كوردستان سلم الحاكمين في العراق!

كفاح محمود كريم

كوردستان سلم الحاكمين في العراق!

كفاح محمود كريم

منذ أن قامت جمهورية العراق في 14 تموز 1958 وإعلان الزعيم عبدالكريم قاسم أنها جمهورية العرب والكورد، مضمناً ذلك في مادة دستورية تؤكد شراكتهما في الجمهورية العراقيّة، والعنصريون القوميون يحاربون أي توجّه لبناء دولة مواطنة تحترم كلّ المكوّنات ولا تقتصر على مكوّن واحد كَبُرَ حجمه أم صَغِر، وخاصةً ممن كانوا حول الزعيم الّذين استماتوا من أجل تخريب العلاقة بين زعيم حركة التحرر الكوردستانية العائد للتو من منفاه في روسيا وبين الزعيم عبدالكريم، والتي أدّت إلى اندلاع الثورة الكوردية المعاصرة في 11 أيلول 1961م، وخلال ما يقرب من عقدٍ من الزمان حاول الوطنيون العراقيون وقيادة الثورة الكوردية إيقاف إطلاق النّار والبدء بالحوار والتفاوض كما حصل في عهد رئيس الوزراء عبدالرحمن البزاز، تلك المحاولة التي اغتُيلت بسبب سلوك ذات المجموعة التي تسببت في اندلاع الثورة، حتى اتفاقية آذار 1970 والتي اعترفت بحق الكورد في الحكم الذاتي لأوّل مرّة في تاريخ العراق، لكن للأسف الشديد وحينما اقتربت القيادتين العراقيّة والكوردستانية من تطبيق الاتفاقية عَمِلتْ ذات المجاميع العنصرية على تخريبها وتفصيل قانونٍ للحكم الذاتي على مقاسات حزب العربي الاشتراكي وبقيادته، مما دفع القيادة الكوردستانية إلى رفضه وعودة أعمال العنف التي استمرت قرابة سنة، انتهت باتفاق إيران والعراق بجهود هنري كيسنجر وهواري بومدين، وتوقف العمليات العسكريّة وتنفيذ قانون الحكم الذاتي البعثي.، حتى اندلاع ثورة كولان في ربيع 1976م التي استمرت حتى آذار1991م، حيث انتصرت إرادة الشعب واستقلت كوردستان ذاتيا بمساعدة الأمم المتحدة ومجلس الامن الدولي، ليطوي الكوردستانيين صفحات الماضي ويشرعوا في بناء مؤسساتهم الحقيقية للحكم الذاتي، وخلال أقل من سنة أجروا انتخابات أنتجت أوّل برلمان كوردستاني شرع قانون الفيدرالية وجعلها مطلباً أساسياً في أوّل تفاوض مع بغداد، وبسبب المناطق الكوردستانية التي تعرضت للتعريب والتبعيث والاستيطان في كركوك وسنجار وخانقين وغيرها، فشلت المفاوضات مع حكومة صدام حسين، حتى أسقطت أمريكا وحلفائها ذاك النظام، فأسرعت قيادة الإقليم بالذهاب إلى بغداد في محاولةٍ تاريخية لبناء دولة عصرية مدنية أساسها المواطنة، لكن للأسف وخلال سنوات قليلة جداً ظهرت نوازع التفرد بالسلطة وإقامة دكتاتورية من خلال صناديق الاقتراع الممغنطة بفتاوى مرجعيات دينيّة ومذهبيّة وقبليّة مُضافة للتعصب القومي، والعودة إلى المربع الأوّل باستخدام قضية كوردستان ومطالب شعبها سلماً لتسلق السلطة أو مبرراً لاستمرار دكتاتورياتها، ومنذ 2003م حيث بدأت تلك النوازع العنصرية بالعودة إلى الاستثمار للحصول على أصوات الناخبين من العامة السذج، وخاصةً في المناطق المختلطة أو الكوردستانية خارج إدارة الإقليم، مبتدئة من الموصل حيث كان الشعار الترهيبي لدفع الناخبين لتأييدهم هو إرهابهم من البيشمركة على خلفية ادّعاءات مختلقة وأن الكورد يبغون السيطرة على الموصل وضمها للإقليم، وكذا الحال في كركوك مضاف إليه التهييج الطائفي والذي امتد إلى ديالى ومحافظة صلاح الدين.

واليوم ومنذ سنوات يستخدم معظم الطامعين بكراسي الحكم ذات السلوك وبإضافة طائفية متميزة في إشاعة الكراهية والحقد ضد الإقليم وشعبه وقياداته، حيث وصلت الذروة في معاداة كوردستان بعد أن عجزوا في اللحاق بازدهارها وتقدمها في 2014 بتسليم الموصل وتلعفر وسنجار ومخمور والحويجة وسهل نينوى لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وانسحاب كلّ القطعات العسكرية الضخمة من هذه المناطق وترك أسلحتها الثقيلة والمتوسطة مع مليارات الدولارات أموالاً ومنتجات لذلك التنظيم، الذي تأملوا فيه احتلال كوردستان وتدمير ازدهارها وتجربتها، لكن النتيجة كانت تحطيم “داعش” عند حدود الإقليم على أيدي البيشمركة وطيران التحالف الدولي ومساعدة الأصدقاء في مخمور وأطراف كركوك وغرب سحيلة، ومع تحطيم تلك الأسطورة ضربت الحكومة العراقية حصاراً خانقاً على الإقليم بقطع حصته من الموازنة السنوية ولخمس سنوات متتالية، ومن حينها وأجهزة الدعاية التابعة لهم تبثُّ قصصاً مختلقة عن سرقة النفط في كوردستان، وأن الكورد يعيشون على نفط البصرة، وكذا الحال مع قصص أخرى استخدموها لتسطيح الرأي العام وتحويلها إلى سلم لتسلق السلطة كما فعل حيدر عبادي حينما شعر بفشله في مكافحة الفساد وتنفيذ وعوده الخيالية، فاستخدم ورقة كركوك وأثار الرأي العام العراقي وترهيبه بقيام الدولة الكوردية وطرد العرب منها، واستقدم الجنرال سليماني وعناصره وميليشيات موالية لإيران لاجتياحها وبقية المناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم، متأملاً أن يحجز ولايته الثانية كما فعل سلفه المالكي.

وكالعادة كلما اقتربنا من موسم الانتخابات، ارتفعت أسعار المزايدات على معاداة كوردستان وحقوقها، والبازار لا يختلف عن مهرجانات الشعر في القذف والمدح منذ ما قبل الإسلام وحتى يومنا هذا، فيتبارون بشتى أنواع وأشكال الدعايات والتلفيقات والترهيبيات،  مستهدفين عقول العامة من الأهالي تارةً بالتعصب القومي والقبلي وأخرى بالشد الطائفي، مسخرين عشرات الفضائيات والإذاعات وبرامجهم الحوارية لتوجّيه الناخبين إلى كوردستان وعمي أبصارهم عن حقيقة ما يجري في محافظاتهم وبلداتهم التي تأن فقراً وحاجةً وبؤساً، وهم لا يعرفون أن منقذيهم قد استحوذوا على 87% من موازنات العراق طيلة 15 سنة دون أن يقدموا لهم إلا الشعارات والممارسات التخديرية، وها هم اليوم أيضاً يستخدمون معطيات انتفاضة تشرين التي قامت ضدهم، مع شعاراتهم حول البعبع الكوردي لتسلق سلطة الانتخابات المبكرة التي لن تختلف في نتائجها إن حصلت عن سابقاتها إلا بالأسماء والعناوين.

مالم تحل قضية كوردستان جذريا وبروح دستورية وطنية إنسانية خالصة، سينمو ويتطور التيار العنصري والطائفي باتجاه إدامة الصراع واحتدامه ليتآكل فيه العراق منخورا بالفساد والعسكرة والدكتاتورية والتقهقر، فكما هي كوردستان سلما لاعتلاء الحكم، هي ذاتها سببا في انهياره وسقوطه!

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد