قراءة متأنية في الصياغات السياسية

في سجون مظلمة جاءت من هاجس اختلال

موازين القوى وصراع عنيف في حكم الإرادات بين الرئيس جمال عبد الناصر والفرسان الثلاثة أمريكا والإمبراطورية الغازية بريطانيا مع فرنسا يجمعهن الخوف على ربيبتهن (إسرائيل) وتعذيب مبرح لمفكرين ومثقفين وابناء الحركة الإسلامية (الاخوان المسلمون) أفرزته أجهزة يوقضها الإحساس بالوهم ليجعلها ترى إخطارا لاوجود لها ربما على الأرض ولان وجودها هو في حد ذاته المبرر لوجود هذه الأجهزة (أمنية أم استخبارية) اورثتها الاوهام حالة من الشك الدائم في كل الاشياء وكل الأشخاص فكان سيد قطب بالرغم من تنظيره القوي لحركة إسلامية متهمة بحمل السلاح وبالتخطيط لقلب نظام الحكم أنموذجا لاريب عصفت به التناقضات فاولدته مفكراً ثم هجمت عليه رجال الكواليس يحملون مشاعل في العيون فصيرته منظر حروب ومعارك تجري على قصة حكاية الظالم والمظلوم ونصرة الحق في وحشة الطريق بهذه المقدمة اللازمة استفتح بحثاً شائكاً اترقب اندلاع أدلته ونشوب مضامينه اذ يتواجد فيه عناصر واجزاء الانفجار وسوف تترك الامور تتصارع وتشتبك ليرفع القوي منها يد الحقيقة ويلوذ الضعيف في زوايا النسيان.

السياسة حول الحاكمية

هذا المصطلح لم يأت به سيد قطب من فكره ابتداعاً او ينسجه من وحي الظروف المحيطة به، وانما للمصطلح جذور غائرة في التاريخ من جهة وفي النصوص وتأويلاتها من جهة أخرى. يعد كتاب (معالم في الطريق) المرجع لفكرة الحاكمية المعادة في الخطاب الديني عند سيد قطب، وهو من الكتب الفكرية المكثفة فلم يمثل صغر الكتاب أزمة في ابراز الصورة التي ارادها الكاتب وان كانت الحاجة قاضية بالتوسعة والاسهاب في بعض فصول الكتاب لخطورتها وعدم الاكتفاء بإيصال الفكرة كحكم جاهز بل كان الاحرى الولوج في عمق التفاصيل والدقائق لان التأسيس يتطلب البحث في المبادئ والجوانب والتفاصيل ،فالمبادئ للاستناد عليها والجوانب للامتداد الأفقي للأسس، وهذا ما جعل الكتاب يتصاعد عمودياً الى القمة فيوصف كاتبه بقطب المفكرين مرة وبقطب الإرهاب أخرى، في حين ظل هاجس الانيهار لهذا الجبل الصاعد وارد وربما مسألة وقت..

والعلة هي في غياب البحث الخاص بالكاتب وفي هذه النقطة الحرجة لم يبين الحاكمية كفعل خارجي وإنما ادغم في فصول كحقيقة مفروغ منها – كما بينا ذلك في الفصول الماضية – ولم يتطرق الى أدواتها التي تصدرها الى المجتمعات هل هي المؤسسة الدينية فقط ام تشترك معها مؤسسات الحياة المختلفة، ثم الالتفات الى الأبعاد المؤثرة في الموضوع ايجاباً وسلباً، فالبعد التاريخي متسلط على المصطلح بأمثلته ووقائعه الحاكمة هي الأخرى على تطبيق الحاكمية، وكذلك البعد الاجتماعي (البيئة الداخلية، البيئة الخارجية) ونعني به المحيط الداخلي المؤثر مباشرة على إرادة الكاتب ومشاعره وأفكاره وبالتالي على كلماته وما يسطره على الورق، والمحيط الخارجي الذي يعمل كمدافع بعيدة المدى ليس بينها وبين الكاتب صلة ولا حدود جغرافية او ذهنية مشتركة الا مساقط قذائفها ومواضع انفجاراتها يرمز لها بالاثر الاقليمي والدولي وحتى الطبقة الارستقراطية القاطنة في بلد الكاتب نفسه لانها تلقي بأثر تلو آخر بغير فاصله بينها وبين الآخر في طبقة أخرى، هذه العوامل لم تأتي في سلم أولويات الكاتب فراحت تغري الباحثين باقتناءها واستثمارها كنقاط ضعف خرجت من النسيان لتعلن عن وجودها فهل سقطت لتودي التحية لتأسيسها ام لتعلن الحرب ولولادة المعارك وتلطخ الميدان بالدماء علامة على النهاية.

لقد ذكر سيد قطب في كتابه المعالم قصة الحاكمية في عدة معالم منها : (أن العالم يعيش اليوم كله في “جاهلية” من ناحية الأصل الذي ينبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها. جاهلية لا تحقق منها شيئاً هذه التفسيرات المادية الهائلة وهذا الابداع المادي الفائق! هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى اخص خصائص الاولوهية وهي الحاكمية..) [المعالم، ص10].

يستند استدعاء – الحاكمية لاتستدعى بل هي دائرة حياتنا الروحية مثالها الرب والمربوب الخالق والمخلوق وانما استعملت هذا الوصف لبيان ارادة تبنيه في ذلك الحين شعارا – مفهوم الحاكمية عند سيد قطب على الجاهلية الغالبة على الجميع هذه الجاهلية تقوم على الاعتداء على سلطان الله تعالى في ارضه، واهم واخص مواضع الاعتداء هي الحاكمية.. فالجاهلية هنا نظام متكامل يسير الحياة ويبدع في المجالات المادية ولكنه يفرض ـ أي نظام الجاهلية ـ تشريعاته فيتمتد بعض (الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض ارباباً لافي الصورة الميدانية الساذجة، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع بمعزل عن نهج الله للحياة وفيما لم يأذن الله..) [المعالم، ص10] ونفهم مما سبق ان الجاهلية كنظام تشريع تفرض بدائل ربوبية تحكم كخالق وان لم تغير شعاراتها وخطاباتها وفق هذا المستحدث التشريعي فتلج الى ادعاء وضع القيم والتصورات والتشريعات والقوانين كأن تحلل وتحرم وتحق وتبطل وتوجب وتملي كل هذا بازاء ارادة الله في ارضه وخلافه تماماً..

ولقراءة الحاكمية هذه المرة بالصيغ السياسية بعيدا عن خطابها الديني ومنشئها العقائدي في عالم النصوص ، ومايرافق ذلك من فقهاء وعلماء الى عوامل السياسة والمجتمع وعلاقة الدولة بالمفاهيم كل ذلك نقرئه في الخارج في الواقع وليس في الأذهان حيث يغفر الزلل بل في عالم يعيش الخطائون فيه لا مع الخالق بل مع الحاكم في قعر سجن مظلم لاتفتح فيه الأبواب إلاّ على قرع الطبول الى مقصلة الإعدام ولتبيان الموضوع أكثر نقسم البحث الى عاملين يمثلان رأي أصحاب الصياغة فالعامل الأول يمثله نصر ابوزيد وهو مدار بحثنا ونقاشنا وردنا عليه فيما يمثل الآخر جملة ما رددناه سابقا في فصول الكتاب في أكثر من موضع ولا إشكال عليه من جهتنا والعاملان هما :

1ـ العامل السياسي طرف في بعث الحاكمية، وهو رأي نصر ابو زيد.

2ـ العامل الاجتماعي وضغط السلطة اثراً مزدوجاً وهو رأي الكثير أبرزهم حسن حنفي في كتاب اثر الامام الشهيد سيد قطب على الحركات الاسلامية، وفهمي هويدي في ملامح من كتبه حول هذا الموضوع منها التدين المنقوص، وطالبان جند الله في المكان الخطأ . وهذان العاملان عنوانان لفصلين نبدأ بها سريعاً.

السياسة في بعث الحاكمية لدى سيد قطب

ان السياسة بتعريفاتها المتعددة تعني فن السلطة في كسب المصالح وادارة البلاد ودرأ المخاطر وتصنيف السكان والتعامل معهم وفق مدركاتهم وعاداتهم وأغراضهم، ولذلك حينما تغيب السياسة تطل الدكتاتورية برأسها لتعامل الناس برأي واحد وفكر واحد ومزاج واحد فيتلاشى التعدد في باطن الأرض. ومن الطبيعي لحركة إسلامية تأسست في بلد يمتاز بالثقافة والوعي ان تتفتح مداركها نحو السياسة لانها نمط فكري لاغنى للمتصدي لحاجات المجتمع في أي مجال من الإلمام العام بها وهذه الحركة هي الاخوان المسلمون تأسست في عام 1928 على يد الشيخ حسن البنا. كان تأسيس هذه الحركة ردة فعل لأربع مثيرات في المشهد المصري والعربي والإسلامي.

1ـ المثير الاول: وهو مثير مصري وهو بالغ الأهمية لكونه عنصراً قريباً محلياً من الحركة، والمتمثل بواقع الانفلات الأخلاقي وتداعي القيم وهذه طبيعة واقعة ضمن اخص أعمال أي داعية او مبلغ وهكذا تمخض هذا الواقع عن تأسيس الحركة يصفه البنا – أي هذا الواقع – في هذا المقطع (زرت أبا صوير.. وبدا لي ان انشأ فيها فرعاً للجمعية بالإسماعيلية فاخذت…وهنا نقطة قوة البنا شعبيا فهو لم ينظر الى نخبته لا في المساجد او البيوت المغلقة المحافظة بل في المقهاي وفي الطرقات والحوانيت حتى رأيت ما اردت وكان الشيخ محمد العجرودي رحمه الله.. وقد توسم البنا فيه الخير وفاتحه بالأمر .. وبعد زيارات متتالية اجتمعنا في منزل احمد أفندي وقررنا انشاء شعبة للاخوان المسلمين في ابو صوير..)1 ويبدو واضحاً العفوية لدى البنا في تأسيسه للحركة فالمؤسس الحقيقي لها ضغط الواقع انذاك اذ لم يكن على الساحة من يعبر عن حركة التطبيع مع الافكار الغربية بالنقد او المعارضة. وينقل عن البنا (1906 ـ 1948) موقفه الاخلاقي الحازم ورغبته في التغيير فطرية فقد حكي عنه انذاك انه رأى في صباه تمثالاً من الجبس لامرأة عارية على ساري سفينة رست على شاطئ ترعة المحمودية فثار على هذا المنظر ولم يكتفي بذلك بل توجه الى ضابط الشرطة يشكو له قائلاً: ان هذه الصورة حرام ولايجوز النظر إليها وكونها عارية يزيد من حرمتها ووجودها في مكان يختلف الناس من رجال ونساء عليه ينافي الاداب.. اما عندما بلغ الشباب واشترك في جمعية مكارم الاخلاق الاسلامية عندما التحق بدار العلوم بالقاهرة وصف حسن البنا هذه الفترة من حياته بقوله (في هذه الفترة التي قضيتها بالقاهرة اشتد تيار التحلل في النفوس وفي الارادة وفي الأفكار باسم التحرر العقلي في المسالك والأخلاق والأعمال باسم التحرر الشخصي فكانت موجة الحاد وإباحة قوية جارفة طاغية لايثبت امامها شيء..)2

ولهذه الاحاديث ما يؤيدها في بلاط الملوك فقد جرى البذخ والاسراف واهمال القيم الاسلامية والانسانية معاً في تعاملهم مع شعوبهم فهذا الملك فاروق مثلاً بحسب ما كتبه السفير البريطاني في روما الى وزارة الخارجية في لندن يقول: (.. انه شعر بان السفير المصري رغم انه كان من امناء القصر ورغم ان زوجته كانت مؤتمنة على تأهيل ناريمان ـ زوجة الملك ـ بدا محرجاً وكانت عيناه تعكسان نظرة بائسة وهو يسمع احاديث المجتمع الايطالي بما فيه الدبلوماسيين عن مغامرات ملك بلاده دون تحرج من جانب احد لان الصحف كانت مليئة بالصور والاخبار عن السيرك الملكي المتنقل الذي قدرته الصحافة العالمية ـ وضمنها جريدة تايمز ـ مصاريفه ـ أي مصاريف زواج الملك ـ بمائة الف جنيه استرليني كل يوم ـ وهو مبلغ يساوي المليون جنيه استرليني بسعر العملة هذا اليوم ـ )[1][1].

واذا عرفنا ان شهر العسل قد اصبح شهران ونصف الشهر من العسل الممزوج بدماء الفلاحين مع جهودهم وتضحياتهم ليقضي الملك رغبة في إحيا ليلة مع راقصة او اخرى على القمار الى مطلع الفجر. وقد تدخل وزير الخارجية البريطاني لدى اللورد (بيفر يروك) احد بارونات الصحافة الكبار وصاحب دار الاكسبرس لكي تخفف جرائده من حملتها وخصوصاً الرسوم الكاريكاتورية على ملك مصر ورفض (بيفر يروك) فيول أي تدخل ووجهة نظره (انه طالما ان ملك مصر يتصرف ـ بدون حياء ـ فان الصحافة من حقها ان تتابعه دون عائق) هذه احدى المثيرات التي حفزت الحركة الاسلامية على الظهور واذا كان احد بارونات الصحافة يرفض طلباً حكومياً بالكف عن مس ملك دولة بعيدة عنه – أي عن بريطانيا – مكاناً وفكراً وعقيدةً ومع ذلك يجد من واجبه ان يترك الصحافة تنهي عن الفحشاء السياسي والاجتماعي مع ملك (بدون حياء) كما عبر بيفر!! كيف لاتستنهض هذه المواقف ابناء البلد والذي يشاركهم مع الملك الدين والوطن والتراث.

2ـ المثير الثاني: المثير العربي كان حاضراً فمصر من المؤسسين للجامعة العربية وصاحبة الموقف الرائد هي والعراق في تجذير قضايا المنطقة في الشؤون الدولية، وتعد فلسطين المحك الذي اعرب عن المكنون العروبي لدى الشعب المصري، فقد تحركت المشاعر لدى الشباب المصري المسلم كغيره من العرب والمسلمين تجاه استلاب القدس وظهور الحركة اليهودية بجلاء وجلاءها من الغرب الى فلسطين، لكن من يتخطى الحدود؟ من يقفز بالاقوال الى الافعال عبر الاحلام الى الواقع ربما ستلجأ الى المواقف لتحكيم الاسماء والعناوين. فقد ذكرت مصادر عديدة ان حركة الاخوان المسلمين كان لها دور مشهور في اختراق الحصار الذي فرضته اليهود على الجيش المصري في الفالوجا. وامدوا القوات بالتموين والمواد الغذائية وذهب لهم ضحايا في هذا القتال منهم اثنان من ابناء الشيخ حسن غاني وهما محمد وعبد الوكيل الغاني وعلي حمدي طالب الحقوق وهو ابن ضابط الشرطة وعلى اسماعيل النيعومي الذي لم يتجاوز 16 سنة[2][2] كما تشكلت كتيبة بقيادة محمد فرغلي ويوسف طلعت (وقد اعدما سنة 1954) وقد جهز الاخوان هذه الكتيبة تسليحاً وتمويناً بالكامل وقد اطلق عليها اسم السابقين لانهما من اوائل الكتائب العربية التي دخلت فلسطين في اواخر سنة 1947 أي قبل نشوب الحرب بستة اشهر على الاقل وكان مقر هذه الكتيبة جنوب فلسطين بالقرب من غزة حيث اقاموا هناك معسكراً كانوا يقبلون فيه المطوعين الجدد من مصر وفلسطين على السواء وهناك كتائب اخرى بقيادة الشيخ مصطفى الباني وكتيبة الاخوان بسوريا وكتيبة الاخوان المسلمين في الاردن بقيادة عبد اللطيف ابو قورة ضمت الكثير من الاكراد. ان هذا الموقف قد يؤاخذ بمجيئة المتأخر فالتاريخ هنا 1947ـ1948 والتأسيس كان 1927 فكيف اثر هذا المثير في الحركة الاسلامية والاجابة على هذا التباين تلفت الانتباه الى ان تكوين الحركة الاسلامية (الاخوان المسلمين) لم يصل الى مرحلة التنقيح والالتحام لما وضعه في هيكليته الا في بعض البلدان الاخرى كسوريا والاردن بنحو نسبي وما زاد الى الضربات الموجعة لحركة الاخوان فمنذ التأسيس كانت تلاحقهم هيمنة الجامع الازهر وسيطرتها على المناخ الاسلامي وكانت هناك دعوات من الازهر كالشيخ علي عبد الرزاق الى العلمانية وان كانت سابقة على التأسيس الا انها مؤثرة في الشارع المصري وبالتالي تجميع الفكرة الحركة الإسلامية والقاء الضوء على الواقع العلماني كحاكم ناجح ومجتمع متمرس كما يبدو على بلاد الغرب ثم غياب فكرة العمل الاسلامي خارج حدود المسجد والجامع الازهري والحركة عمل مبتدع بالنسبة اليهما فعلماء الدين ينطلقون من الازهر وعلماء الطبيعة من الجامعات وهكذا اما الاخوان فيقوا خياراً ثالثاً بلا مصدر للانطلاق غير الفكرة العامة القائلة بان الاسلام دين ودولة وما ذكره حسن البناء يوضح شكلاً من صعوبات التأسيس (لاذنب لنا ان تكون السياسة جزءاً من الدين وان يشمل الاسلام الحاكمين والمحكومين)[3][3] وهذا منهج غير مرغبوب فيه في اوساط الازهر نسبياً وحتى غير الازهر من مراكز الفكر الاسلامي.

كما كان لالغاء فكرة الخلافة الاسلامية في تركيا مع مجيئ الحركة الكمالي واعلانها دولة علمانية بحته بعد ان كان يحكمها خليفة المسلمين دور في تولد الطموح في الحركة انها قد اختيرت لهذا الغرض ولاسمى هدف. فهم يعتقدون ان الخلافة رمز لوحدة الاسلام ومظهر ارتباط بين اسم الاسلام والاخوان المسلمون.. ولكن ذهب مع هذا الطموح شطراً من عمر التأسيس حينما لاح للملك فاروق في اوائل ملكه فكرة الخلافة الاسلامية ايضاً و كان الملك فاروق على وجه القطع – ووفق ما يظهر في الوثائق- مهتماً بالعمل العربي عموماً وبقضية فلسطين على وجه التحديد ومع ان عدداً من خدم الملك في ذلك الوقت نسبوا ذلك الاهتمام الى طموح متخصص (يحاول استعادة مسالة الخلافة في شكل آخر) وقد جاء في وثيقة من مكتب رئيس الوزراء في لندن تسأل السفارة البريطانية في القاهرة بحزم ((تلقينا معلومات بان الملك فاروق يفكر في زيارة فلسطين بدعوة من بعض وجهاء القدس العرب وورد في اخبار جاءتنا ان فاروق قام فعلاً بزيارة القدس في سرية كاملة.. لقد فهمنا ان عدداً من الوجهاء الفلسطيني دعوا ملك مصر للصلاة في ـ الحرم الشريف ـ ونحن نطلب أية معلومات لديكم وكذلك مقدمات لمواجهة مثل هذه الزيارة اذا تأكدت الحقيقة في شأنها) ثم في برقية اخرى مرسلة الى الحاكم البريطاني العام في القدس وفيها يقول السفير (هناك اخبار عن اعتزام الملك فاروق زيارة الشام بادئاً بلبنان وسوريا وكذلك القدس..) كما اضفى ظهور امين الحسيني في مصر علنا في مؤتمر لملوك ورؤساء الدول العربية كان الاول من القرعة وعرض اللجوء السياسي عليه من قبل الملك اشارة اخرى))[4][4].

فحملت هذه الزيارات على محمل الجد في مسألة الخلافة من قبل الملك مع ظهور فكرة الجامعة العربية و رحب وساعد عليها فاروق مضافاً الى مواكبة وموازرة الازهر اذ كان يعيد الجمعة بانتظام وله علاقات ودية مع الامام الاكبر قد تفسر تخوف الامبراطورية البريطانية في حينها من هذه الزيارات الملكية وعدّها طريقاً الى اعلان الخلافة كما انها تتلائم مع نزوات ملك طامح بما وراء الملك على مصر الى الزعامة على العرب والمسلمين جميعاً. وهذا بالتأكيد خطف من اذهان الحركة القدرة على البوح او النجاح باقامة خلافة اذ الملك يرى ويشهد نفس الدراية والشعور، وعلى العموم فقد ذهب من عمر الحركة الكثير وكلما وصلت الى الاحتفال بتحقيق اهدافها ضربتها الحوادث والوقائع لترجعها الى المربع الاول، ولا ننسى انها حلت بشكل رسمي وقانوني سنة 1948 وهذا نص القانون:

(نحن محمود فهي النقرايش باشا بعد الاطلاع على المرسوم الصادر في 13 مايو سنة 1948 بإعلان الأحكام العرفية وعلى المادة الثالثة من القانون رقم 15 لسنة 1923 ـ الخاص بنظام الاحكام العرفية وللقوانين المعدله له. وبمقتضى السلطات المخولة لنا بناء على المرسوم المتقدم ذكره تقرر ما هو آت: مادةأ: تحل فوراً الجمعية المعروفة باسم جماعة الاخوان المسلمين بشعبها اينما وجدت في الاماكن المخصصة لنشاطها وتضبط جميع الادوات والوثائق والسجلات والمطبوعات والمبالغ والاموال.. )[5][5].

الكاتب

اثير طاهر الخاقاني

[1][1] – سقوط نظام ، هيكل، ص314ـ 315.

[2][2] – المصدر السابق، ص15.

[3][3] – نفس المصدر.

[4][4] – سقوط نظام، ص173ـ174، هيكل.

[5][5] – سقوط نظام، هيكل.: ص19.

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *