من أسرار الصندوق الأسود لمسؤولي العهد السابق

latifa_aldlimy

علاء اللامي

 

معلومات ثمينة بحثيا يدلي بها موظفون تنفيذيون عراقيون عملوا في الدولة قبل الاحتلال الأميركي حول أنابيب نقل النفط عبر سوريا وتركيا والسعودية: أحرصُ شخصيا، في حال توفر لدي الوقت، على متابعة البرنامج التلفزيوني الحواري “طبعة خاصة” الذي يقدمه الإعلامي القدير عامر إبراهيم، فبعض القنوات – كالشرقية – رغم دورها الإعلامي السيء عموما لا تخلو من الاستثناءات والتجارب الفردية.
هذا البرنامج يستضف غالبا مسؤولين وموظفين تنفيذيين كبار في الدولة العراقية حتى سنة الاحتلال الأميركي للعراق 2003 وبعدها بقليل، وقد غادر بعضهم العراق بسبب ظروف الاقتتال الطائفي والإقصاء الحزبي والإحالة إلى التقاعد والتقدم في السن. واعتقد أن هؤلاء الموظفون والمسؤولون يشكلون ثروة عراقية مهمة، فهم نتاج للدولة العراقية وليسوا نتاج لنظام الحاكم قبل الاحتلال، وقد فرط بهذه الثروة الإدارية والعلمية نظامُ المحاصصة الطائفية لاحقا لأسباب حزبية وثأرية وحتى طائفية رغم استعداد الكثيرين مهم لخدمة بلادهم دون قيد أو شرط، حتى أن مجموعة منهم شكلت مجلسا استشاريا وأعلنت أنها مستعدة لتقديم مقترحاتها ووجهات نظرها العلمية والإدارية حول ما يعانيه العراق حاليا وأن بعضهم مستعد للعودة إلى العراق والعمل في ميدان عمله السابق كمستشار أو بأية صفة أخرى إذا توفر الحكومة لهم الضمات الأمنية، ولكنهم قوبلوا بالإهمال حتى الآن من قبل سلطات الفساد والتخريب والنهب المنظم الذين لا يريدون أي إصلاح فحياتهم متعلقة به ولا بقاء لهم إلا بالفساد. وسوف أتوقف عند هذا المفصل من الموضوع بشيء من التفصيل في مقالة أخرى.
إن الأهمية التوثيقية البحثية لهذه الحوارات مع هؤلاء الموظفين والمسؤولين السابقين تتأتي من كونها تقدم كمية مهمة وكبيرة ونادرة جدا من المعلومات التي لم تنشر سابقا، بحكم قمعية النظام الدكتاتوري السابق الذي كان يعتبر كل معلومة حتى لو كانت تافهة سرا من أسرار أمن الدولة حتى لو كانت تتعلق مثلا بكميات البطانيات أو السكائر التي تنتجها المصانع العراقية! ورغم أن صدقية ما يقوله الضيف في هذه البرامج ينبغي أن يكون موضوع بحث وتمحيص وتوثيق ولكنه في النهاية يبقى مادة مهمة وجديدة ولا بديل لها أحيانا عن فترة معقدة من تاريخ العراق الحديث. وأسجل أن بعض تلك المعلومات قد صححت الكثير معلوماتي عن بعض الأحداث والمواقف والشخصيات، ومن ذلك مثلا:
*كنت قد كتبت أكثر من مرة عن موضوع ضرورة إعادة تأهيل وفتح أنبوب النفط العراقي المتوجه نحو ميناء بانياس السوري واعتبرت ان الحكومة العراقية هي المسؤولة عن إهمال هذا الخط والإبقاء على احتكار الانبوب المتجه نحو تركيا ضمن خيارات النظام العراقي المحابية لتركيا الأطلسية. ولكن المعلومات التي أدلى بها السيد شريف محسن الموظف الكبير في وزارة النفط العراقية والمسؤول المباشر عن أنابيب نقل النفط العراقي أكدت لي عكس ما كنت أعرفه في ضوء الحقائق التالية:
1- أنبوب النفط العراقي المتجه الى ميناء بانياس السوري أنجز وافتتح في العهد الملكي سنة 1952. وفي سنة 1956 فجرت الحكومة السورية محطة ضخ النفط تي 4 احتجاجا على العدوان الثلاثي على مصر؛ ودمشق – هنا – كانت محققة في ذلك من وجهة نظري، وليس كما يطرح مُعد المادة الإعلامية في تقرير الشرقية عن الموضوع والذي يسمي العدوان الثلاثي كما تسميها وسائل الإعلام في دول العدوان بـ “حرب السويس”! وفي عام 1966 أي في العهد الجمهوري طالبت سوريا برفع رسوم مرور النفط بنسبة 46 بالمائة ورسوم تحميله في السفن بنسبة 94 بالمائة. وعادت وطالبت برفع الرسوم في سنة 1971 فوافق العراق.
2-في سنة 1972 قرر العراق تأميم النفط ومعه جميع المنشآت النفطية التابعة للشركات النفطية الأجنبية بما فيها خط أنبوب النفط ومنشآته في سوريا، وفي اليوم نفسه قرر الحكومة السورية تأميم الجزء الواقع في سوريا من أنبوب النفط العراقي الذي آلت ملكيته بموجب قانون التأميم للعراق، ولكن الحكومة السورية أممته وأصبح سوريا، ولم يصدر موقف بالرفض من العراق رغم أنه كان بإمكانه المطالبة على الأقل بالتنسيق والتشاور معه على أساس أن عائدية الأنبوب أصبحت عراقية وعلى أساس أن الحكومة السورية لم تجرؤ على تأميمه حين كان بريطانيا. وبعد ذلك بأيام طالب سوريا بمضاعفة رسوم عبور النفط العراقي من 22 سنت الى 44 سنت للبرميل الواحد الذي كان سعره بحدود ثلاثة دولارات. وبعد مفاوضات طويلة اضطر العراق للموافقة على الطلب السوري إضافة إلى تزويد مصفى بانياس السوري بالنفط الخام بسعر تفضيلي مخفض لحاجة العراق للخط الوحيد الذي يصدر عبره آنذاك.
3-هنا بدأت الحكومة العراقية بالبحث عن مشروع خط بديل للخط السوري لكي تضمن مرونة في تصديرها ولا ترتهن لخط واحد فكان مشروع الخط العراقي التركي المتجه الى ميناء جيهان والمشروع الثاني هو الخط الاستراتيجي من حديثة نحو البصرة والتي افتتح سنة 1976. ويسجل المتحدث محسن شريف أن مسؤولا سوريا هو مدير مصفى بانياس، التقاه بعد البدء بتنفيذ الخط التركي فاعترف له قائل “نحن نعلم أنكم ستوقفون ضخ نفطكم عبر سوريا ولكن وللتاريخ فنحن السوريين الذين دفعناكم لهذا الخيار ولم تذهبوا له بأنفسكم”! وبعدها تضاءلت أهمية الخط العراقي السوري مع التوجه الى السوق الآسيوي عن طريق البصرة وعبر تركيا الى أوروبا
4-وبعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية سنة 1981 وانحياز الحكومة السورية إلى جانب إيران لأقدمت الحكومة السورية على إغلاق أنبوب النفط العراقي السوري يوم 10 نيسان 1982 واستعاضت عنه بالنفط الإيراني، ولم يكن العراق هو المبادر إلى إغلاقه.
*كما أدلى المتحدث بمعلومات مفيدة ومهمة حول أنبوب النفط الذي أنشأته إدارة إقليم كردستان والعلاقة بينه وبين الأنبوب العراقي المتجه الى تركيا.
*وعن الخط العراقي السعودي نحو البحر الأحمر قال المتحدث. إن السعودية وافقت على مشروع مد أنبوب لنقل النفط العراقي من البصرة الى البحر الأحمر دون أن تأخذ أجور نقل على النفط لعراقي ولكن تكاليف مد الأنبوب على العراق، وأخذت مسؤولية مقاولة تشغيل وخدمات الخط والميناء لشركة أرامكو، على أن تدفع الحكومة العراقية مبلغا شهريا مقابل هذا التشغيل والخدمات لأرامكو. ويكون الخط بمجاورة الخط السعودي الناقل لنفط المنطقة الشرقية إلى البحر الأحمر أيضا. وقد تم إنجاز المرحلة الأولى والبالغ طول الأنبوب فيها 650 كم، من قبل المهندسين والعمال العراقيين خلال 11 شهرا فقط وبدأ الضخ فعلا. وقد أغلقت السعودية هذا الخط بعد حرب الخليج الثانية واحتلال العراق للكويت سنة 1990. وسنة 2000، ومع تصاعد التحضيرات لغزو واحتلال اميركا للعراق، أبلغت السعودية العراق أنها قررت الاستيلاء على الخط النفطي ومنشآته بحجة أن العراق لم يفِ بالتزاماته المالية.
من المؤسف أن المتحدث، السيد شريف محسن، ختم المقابلة معه برأي غريب قال فيه (أنا – كخبير نفطي – لو كنت مكان السعودية لما أعدت الخط للعراق بسبب مشكلة مضيق هرمز والتهديدات…إلخ)! وهذا رأي مؤسف ومرفوض، ولا يمت بصلة للوطنية، ولا لروح المصالحة بين الدولتين والشعبين العراقي والسعودي، حتى لو تبرقع ببرقع أكاديمي وخبرائي! ورغم هذه الهفوة الأخيرة يبقى ما تحدث به الضيف جديرا بالتمعن والاهتمام لجدة وأهمية المعلومات الواردة فيه، وللدقة والتوازن السائدين غالبا في طرحها.
*رابط حلقة برنامج ” طبعة محدودة” التي تحدث فيها الخبير النفطي شريف محسن:

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *