اطار مفبرك احتلالي من خارج النصاب المجتمعي، وسياقات التشكل الوطني الحديث، ما يضع وامثاله ابتداء، بصف المشروع الاحتلالي، وكجزء مكمل له، مبرر لوجوده بغض النظر عن الاعتراض على بعض جوانبه، او الظواهر المتصلة به، والمرافقه لحضوره، وزكي خيري وغيره، لايعرفون ولايخطر لهم بناء عليه، الانحياز الى الوطنيه الحديثة العراقية ولمسارها المتصل على مدى اكثر من ثلاثة قرون، ابتداء من القرن السادس عشر، يوم ظهرت اولى علامات عودة تشكل العراق في دورة راهنه ثالثة من دورات تاريخه، الامر الذي يدأب هؤلاء على نكرانه وطمسه كليا، مبدين جهلا مطبقا به، كما باجمالي تاريخ العراق وسيروراته والياته، وصولا للمساهمة في تغييبه، وبناء سردية مواكبه ومكملة للسردية الاحتلالية ومشروعها الافنائي لتاريخه، ومستنده لها كما يفعل كل الحداثيين، بتبنيهم موضوعة الضابط الاستعماري الملحق بالحملة البريطانيه، ويرلند، ومايقوله عن العراق الذي بدأ تشكله من عام 1831 أي بالارتباط بحضور الغرب، والالتحاق بالسوق الراسمالية العالمية.
يقول “الوطني” كامل الجادرجي، زعيم الحزب الوطني الديمقراطي وقبلة تيار “الأهالي” وممثل التيار الليبرالي:” لاشك في ان المظهر الأول للحركة الوطنية الحديثة في العراق ـ وقد كان مظهرا ضخما ـ هو ثورة حزيران 1920 ضد الاحتلال الإنكليزي.
وقبل الاحتلال الإنكليزي للعراق، واثناء الحرب العالمية الأولى، وخلال العهد الهثماني، لم يكن هناك مظهر لحركة وطنيه خقيقية في العراق، لقد كانت هنالك فئات وطنيه صغيره كما كان هنالك افراد قلائل يحملون أفكارا وطنية وقوميه تنطوي على مناهضة الحكم العثماني، ولكنها كانت حركة ضعيفه غير منظمه، وكان مظهرها اكثر بروزا ماارتبط منها بالحركة القوميه العربيه التي نشات لها مراكز خارج العراق في الاستانه وبهض المدن العربيه، ولم يكن هناك الا صدى ضعيف لذلك داخل العراق. وقد كان الوضع العام في العهد العثماني يتميز ببعد الناس عن السلطة، ذلك البعد الذي كان اكثرعمقا في الريف والقرى والبوادي”(2) والنص أعلاه على طوله، ضروري حتى نتعرف على التكريس المقصود للمفهوم “الوطني الحديث” الملفق، باعتباره مدينيا أولا، وحصرا، ومن نمط الايديلوجيات المستعارة ثانيا، وقائم على اخراج الواقع المعاش الفعلي من اللوحة، وقطعه من السياق باعتباره غير موجود، فالوطنيه لايمكن ان توجد في “الريف والقرى والبوادي”، كما انها لاماضي لهايمكن ذكره، بمعنى محو وإلغاء كل مايتصل بالعراق وتاريخه، وظواهره قبل مجيء الاحتلال، او اثار تغلغله قبل ذلك، عند أواخر العهد السابق العثماني.
يمكننا ان نتصور الان من هي ” الحركة الوطنيه الحديثة”، ماهي؟ ومن تمثل من العراقيين؟ لاشك ان من انخرطوا في الظاهرة المنوه عنها، وواضبوا على تكريسها نموذجا، هم مجموعة الأشخاص الذين وجدوا انفسهم سواء في فترة الحضور الغربي غير المباشر، ابان الطور العثماني الأخير، او مع الاحتلال، وبعد الحدث الثوري العشريني ،بوضع مستجد من حيث التعليم والاحتكاك، وبعض الاطلاع المحدود للغاية، ليتصوروا انهم قد غدوا بموقع الاهلية للانخراط في المشروع الغربي، سواء من موقع التناغم معه، او معارضته بما يتناسب ،مع مواقعهم، او مايؤمن مصالحهم كما كانوا قد تصوروها، ذلك مع شعورهم مجتمعين بانهم يعيشون زمنا هو فرصة تاريخيه، تكرسهم كطليعه، بغض النظر عن اية اسبقيات، اوخلفية مجتمعية، وبانحياز كلي شديد السطحية للمشروع المعروف بالحداثي، النموذجي، والتفكري الغربي، وبحسب السياقات التاريخيه العراقية منذ 1258، فان هؤلاء ينتمون لمنتهيات حالة، تقع بباب النمط الأخير من أنماط الهيمنه البرانيه، الواقعة على العراق ابتداء من غزو هولاكو لبغداد، وماقد توالى على العاصمة المنهارة من اشكال سلالية، واشكال حكم براني لاجذور له، موجود فقط بسبب غياب العراق ووقوعه تحت طائلة فترة من فترات الانقطاع المميزة لتاريخه، والملازمة له، حيث بغداد مركز لحكم لايتعدى حدودها، معزول عن المجتمع، وغير قادر على ادارته، او الحلم ببسط سلطته عليه.
ومايميز تلك الفترة الموزعه الى حقبتين، انها كانت تتركز في بغداد عاصمة الدورة الإمبراطورية العراقية الثانيه المنهارة، والعراق الغائب كينونه وبنية، وقد استمرت الى القرن السادس عشر، مع تبلور أولى اشكال الوطنية العراقية الثالثه بظهور “اتحاد قبائل المنتفك”، وتغير شكل، والاليات التي يخضع لها الحكم في العاصمة المنهارة غير الحاكمه، مع توطد حالة الازدواج العراقي التاريخي، الأعلى البراني في العاصمة التي ماعادت عاصمة العراق، وهو مايشمل كل الفترة العثمانية بطوريها المماليكي الذي انتهى الى الهزيمه، والعثماني المباشر بعد عام 1831 المتاثر بطلائع الحداثة الغربيه، والاسفل العراقي الجنوبي المتحرر والمستقل فعليا، لابل والذي يصل أحيانا الى العاصمة نفسها، ويمد نفوذه اليها، كما حصل حين نصبت المنتفك الوالي سعيدا، قبل داوود باشا اخر المماليك، بحرابها.
يتحدث الجادرجي في النص السابق عن العراق البراني، عراق العاصمة التي لم تعد عاصمة موصوله بالعراق وايقاعه التشكلي الحديث، حتى وان استمرت باقية ولم يلحق بها الخراب مثل سابقتها بابل، تذكر بدورة منتهية من تاريخ العراق الامبراطوري، هذا مع فارق هام وجوهري كان قد طرا اليوم على العراق المفبرك، المركب خارج سياقات التشكل التاريخي، هو امتلاك القوى والجهات التي تمثله، لنمط من الخطاب والمفهوم يكاد يكون مؤهلا لاحداث نوع من الافنائية للوطنيه العراقية، غير المعبر عنها، والباقية أصلا وعلى مر تاريخ العراق، خارج التبلور المفهومي.
وبالعودة الى زكي خيري كمثال، وغيره كثيرين، لابل جميعا، نجده غيرمنتبه اطلاقا لمسالة كانت وقتها بارزة جدا، وتستدعي التوقف، تمثلت في حينه لافي عجز البرجوازية عن تنظيم نفسهافي “حزب كبير”، بل عجزها بالاصل واساسا عن ان تلعب الدور المنوط بها كشرط لازم قبل إقامة الحزب، بان تجهد مركزة على الكشف عن تجليات “الوطنيه العراقية”، وهو الفشل الأكبر والاهم الذي واجهه وعانى منه “جعفر ابو التمن”، الذي يطلقون عليه عادة اسم “أبو الوطنية العراقية الحديثة”، بدل ممثل هزيمة النخبة الحديثة، امام تحدي الوطنية العراقية. الامر الذي سينجم عنه فراغ خطير، مالبث ان مليء بوطنيه مفبركة/ مزورة، مستعاره، تلفيقة وفوقيه، عاملة على سحق الوطنية وافنائها باسمها، وبالاصرار على الحلول محلها، وإرساء صورة مزورة عنها .
يعود زكي خيري لاضحاك القاريء فيقول : (” فكان، ماثلا للعيان، عهدذاك، منذ بداية الثلاثينات، الفراغ الذي يجب ان يملاه، حزب عمل جماهيري ثوري، حزب ليست له مصالح طبقية ضيقه اوشخصية يخشى من تعرضها للخطر، او يبخل بالتضحية بها، ولم يكن بالإمكان ان يكون مثل هذا الحزب الا حزبا طبقيا، ممثلا للطبقة التي”لاتملك شيئا تفقده في الثورة الا اغلالها” )(2) هكذا يحل الاشكال ويجري اجتياز المازق التاريخي، بالهروب الاحتيالي والارادوية، واللجوء الى الجاهزالمتحقق في مكان وعالم آخر، واستعارته بالصندوق المقفل، هو وبنيته وشريحته الاجتماعية، التي افرزته ضمن ظروف واشتراطات تاريخيه ومجتمعية مختلفة تماما، هي الاوربية الحديثة.
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) زكي خيري / مقدمته لكتاب/ من تاريخ الحركة الثورية المعاصرة في العراق 1920/ 1958/ سعاد خيري / ص 4/ الجزء الأول /الطبعة الثانية/ دار الرواد للطباعة / بغداد.
(2) نفس المصدر ص 5
(3) كامل الجادرجي/ مذكراتكامل الجادرجي وتاريخ الحزب الوطني الديمقراطي/ دار الطليعة / بيروت / ص 20

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد