الأجماع على مصطفى الكاظمي… لغز !

latifa_aldlimy

احسان جواد كاظم

تهافت القوى المتنفذة الحاكمة على تكليف السيد مدير المخابرات العراقية مصطفى الكاظمي والأجماع عليه, اثار الكثير من علامات الاستفهام والريبة لدى المواطن العراقي… لأنه لم يشهد خلال حكم هذه المجموعة بكل تاريخها المحاصصي, ان اتفقت على اختيار شخصية لرئيس الوزراء بهذه السرعة, سرعة سنة ضوئية, وبهذه السلاسة, كما هذه المرة, طوال 17 عاماً من حكمهم.

وربما سيُدوّن اسمه, تبعاً لذلك, كأول رئيس وزراء عراقي يُكلف, بهذه السرعة, في سجل تاريخ العراق بعد 2003, ودخل بذلك التاريخ من اوسع ابوابه, بغض النظر عما ستؤول اليه نتائج تكليفه لاحقاً.

كما ان تغيّر مواقف القوى والكتل النيابية الداعمة للسيد عدنان الزرفي المباغت نحو السيد مصطفى الكاظمي مثل سائرون وائتلاف النصر والقوى العراقية وائتلاف الوطنية, ايضاً يثير التساؤل عن اسبابه الحقيقية… وكذلك التحالف الكردستاني الذي لم يكن رافضاً للزرفي صار مرحباً بتكليف الكاظمي.

ومن الجدير بالملاحظة, ان خطاب الانسحاب الغير متوقع للسيد الزرفي من ماراثون تشكيل الوزارة لم يشُبه الكثير من الامتعاض والأسف من قبله, كما هو معتاد في مثل هذه المواقف.

الأمر المؤكد ان السيد الكاظمي لم يتعب, كما كل سابقيه من الساعين الى تشكيل الوزارات, بتوسل اللقاءات, واللهاث وراء القوى السياسية لتجميع الداعمين لتكليفه, وانما وصلته جاهزة مطبوخة, وبأجماع يكاد يكون تاماً… وقد كان ذلك جلياً اثناء مراسم التكليف, التي نقلتها وسائل الأعلام, فقد اصطفت قيادات الأطراف السياسية الحاكمة ورؤوس الميليشيات, لتمريره وعلى قلب رجل واحد.

إن إجماع كل هذه القوى المتنافسة والتوافق عليه فجأة, بعد أن وصمته بعضها, قبل ايام معدودات, بالعمالة للأمريكان وان له يداً باغتيال الجنرال سليماني وابي مهدي المهندس, يزيد من فوضى التقييمات ومتاهة التأويلات.

لذا ترانا امام لغز !

ولابد ان وراء ذلك سر اً يفسر ذلك الاجماع !

طبعاً ما من عراقي سيصدق ان توافقهم على السيد الكاظمي كان بسبب شعورهم العالي بالمسؤولية ازاء الوضع المتدهور السائد بالبلاد المتمثل بأزمة حكم حادة, تضاف اليها ازمات الفقر والبطالة وتغول الميليشيات, والنفوذ الاجنبي وخاصة الأيراني في البلاد, ووجود انتفاضة شعبية رافضة لهم تطالب بالتغيير, واخيراً جائحة كورونا التي باغتت الجميع… هي ما جعلتهم يجمعون على اختيار الكاظمي كرئيس وزراء مخلّص !

ذهب البعض في رأيه الى محاولتهم انقاذ ما يسمى بالبيت الشيعي المتهاوي بسبب صراع المصالح, وحشد القوى, من منطلق ان رئيس الوزراء هو حصة حصرية للاحزاب الشيعية ( وليس للمكون الشيعي كما يحاولون ان يخلطوا الأمور ), وخصوصاً بعد تدهور اوضاع الحشد الشعبي بغياب قائديه الجنرال سليماني والمهندس… وانكفاء الدور الايراني نحو الداخل بعد الانهيار الاقتصادي بسبب الحصار الأمريكي وكذلك استفراد فايروس كورونا بالشعب الايراني.
علة صراع المصالح ذاتها تنخر بالبيتين الآخرين المشتركيّن بالمحاصصة, البيت السني والبيت الكردي اللذين يعانيان من التداعي بنسب مختلفة ولأسباب مشابهة او مختلفة.

والحجة الآخرى لتداعيهم للأجماع عليه, هو انتشار فايروس كورونا ووجوب مواجهته, بعد ان انتظم العالم بأجمعه للحد من آثاره ومكافحته… وهذه تهمة ايجابية لايمكن ان نوصم بها المجموعة السياسية الحاكمة واحزابها المتحاصصة التي لم نعرف لها يوماً اهتماماً بشان المواطن والوطن, في غمرة استكلابها على المغانم والأمتيازات.

من التفسيرات المعقولة لهذا الأجماع والاستعجال, اللغز, في التكليف هو وجود اتفاق امريكي – ايراني, الزم اطراف الحكم بالأذعان له والامتثال لبنوده… وهو أمر كانت له سوابق.

البعض من المتابعين للوضع السياسي العراقي عزوا الاجماع على تكليف السيد الكاظمي الى خشية اصحاب السلطة من فقد امتيازاتهم وغنائمهم فيما لو دفع الامريكان نحو تحويل ملف العراق في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الى البند السابع وانفلات خيوط اللعبة من بين اصابعهم, بعد شروع المنظمات الدولية بإدارة الأمور والأموال بشكل لا يسرهم ! خصوصاً بعد الترتيبات العسكرية الامريكية الجديدة في تمركز قواتهم.

الممسك بمهاميز السلطة بظفره ونابه, لن يسلمها بسهولة, رغم سلسلة فشله الطويلة, لذا فأنه سيطرق كل الطرق للألتفاف على مطالب المنتفضين وتخدير يقظتهم وتأبيد تسلطه.

ان أكثر ما يثير الشكوك لدى المواطن العراقي في اجماعهم عليه بهذا الشكل, امكانية تطمينه لكل مطالبهم على حساب مصالح ابناء الشعب, خصوصاً بتلافيه التعرض للمحاصة الطائفية – العرقية في تصريحاته. لهذا فأن أهم ما يجب الانتباه اليه هو ليس شخص رئيس الوزراء, رغم اهمية ذلك, وانما برنامجه واستعداده الحازم على تنفيذ المطالب الشعبية الآنية واللاحقة !

الغائب الأكبر في كل ما يجري هو الشعب المنتفض المبتلي بهؤلاء الحكام وبجائحة كورونا, والذي ستكون كلمته هي الأعلى في كل حين ولو بعد حين.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *