قانون الأقتراض .. رسائل سياسية و مخالفات قانونية

د. كوفند شيرواني

قانون الأقتراض .. رسائل سياسية و مخالفات قانونية

 

‏اقر مجلس النواب (البرلمان) العراقي في جلسة يوم 12 نوفمبر قانونا بأسم (قانون تمويل العجز المالي) يتيح للحكومة العراقية إقتراض مبلغ 12 تريليون دينار (حوالي 10 مليار دولار) من المؤسسات الدولية والبنوك المحلية وذلك لتمويل العجز المالي في الموازنة لتغطية رواتب الموظفين والمتقاعدين للأشهر الثلاثة المتبقية من السنة الحالية. حدث ذلك بعد تأخر صرف الرواتب لمدة تجاوزت 40 يوما وتسبب في إثارة القلق وعدم الارتياح في أوساط الموظفين والمتقاعدين (وعددهم يربو عن 7 ملايين) فضلا عن ارباك الحركة التجارية الداخلية والأوساط المالية.

‏وقد حاول النواب الكورد تأجيل التصويت أو إلغاء الفقرة الخاصة بالإقليم لكن مساعيهم لم تفلح فانسحبوا من الجلسة ومرر القانون الذي يحجب حصة الأقليم من الرواتب. وبصرف النظر عن المساجلات التي أدت الى انقسام البرلمان عنصريا إلى كتلتين عربية و كردية في سابقة مؤسفة لاتعرف تداعياتها في مقبل الأيام, فأن المتابع للشأن السياسي والبرلماني في العراق سيتوصل الى أن تمرير القانون بهذه الطريقة والصيغة يحمل في ثناياه رسائل سياسية قوية من الأغلبية التي مررت القانون الى الكورد والأقليم فضلا عن الحكومة العراقية. كما وقع القانون في عدة مخالفات قانونية، ربما تبررها العجالة في التمرير.

 

الرسائل السياسية

-توجيه رسالة غير ودية, إن لم تكن عدائية, تجاه إقليم كردستان, حكومة وشعبا, واعتماد قضية الرواتب كورقة ضغط سياسي على الإقليم. وقد جاء في وصف رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني مسعود بارزاني لتمرير القانون بأنه طعنة في ظهر شعب كوردستان, فيما وصفه رئيس الأقليم نيجيرفان بارزاني بالعقوبة الجماعية لإقليم كوردستان, الا انه أضاف إلى أهمية استمرار الحوار مع الحكومة الأتحادية للتوصل الى حلول تستند الى الدستورلجميع المسائل العالقة بين ألأقليم والمركز.

– يتقاطع هذا القانون مع اتفاقات مالية أنجزت في شهر آب الماضي بين الإقليم والمركز حول معالجة المستحقات المالية للإقليم من رواتب وغيرها للأشهر الأخيرة من السنة. وهذا التقاطع بتصورنا متعمد ويمثل تحديا واحراجا تسببه الكتل المتنفذة في البرلمان لحكومة الكاظمي أمام المواطنين والأقليم.

-‏الأمر الأكثر حساسية, أن تمرير هذا القانون بالطريقة والصيغة التي خرج بها, والتي ألغت مكون أساسي من الشعب, يمثل نسفا للعملية السياسية التي بنيت ما بعد العام 2003 على أسس الشراكة والتوافق بين المكونات وليس الأقصىاء والتهميش لأي مكون مهما كان حجمه او موقعه.

 

المخالفات القانونية

-إن مواد القانون اجمالا تجاوزت الأسباب الموجبة له ووظيفته الاساسية وهي تمويل العجز المالي كما هو محدد في عنوان القانون. حيث أن التمويل المطلوب هو لتأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين لثلات أشهر وحسب, دون الحاجة للتمدد الى جوانب مالية تفصيلية جلها من اختصاص وزارة المالية. فالصيغة النهائية للقانون جعلته يشبه قانون مصغر للموازنة وليس قانون محدد للتمويل المالي. ‏وتجدر الإشارة, أن مشروع قانون موازنة العام الحالي قدم الى البرلمان يوم 21-9  وواجه انتقادات وملاحظات كثيرة اضطرت الحكومة على أثرها سحب مشروع القانون في اليوم التالي ليظل العراق بلا قانون للموازنة رغم مشارفة العام الحالي على الأنتهاء.

-ان الصيغة الحالية للقانون والتي تحجب الرواتب لفئة معينة من المواطنين العراقيين (موظفو اقليم كوردستان), عبر فرض اشتراطات غير واقعية, تتعارض بوضوح مع المادتين 14 و 16 من الدستور العراقي واللتان تشملان مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص والذي تلزم الحكومة لتحقيقه لكل المواطنين.

‏-المواد ستة وسبعة وثمانية وتسعة من القانون تتضمن جوانب تنفيذية تفصيلية تدخل في صلب واجبات وأعمال وزارة المالية وزارات أخرى ولم يكن هناك من داع‏ لأقحامها في هذا القانون , فالمادة 61 اولا و ثانيا من الدستورحددت مهام البرلمان بتشريع القوانين والرقابة على أداء السلطة التنفيذية, دون التدخل في تفاصيل وآليات عمل هذه السلطة ومؤسساتها المختلفة.

 

‏كان جليا منذ سنوات. حصول تدخلات للكتل السياسية والاحزاب التي تمتلك توجهات وأفكار متباينة و يرتبط بعضها بمصالح وقوى إقليمية قد لا تلتقي مع الصالح العام العراقي, كل ذلك سيلقي بظلال سلبية على القوانين التي تشرع والقرارات التي تصدر من قبل السلطات العراقية.

‏ويدرك خبراء المال والاقتصاد أن القانون الذي صدر باسم التمويل المالي سيعالج معضلة الرواتب للأشهر المتبقية من العام الحالي, لكن الأزمة المالية والاقتصادية ستظل باقية, وقد صرح السيد وزير المالية بذلك في حديث يوم 18-11 بقوله ان الدولة فقدت السيطرة على ماليتها وان عليها اتخاذ 450 اجراء لتحسين الوضع الأقتصادي للبلاد !! وكأن السيد الوزير يتفق مع دراسة لمؤسسة كارنيجي للسلام صدرت في الشهر الماضي وتنبأت بحصول انهيار كبير في الأقتصاد العراقي عام 2021 !! ترى هل ستفلح حكومة الكاظمي و ورقتها البيضاء (خطة الاصلاح الاقتصادي) في انتشال البلاد واقتصادها من ركود وانهيار ينتظرها في مقبل ألأيام.

د. كوفند شيرواني

أكاديمي عراقي

 

 

 

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد