المرأة بين المنزل والخارج.

latifa_aldlimy

المرأة بين المنزل والخارج.
بقلم: د. سلام شمس الدين

إنحسر دور المرأة تاريخيًا في العمل المنزلي, زوجة ومربية ومهتمة بأطفالها وخدمة الزوج وعاملة في الحقل. ومع الثورة الصناعية وبزوغ الحياة العصرية، أضحت المرأة سنداً لزوجها في دكانه ومشغله… وفي منتصف القرن التاسع عشر, كرّس في فرنسا نموذج (ملاك المنزل) أي المرأة التي تهتم فقط ببيتها وعائلتها، وأضحت هذه الصورة للمرأة بمثابة مركز إجتماعي شبه مقدس. وبالرغم من أن مثال( ربة المنزل) لم يخبُ وهجه، إلا أنها لم تحجز المرأة بالمعنى الحرّ للكلمة. لقد إنفتحت ثقافياً على العالم الخارجي من خلال الإعلام، وإرشادات منظمات إجتماعية وثقافية وسياسية، علمية وطبية، وبالتالي إشتغلت على نفسها كأم وككائن مجتمعي، فغيرت أنماطها الفكرية وطرق تعاملها مع المستجدات اليومية، وتخلصت من إسقاطات الفكر النمطي القديم. ومنذ تحقق هذا التحول، دخل مفهوم العائلة حقبة فكرية طليعية.
بناء عليه يمكن تلخيص ما مرّت به المرأة بثلاثة مراحل: المرحلة الأولى: المرأة والمنزل أقرت المجتمعات على إختلافها على حصر دور المرأة في المنزل، واعتبرت أن المرأة والمنزل توأمان لا ينفصلان، فوظيفتها الحصرية تكمن في تربية الأولاد، والعناية بشؤون المنزل، وأضافت اليها العمل في الحقل وما تتطلبه من جهد تشمل الزراعة والحصاد وما يتبع ذلك من تربية للمواشي وخدمتها. وعلى أثر الثورة الصناعية وما أحدثته من تغيرات في جملة الأدوار المنوطة بالمرأة, أضحى لها دور آخر هو مزاولتها لعمل أو نشاط تتقاضى مقابله أجراً معيناً.
المرحلة الثانية: المرأة خارج المنزل يمكن تأريخ هذه الحقبة مع بداية الستينات، حيث أخذت صورة المرأة منحى جديداً، خصوصاً مع صدور كتاب ” المرأة الأسطورة” la femme mystifiee” للكاتبة Betty friedan”” الذي شكل صدمة ثقافية، إذ فضح الأكذوبة المسوقة حول سعادة المرأة التي تلتزم منزلها، وتعمل المستحيل لإسعادعائلتها. حيث نظرت الى المرأة بأنها تعيش عزلة قاتلة، وفراغاً كينونياً ومللاً لا يوصف، يعود الى رتابة حياتها اليومية. ودخلت على خط التململ من تهميش المرأة، حركات نسائية نادت بإلغاء العبودية المقنعة، وبقوه, فكرة المشاركة المهنية بين الرجل والمرأة، بهدف المساهمة في تحمل الأعباء المنزلية. وما كان يعتبر إستثنائياً، أصبح أمراً بديهياً، لا عودة الى ” تأطير” المرأة في دورين لا ثالث لهما: الأم والزوجة. وهذا التحول الإيجابي ساهم في تغيير الذهنية القديمة، والتي كانت تعتبر الفتاة لا تحتاج لمتابعة الدراسة. وبالتالي أصبحت الدراسة مهمة بالنسبة للفتاة، إذ أنها تفتح لها آفاقاً فكرية ومهنية. وهكذا دخلت المرأة عصر الإستقلالية الإقتصادية، ولم يعد الزواج خشبة خلاصها، والحل الوحيد لوضعها الأنثوي التبعي، وعليه لا بد من الإقرار أن عمل المرأة خارج المنزل بدأ بمبرر إقتصادي ملح نتيجة أوضاع مادية صعبة، وأعباء عائلية كثيرة متزايدة وأهمها تكاليف دراسة الأولاد…حينها تجرأت أقلية من النساء باللجوء الى العمل المهني حباً بالإستقلالية أو لتنفيذ رغبة مزاجية. وبالتالي تكمل المرأة عملها بالتزام أكبر، وتحدّ أعمق بالرغم من المسؤوليات الملقاة على عاتقها. وأضحى العمل النسائي شرطاً أساسياً للتأكيد على الذات التي تريد تحقيق نفسها وذلك بموازاة القول الديكارتي الفلسفي الشهير “أنا أفكر إذا أنا موجود” لكأن المرأة العاملة خارج المنزل تقول ” أنا أعمل إذاً أنا موجودة”. وهذا السطوع الفردي النسائي ما كان ليتحقق لولا تغيير الذهنية الذكورية والمواكبة للتسهيلات التكنولوجية. وهذا ما يدفعنا الى الإقرار بظهور المرأة الثالثة بعد أن كانت المرأة الأولى هي المرأة الفاقدة الإعتبار، هي المرأة السلبية غير الموجودة إلّا من خلال قدرتها على الإنجاب، هي مصدر الشر والفوضى، والمتقلبة والخطيرة. أما المرأة الثانية أو المرأة المشاد بها: هي المرأة المربية القادرة على صنع الأجيال، التي تهذب العادات الهمجية وتؤثر على الشخصيات التي طبعت التاريخ ببصمتها، والمرأة الثالثة ذات الطموح غير المحدد.
المرأة الثالثة: المرأة المعاصرة مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، تشكّل تحول جذري لا سابق له، بالنسبة الى المرأة على الصعيدين الإجتماعي والفردي. فعممت مبدأ حرية التحكم بالذات، وأرست سلطة إقتصادية أنثوية جديدة. هذا النموذج الأنثوي الجديد دعي ” المرأة الثالثة” . وأصبحت تقرر نوع الدراسة، المهنة، الزواج، الطلاق، عدد الأولاد، ومتى، العمل بدوام كامل أو جزئي، التوفيق بين الحياة المهنية والأمومة. ولكن هذه الإنجازات لم تلغ جميع أنواع التمييز بين الرجل والمرأة، ولم تحسم معركة المساواة، وإن حققت أكثر من انتصار في جولات عدة. إلا أن التغيير في الأدوار قد بان، فالإكراه في الماضي قد استبدل بالخيارات الحرة, والمرافقة لتعدد الفرص. الا أنها لا تنطبق على كل النساء . لقد استطاعت المرأة بفضل التعليم ووعيها لحقوقها، وبسبب الظروف الإقتصادية الصعبة وما أتاحته الأدوات التكنولوجية الحديثة من امكانيات وغيرها من العوامل الأخرى … أن تجد ما تستغله، فانخرطت في نشاط انتاجي داخل الأسرة أو عمل له طابع اقتصادي خارجها. أما عن الأسباب التي تدفع المرأة للعمل قد تكمن بداية في الحاجة الى الإستقلال المالي والإقتصادي، إضافة الى رغبتها في العمل والعيش المستقل والرغبة في زيادة دخل الأسرة ومواجهة غلاء المعيشة، حيث أن العامل المادي هو أحد الأسباب المهمة الذي يدفع بالزوجات الى الإلتحاق بالعمل والذي هو بمثابة ضمان للأسرة. كما أن بعض النساء يعملن بدافع الحاجة الى إثبات الذات ذلك لأن العمل بالنسبة اليهن يؤدي الى الإستقلالية الشخصية، ويكسبهن الشعور بالرضا والإطمئنان والثقة بالنفس ويتيح لهن الإختلاط بالآخرين واكتساب خبرات ومهارات تجعلهن أقدر على تحمل مسؤولياتهن. فالمرأة اليوم تريد ن تثبت كفاءتها وفعاليتها بدلا من دورها الهامشي في المنزل. فالعمل يساعدها على إرضاء رغبتها في إثبات وجودها وتدعيم مركزها. وقد تعاني بعض النساء” ربات البيوت” من مشكلة الفراغ، ما يدفعهن للعمل خارج المنزل في محاولة تنظيم أوقاتهن بين الإشراف على البيت وإدارة شؤونه من جهة وظروف عملهن من جهة أخرى. هذا وقد يساهم الزوج في دعم المرأة في إدارة شؤون المنزل وانجاز الأعمال المتطلبة منه في أسرته، باعتبار المرأة قوة إنتاجية تخفف عنه الأعباء الأسرية فيلعب دوراً ايجابياً في تحقيق التوازن ويخلق ظروفاً ملائمة لقيام المرأة بعمل مستقل عن عمل زوجها خارج المنزل. إلا أن هذا لا يعني عدم معاناة المرأة من مشكلة التوفيق بين العمل المنزلي والعمل خارجه، فقد تعيش صراعاً بيت متطلبات البيت وتربية الأولاد التي يعتبرها المجتمع منذ القدم وظائف خاصة بالمرأة وحدها ومتطلبات العمل الأمر الذي قد يؤدي بها الى الإرهاق وقد يجعلها فريسة التوتر الذي يهدد بناء شخصيتها فينعكس على سلوكها وتصرفاتها . هذا القلق يعمل كإشارة انذار للأنا بوجود خطر وتهديد داخلي أو خارجي يهدد الشخصية وبالتالي إعداد العدة لمواجهته بحشد من الطاقة لحماية الشخصية وللحفاظ على مكانتها المهنية واثبات قدرتها الوظيفية وأن تثبت لنفسها ولمن حولها انها جديرة بما اختارت ولتحافظ على الحد الأدنى من استمرارية الحياة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *