تتعرض لمساومات علنية وسرية.. من يحرم أقليات العراق من حقوقها؟

latifa_aldlimy

صلاح حسن بابان

 

تميز العراق منذ القدم باحتضانه الكثير من الأقليات الدينية مثل المسيحيين والإيزيدية والصابئة المندائيين والشبك والكاكئية والتركمان، وهم من السكان الأصليين لبلاد وادي الرافدين ويتوزعون بنسب عالية في مناطق شمال العراق، وتحديدا في محافظتي نينوى وكركوك وبعض محافظات وسط وجنوب البلاد.

وأدى الانقسام الداخلي لهذه الأقليات وتوزيعها على الأحزاب والكتل السياسية في العراق إلى تشتتها وضياع حقوقها ومستقبلها، ناهيك عن المساومة العلنية والسرية لقضاياها على يد ممثليها لمصلحة الأحزاب الكبيرة، مما تسبب بأضرار لا تقل جسامة عما خلفه تنظيم الدولة الإسلامية بعد سيطرته على مناطقها.

الانقسام الأسوأ
وبحسب الدستور العراقي، تم منح الأقليات مقاعد وفق تقسيم الحصص أو ما يعرف بنظام الكوتا رغم اعتراضها على ذلك، ومنح الإيزيدية والشبك مقعدا نيابيا واحدا فقط رغم أن الإيزيديين عام 2005 كانوا أكثر من خمسمئة ألف نسمة، والشبك أكثر من مئتي ألف نسمة، أي إن الإيزيدية كانوا يستحقون خمسة إلى ستة مقاعد، والشبك ثلاثة مقاعد.

وفضلا عن ذلك، حجمت سيطرة الكتل الكبيرة على النظام السياسي وتعزيز مبدأ المحاصصة الطائفية في تشكيل الحكومات دور وتمثيل المكونات الأصلية من خلال إقصائها من أي دور رئيسي في العملية السياسية التي بنيت في الأساس على مبدأ قانون الغاب، بحسب الصحفي الإيزيدي سامان داود.

ويصف داود تعمق الخلاف الإيزيدي الداخلي بـ”الأسوأ” بعد رحيل زعيمهم الأمير تحسين بك، فسرعان ما دب الاختلاف وانقسموا إلى أربعة أقسام، ويتبع كل قسم أميرا معينا للديانة، مما تسبب بظهور تيارات سياسية جديدة داخل المكون الإيزيدي، وما زاد الطين بلة هو فشل أول تحالف إيزيدي سياسي في الانتخابات الأخيرة عام 2018، عازيا السبب إلى تفكير هذه الأحزاب بمصالحها الخاصة وإرضاء أطراف أخرى.

ساحة لجمع الأصوات
ولا تشير الآفاق المستقبلية إلى تغيير واقع الأقليات في العراق خلال الفترة المقبلة، فهي كانت وما زالت لقمة سهلة وساحة نشطة لجمع الأصوات الانتخابية بالمراوغات السياسية خدمة للأحزاب الكبيرة، كما يقول السياسي العراقي من الأقلية الكاكئية غازي فيصل.

وأضاف فيصل للجزيرة نت أن الأقليات استبشرت بتغيير واقعها بعد عام 2003 لكنها انصدمت بالفوضى الخلاقة التي أهلكت العراق بسبب سلبيات الديمقراطية التي جاءت إلى البلاد، موضحا أن “الكاكئية بوصفهم أكرادا تعرضوا للتهديد بالقتل والتصفية والتهجير وجميع أشكال الإرهاب من العصابات خلال فترة 2003 إلى 2014 وبعدها من قبل تنظيم الدولة الإسلامية”.

وانتقد فيصل عدم مشاركة الكاكئية في الحكومات المتعاقبة، وعدم وجود أي تمثيل سياسي أو برلماني لهم وحتى على مستوى مجالس المحافظات، وهذا ما تسبب بعدم تثبيتهم كمكون في الدستور العراقي مثل الشبك والكرد الفيليين والإيزيديين.

إزالة كلمة “الأقليات”
أما المسيحيون فكان عددهم في العراق حوالي 1.5 مليون قبل الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، وكانوا يمثلون 5% من مجموع السكان، ثاني أكبر المجموعات الدينية في العراق بعد المسلمين، ويعترف الدستور العراقي بـ14 طائفة مسيحية مسموح التعبد بها.

ويتمركز أغلبية المسيحيين في المدن الشمالية من العراق مثل الموصل وأربيل وكركوك، وعدد منهم يوجدون في بغداد وبابل والبصرة، وكانوا عرضة للهجمات المباشرة بعد وأثناء العنف الطائفي 2006-2008، وهجوم تنظيم الدولة 2014، مما أدى لهروبهم الجماعي إلى خارج البلاد.

ويرى الكاتب والباحث المسيحي المونسنيور بيوس قاشا في حديثه للجزيرة نت أن إطلاق تسمية “الأقليات” على مكونات أصلية ورئيسية في العراق إساءة كبيرة لها، مضيفا أن الدستور العراقي لم يمنحنا حقوقنا الكاملة، ولنا حقوق العبادة، ولا نملك حقوق الإيمان.

ودعا قاشا إلى إزالة مصطلح “الأقليات” من الدستور العراقي، وجعل الحقوق واحدة ومتساوية لدى الجميع دون أي تفرقة، معربا عن أسفه لعدم وجود أي حقوق للمسيحيين في العراق بسبب توزيعهم على الأحزاب والكتل السياسية المسيحية التي لا تهتم سوى بتحقيق مصالحها.

وشدد على أنه لا يمكن خدمة المسيحيين بأحزاب وإنما بمكوناتهم الأصيلة، وهذا ما يجب أن يدرك في العراق.

محنة الشبك
أما الشبك فإنهم يتحدثون اللهجة الشبكية القريبة من اللهجة الكورانية الكردية، ويدينون بالدين الإسلامي، سواء كانوا سنة أو شيعة، وينتشرون في مدينة الموصل والقرى المحيطة بها وفي 72 قرية في سهل نينوى، ونحو 70% منهم من الشيعة والباقي من السنة.

وهاجر الكثير من الشبك إلى محافظات وسط وجنوب البلاد بعد سيطرة تنظيم الدولة على مناطقهم، وما زالوا يوجدون هناك حتى الآن.

ومن السمات التي ظهرت على مناطق الأقليات هي شق الصفوف وظهور أكثر من حزب داخل الحزب الواحد ضد بعضهم البعض نتيجة لموالاتها لأحزاب كبيرة في البلاد، وتعمل هذه الجهات بحسب مصالح الحزب الداعم لها، مما دفع إلى تجرد هذه الجماعات من الانتماء لمناطقها وشعبها.

ويقول النائب الشبكي المستقل في البرلمان العراقي قصي عباس إن تحقيق المكاسب الذاتية للكتل والأطراف السياسية الكبيرة التي تدعم بعض الممثلين من الأقليات بالمرتبة الأولى، وما زالت الأقليات اللقمة الدسمة لهذه الأحزاب.

ويرى عباس أن هناك تفاوتا في حظوظ مكون مقارنة بآخر، وذلك بحسب الدعم الذي يتلقاه، سواء كان داخليا أو خارجيا ودوليا، مؤكدا أن التهميش والإقصاء يلاحقان الأقلية الشبكية منذ عام 2003 حتى يومنا هذا بسبب انتماء ممثليها للقوائم الكبيرة، وتجاهلهم مطالب شعبهم.

ويسعى الشبك إلى تحقيق الإدارة الذاتية والأمنية في مناطق سهل نينوى ذات الأغلبية الشبكية وإعادة المهجرين والنازحين إليها وإعمارها.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *