رواية “هسيس اليمام”… للروائي العراقي سعد سعيد

سوسان الياس جرجس

رواية “هسيس اليمام”… للروائي العراقي سعد سعيد

بين الجنس والموت

قراءة سوسيولوجية

د. سوسان جرجس

 

“هسيس اليمام” رواية من الأدب الإيروتيكي، ذات سرد مزدوج المسار والمنهج بين كتابة مذكرات تفضي بها هديل بطلة الرواية إلى الموت معتبرة إياه الصديق العزيز الذي لا يفشي سراً ولا يطلق أحكامًا جائرة، وبين السرد المباشر لحكايات إيروتيكية متنوعة تعيشها النساء في مجتمع ذكوري كالمجتمع البغدادي في العراق.

ما بين الجنس والموت حاكت شهرزاد في ألف ليلة وليلة علاقة ضدّية، حين جعلت من شبق القصّ الروائي عاملًا يبطل فعل القتل الذي انتهجه الملك شهريار انتقاما من خيانة زوجته الأولى، فهل سيكون لحكايات الجنس التي تحياها بطلات “هسيس اليمام” في إطار الانتقام الأنثوي من الكبت المجتمعي، الأثر نفسه في إبعاد شبح الموت؟؟

قد يرى بعضهم في رواية العراقي سعد سعيد أدبًا بورنوياً يستثمر غرائز القارئ في مجتمع عربي يشكّل الجنس فيه إلى جانب الدين والسياسة ثالوثاً مقدّسا يحاول أرباب “السلطة” السيطرة عليه، لكنّ المتمعّن الباحث عما خلف الحروف في “هسيس اليمام” من أسباب وردّات فعل محتملة، لا بد أن يرى في العلاقات الجنسية ضمن المجتمع الذكوري شأنًا يتعدّى الجنس البحت ليكون على صلة قوية بقضايا أساسية ترتبط بالتربية والديمقراطية وحقوق الإنسان والهوية والخيارات الأيديولوجية وطريقة تمثّل الحداثة وغيرها من المسائل، وهذا ما يدفعنا للكتابة حول رواية تشكّل برأينا نموذجًا هاجسًا يشغل الضمير الجمعي ويفرض نفسه في حياة الإنسان.

بلغة جريئة ومفردات إيروتيكية مباشرة حدّ الصدمة للذهنية التقليدية، يروي سعد سعيد حكايات الألم الأنثوي – ببعده الجنسي- التي تعانيها النساء، لا في اللحظة الراهنة فحسب، وإنما على امتداد تعاقب الأجيال لتكون “حمدة” كما سنقرأ في “ص18-21” الحكاية الأولى التي يتناقلها المخيال الاجتماعي على لسان جدّة هديل مرسخاً تمثّلات عالقة بهوية المرأة، فهي التضحية والصمت والصبر والشرف في مقابل فحولة ذكورية واقعية حينًا، ووهمية حينًا آخر، وعلى هذا نقرأ  حول علاقة “حمدة” التي أحبت “ورد” وانتظرته وأخلصت له وعاشت معه بعد إصابته بطلق ناري ليلة عرسهما وبقيت معه حتى موته لتقول بعدها الحقيقة لأهلها  “إن ورد رجع من المستشفى مجروحا، مهزوما ومكلوما.. انقذوا حياته هناك، ولكنهم اقتلعوا ما تبقى من صنم رجولته بعد الحادث…قالت لهم إن شخصيته تغيرت بسبب ذلك أو لعلها بانت على حقيقتها، أصبحت رجولته هاجسه، وعاش المتبقي من حياته خائفا من فضيحة أن يكتشف الآخرون فقدانه لها، فكان أول ما فعله هو أنه افتضها باصبعه ذات ليلة كتم فيها عجزه على أنفاسه، وهددها بأنها إن تركته عائدة إلى بيت أهلها فإنه سيدّعي بأنه وجدها فاقدة للبكارة”، وعليه فإن كانت العذرية البيولوجية رمز الشرف الأنثوي، فإنّ الفحولة هي هاجس الرجل في مجتمع ذكوري يرى في جسد المرأة، على حدّ تعبير فاطمة المرنيسي، مثالًا لما يتعذّر ضبطه وممثِلًا حيًا لأخطار النشاط الجنسي وقوّته الكاسحة الممزّقة، وبالتالي فما فعله “ورد” ما هو إلا محاولة لإسكات صوت الخوف الذكوري من عدم امتلاكه الكفاءة اللازمة لإرواء الرغبة الجنسية الأنثوية.

بين “حمدة” و”هديل” لا تسكن جدة وحكاية عابرة، بل تُنسج علاقة عميقة الجذور عنوانها “لمَ خلقت امرأة؟!”(ص 21)، وإذا كانت “حمدة” الريفية قد انتهجت طريق الصبر والعمل في الحقول كي تتجاوز ما تتعرض له من عنف ذكوري يسلبها أحد أبرز حقوقها الإنسانية ألا وهو حقها في حياة جنسية طبيعية، فإنّ هديل المنتمية لبغداد السبعينات (بدليل أنها كانت متزوجة وصاحبة صيدلية عام 1996، ص 109) انتهجت طريق الخيانة الزوجية كردّ فعل عكسي على ما تعرّضت له من عنف ذكوري بدأ بالطفولة واستمر إلى ما بعد الزواج.

إن العنف الذكوري الذي تعرّضت له هديل في طفولتها هو عنف رمزي  متعدّد الجوانب، ومنه انعدام التربية الجنسية؛ لقد أغفلت الأم إخبار هديل أيّ معلومات عن جسدها، لا سيما ما سيطرأ عليه من تغييرات فيزيولوجية أثناء البلوغ، ما جعل الفتاة تعيش صدمة الحيضة الأولى بما تحمله من دم لا إرادي مجهول المصدر، وإذا كانت الوالدة قد أوصلت إلى ابنتها نظرة العيب إزاء الأعضاء التناسلية أو حتى لمسها، فإنّ رؤية الفتاة لوالديها بصدد المباشرة بعلاقة جنسية واضحة الماهية والتركيبة قد شكّل صدمة نفسية قوية جعلت هديل تكره والديها وتشمئزّ منهما من جهة، لكنّها تحاول من جهة أخرى استكشاف ما كانا يفعلان، مستغلة أخاها الأصغر منها سناً (ص 63- 71).

وفي صدد هذه التربية الجنسية المشوهة نتوقف عن عدّة أمور، منها إن والدة هديل كما ورد ص64 امرأة متديّنة وصارمة، إلا أنّنا نرى تديّنها سطحيًا غير واعٍ، بدليل إهمال الأم للتربية الجنسية التي دعا إليها الإسلام في أكثر من موضع، ومنها على سبيل المثال تفريق الأولاد في المضاجع، وتربيتهم على ضرورة الاستئذان تبعًا لما ورد في القرآن الكريم/ آية 58 من سورة النور “يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهنّ طوّافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبيّن الله لكم الآيات والله عليم حكيم”.

فضلاً عن ذلك، فعوضًا عن أن تصحّح الأم مسار تربيتها مبيّنة لهديل المعنى الحقيقي والشرعي للعلاقة الجنسية وإن بشكل مبسط يناسب عمرها، فإنّ ما قامت به حين رأت طفلتها تقترب من أخيها الصغير انهالت عليها ضرباً حدّ الإغماء وتركتها تتوسل الصفح على أمر لم تفهمه ولم تسامحها إلا حين اتخذت الفتاة قرارًا بلبس الحجاب وبأداء الواجبات الدينية المخلّصة لها من الجحيم القادم، وعلى هذا يبدو لنا أنّ الأم برمز السلطة العائلية والدينية إنّما كانت تعمل على إسكات صوت ابنتها وإسكات جسدها الذي شكّل البلوغ بالنسبة له “حالة انتقالية” تمثّل على حدّ تعبير “ماري دوغلاس” في كتابها la souillure: Etude sur la noton de pollution et de tabou  حالة غموض واضطراب وفوضى وخروج عن النظام، ما يجعل الإنسان نفسه (هديل) في خطر فضلًا عن خطره على الآخرين.

لا يتوقّف العنف الذكوري الذي تعرّضت له هديل على مرحلة الطفولة فحسب، إنّما هي سلسلة مترابطة من القمع والسيطرة والاستغلال ومصادرة القرارات التي ستؤول عبر حروف “هسيس اليمام” إلى الخيانة الزوجية، ومن قبلها خيانة الذات.

بأسلوب أدبي ذكي، أراد الروائي سعد سعيد أن يبيّن لنا أنّ الفضيلة والرذيلة في حياة الإنسان صنوان لا يفترقان، فقد كشف لنا في الصفحات 75- 76 عن معايشة هديل لتجربة حبّ هادئ عذريّ مبني على الصداقة مع “حبيب” زميل الجامعة المقرّب، وكادت هذه التجربة تنتهي بالزواج لولا رفض الأهل لأسباب طائفية، طبقية تعلي من شأن المظاهر من دون الاهتمام بالمشاعر والتكافؤ النفسي والثقافي، لم يكتفِ الأهل بهذا الرفض فحسب، إنّما فرضوا على ابنتهم لاحقًا الزواج بعواد لأسباب مادية بحتة؛ هذا مع العلم إنّ قرارات الأهل في المجتمع البغدادي ذي البنية التقليدية نابع من مخيال اجتماعي يتمثّل المرأة كائنًا عاطفيًا ناقص العقل غير مؤهّل لاتّخاذ القرارات المصيرية، وفي عرض سوسيو- أدبي للعنف الذكوري المتتابع على المرأة يفرض عواد على هديل قبل ليلة الدخلة ممارسة أول علاقة جنسية معه، مستدرجًا إياها إلى مكان غير مناسب وبوضعية جنسية هو وحده من يتحكم بها للنيل من بكارتها في علاقة اغتصاب زوجي، وفي هذا الصدد نقرأ على لسان هديل ص82 ” لم أجرؤ على سؤاله، ولكنني رفضت السماح للسانه بالتسلل إلى فمي/ قاومت ببسالة/ لاقاني واخترقني دون أن أراه/ بدأ يدفعني بعنف تجاه الحائط”، بناء على ما ورد، وتبعًا للأنتربولوجي المغربي عبدالصمد الديالمي تجد المرأة/ الزوجة نفسها خلال العلاقة الجنسية الأولى مستسلمة للرجل، يتحكّم بها وفق مشيئته، ضمن علاقة جنسية عنيفة، أطرافها رجل فاعل وامرأة مفعول بها، في محوريةٍ للإيلاج وفي فصل تامّ بين دور الفاعل (الرجل) ودور المفعول به (المرأة) في هذه العلاقة.

ولكي تزداد مسبّبات الخيانة الزوجية اللاحقة لدى هديل، ومن دون أن يعني هذا تسويغًا منا لفعل الخيانة، إنّما هو توصيف لواقع ذكوري معاش، ينتج عن العلاقة الجنسية بين عواد وهديل حمل مرفوض اجتماعيًا وإن كان مقبول دينيًا، ولكن لما كانت سلطة الأعراف أقوى من سلطة الدين، فقد كان للعنف الذكوري أن يتدخل ويحسم الأمر بإرغام هديل على الإجهاض المحرّم دينيًا، بأمر من الرجل (عواد) وبتواطؤ من المرأة التي هي شرطي النظام الذكوري وحامي منظومته القيمية ممثلة بأمّ عواد وأمّ هديل أيضاً.

وإذا جاز لنا استعارة مقولة “أن ما يبنى على باطل فهو باطل” فسوف ندرك حجم العبثية التي بها ألقت نفسها هديل لتتحول برغم كونها متعلّمة وصيدلانية إلى امرأة لا تفكر إلّا بالشبق الجنسي، نعم إنها تعرّضت للاغتصاب مرتين من قبل أصدقاء زوجها (سرمد ولؤي) اللذين كان يتركها بعهدتهما حين يلهث مسافرا وراء الربح وشهوة المال، إلا أنّ هديل، عوضاً عن أن تكره مغتصبيها، كانت تستسلم لهم مطلقة العنان لرغبة جنسية جامحة تكاد لا ترتوي، ليتضح لنا أنّ المرأة كما الرجل ليست ذا وجه واحد، إنّما هي كائن بشري يحمل الفضائل والرذائل، وهو معرّض للتجربة بكلّ سلبياتها وإيجابياتها ربطاً بتنشئته الاجتماعية، وتركيبته السيكولوجية، وجماعة الأصدقاء التي ينتمي إليها، ومستواه التعليمي، وغير ذلك من متغيرات اجتماعية؛ وفي صدد الكلام حول مغامرات هديل الجنسية كان الروائي العراقي سعد سعيد يستخدم بجرأة الكثير من العبارات التي تعتبر خادشة للحياء، منها على سبيل المثال(كحبة ص30، أبو عرّام ص59 ، كس أخيته ص139)، ما يحيلنا إلى الإمام جلال الدين السيوطي في كتاباته القيّمة حول علوم الجنس؛ هذا ونعتبر أنّ استخدام اللغة الإيروتيكية في رواية “هسيس اليمام” كانت على حدّ تعبير “مارتن هايدغر” “ليست أداة يفصحُ بها الكائن الحي عن نفسهِ، بل هي مأوى الوجود”، فضلاً عن أنّ اللغة المستخدمة هي خزان للرموز يكشف عن تمثّلات اجتماعية تؤكّد بناء الفرد جنسيًا على أساس جندري، وتظهر ما يسود في المخيال الاجتماعي من صور جنسية نمطية تسهم في بناء الهوية الجنسية وتحديد مفاهيم الذكورة والأنوثة اجتماعيًا.

إنّ حكايات هديل مترعة بالرغبات الجنسية، إلّا أنّ ما/ من يُظهر وجه المرأة المختلفة فيها هو حيّان، الرجل المتبسّم بغرابة الذي يرفض محاسبتها على عبثيتها أو الحكم عليها، تماما كما يرفض ممارسة الجنس معها، إلّا أنّ وجوده الغامض إلى جانبها يشكّل عاملاً ترى عبره بالأبيض بدلاً من الأسود، هو الرجل الذي يحرّك في داخلها نواة الخير الكامنة للتصارع مع الشرّ، وليصبح هو الرجل/ الحلم الذي ترغب بقبلة منه، حيث نقرأ حوارًا بينها وبين عذراء “ص140- 141” جاء فيه “كرامة! نحن نتحدث عن الحب هنا، لا عن حرب أو قضايا وطنية يا عذراء.. في الحب لا نفكر إلا بالاشباع وحاجتي لم تكن الا أمرا بسيطا/ وما هو هذا الأمر البسيط؟!/ قبلة.. مجرد قبلة”، ليكون هذا الحوار دلالة على أنّ كلّ محجوب مرغوب، حيث يمثّل حيّان بالنسبة إلى هديل ما يقول عنه “جورج زيمل” بأنّه الغموض الذي ينبجس من خلال “المعاصرة” للقبول والرفض المصمّمين.

برغم أنّ هديل هي الشخصية المحورية في الرواية، إلّا أنّ هناك عدة نساء يطرحن معاناتهنّ، الجنسية تحديداً ضمن مجتمع ذكوري يسير في ركاب العولمة التقنية الثقافية، ما يذكّرنا بالمسلسل السوري الاجتماعي الذي عرض عام 2010 تحت عنوان “جلسات نسائية”، فها نحن نقرأ قصة هيفاء المرأة/ الأم المتزوجة من رجل أكبر منها سناً، وإذا كان قد عرف عنها ضعفها وخجلها السابق فهي اليوم تبحث عبر الفيسبوك عن ذلك الفحل الذي يلبي رغباتها الجنسية بعد أن أهملها زوجها تماما في فراش الزوجية من دون تقديم أي مسوّغ بيولوجي أو نفسي أو اجتماعي لحرمانها حقّها في حياة جنسية طبيعية.

وبصرف النظر عن الإدانة الأخلاقية التي نوجّهها للخيانة الزوجية باعتبارها إهانة للذات وللشريك، إلّا أنّ قصة هيفاء تطرح عدداً من التساؤلات الاجتماعية:

  • أولا: إذا كان الرجل في المجتمع الذكوري يبحث عن زوجة صغيرة في السنّ، يضمن له المخيال الاجتماعي عدم تجاربها الجنسية السابقة، ليستمتع بجسدها ويكون فاتحًا لغشاء بكارتها كما هو الحال في زواج هيفاء، فهل فكّر هذا الزوج بما ستؤول إليه الأحوال حينما تنضج زوجته جنسياً فيما يكون هو في نهايات الكهولة وبداية الشيخوخة؟
  • ثانياً: في حال عدم التكافؤ الجنسي بين الزوجين، أليس من الأولى اللجوء إلى الطلاق بدلاً من الخيانة الزوجية؟ وعلى هذا التساؤل نجيب بأنّ الأعراف والعادات الاجتماعية تتواطأ بشكل مستتر مع الإيديولوجيا الدينية لتجعل الطلاق حقًّا يكاد يكون حصريا للرجل، فقد سبق أن رأينا كيف رفض أهل هديل محاولتها الطلاق من عواد، حيث تمّ استغلال عاطفتها الأمومية وحرمانها من أولادها لإرغامها على البقاء مع رجل لا تريده؛ فضلاً عن ذلك، فلطالما عرفنا أنّ امتناع المرأة عن زوجها جنسياً، يبيح له دينيًا معاقبتها بدعوى النشوز حيث جاء في القرآن الكريم/ الآية 34 من سورة النساء “… واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا إن الله كان عليًا كبيرًا”، كما أنّه في حال عدم قدرة الزوجة على المعاشرة الجنسية الطبيعية لسبب نفسي أو بيولوجي، فغالباً ما يبيح المجتمع للرجل تطليق زوجته أو اللجوء إلى تعدّد الزوجات بحجة أنّ من حقّ الرجل التمتّع بحياة جنسية طبيعية، فهل مثل هذا الحقّ – دينياً واجتماعياً- متاح لهيفاء التي أهملها زوجها في فراش الزوجية برغم كلّ محاولاتها لإغرائه وإغوائه؟!
  • ثالثاً: لطالما عرفت المجتمعات- حتى الأكثر ضبطاً ورقابة- منذ القدم ظاهرة الخيانة الزوجية، لكن ما نلاحظه في قصة هيفاء هو تسهيل العولمة التقنيّة، كسر الحاجز بين المجالين العام والخاصّ من جهة، وبين الجنسين من جهة أخرى، لقد انفتحت المرأة عامّة، والعراقية ضمناً، بقوّة على المجال العام الافتراضي، حيث يتمّ اللقاء الحميم بالآخر بعيدًا عن عيون الرقابة الذكورية، وفي هذا المجال تقول “كريستين ديلبال” في دراستها حول “مقاهي الإنترنت في بيروت” “إنّ شبكة الأنترنت تفتح الاجتماعيات على شركاء لا تسمح الحياة اليومية بلقائهم، وهذا التواصل المفتوح والمغفل في آن، يُفترض به أن يتخطّى مبادئ التمايز التي يفرضها التنظيم الاجتماعي على غير مستوى”.

يواصل الروائي العراقي سعد سعيد جرأته الأدبية الاجتماعية إلى نهاية المطاف، وذلك باستعراض أكثر العلاقات الجنسية تحريما في مجتمعاتنا، ونقصد بذلك المثلية الجنسية الأنثوية (السحاق)، قد تكون العلاقة السحاقية أحيانًا ناتجة عن أسباب بيولوجية أو انحرافية اجتماعية، وقد يرى بعضهم أنّها شذوذ يتكاثر في مجتمعات الفصل بين الجنسين، إلّا أنّ ملاحظة تزايد المثلية الأنثوية في عدد من المجتمعات التي تعتمد الاختلاط بين الجنسين تدفع بالدراسات الاجتماعية لإحالة أسبابها كردّة فعل على النظام البطريركي، حيث تتعنون العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة بسيطرة ذكورية وخضوع أنثوي.

تكشف رواية “هسيس اليمام” عن شخصية سهاد المرأة السحاقية التي سبق أن تحرّشت بصديقتها سلمى حين كانتا زميلتَي دراسة، وفي وقت لاحق استغلّت سهاد أيضًا ضعف صديقة أخرى، “هيفاء” التي هجرها زوجها في الفراش، لتسحبها نحو علاقة سحاقية تمارس فيها دور المسيطرة الباحثة عن لذّة سادية.

ولما كانت سلمى نموذج المرأة الواعية القادرة على التحكم بعواطفها ومنع رغباتها من التفلّت، كما أنها نموذج الصديقة الوفية التي تحاول انتشال صديقاتها من التجارب المرفوضة اجتماعياً، فإننا نقرأ ص120 حوارًا بينها وبين سهاد بهدف إبعادها عن هيفاء جاء فيه على لسان المرأة المثلية:

“أتظنّين أنني لم أتمنَّ أن أكون طبيعية كبقية النساء؟! لا سلمى، لقد تمنيت ذلك لأن العيش كالبقية أسهل من مخالفتهم، تمنيت أحيانا.. بل حاولت، فقد سمحت ذات مرة لرجل أن يقترب مني، كنت أريد أن أتغير/ ولكنه سقط في أول امتحان/ في أول مرة اختلينا فيها، كشف عن وجهه الحقيقي/ أراني عضوه المنتصب.. السخيف!، يريد أن يغويني.. لم يفهم أنني كنت أريد علاقة وجدانية أولا تنقذني مما أنا فيه”.

بناء على هذا الحوار يتضح لدينا أنّ أسباب هذا الشذوذ الجنسي لدى سهاد متشابك بين ما هو سيكو- بيولوجي غامض، وبين ما هو اجتماعي مرتبط بكراهية الرجل الذي لا يرى في الحب إلا متعة جسدية جنسية عنوانها الفحولة والإيلاج.

وإذا ما قارنّا بين رفض سلمى لعلاقة هيفاء بماهر القادم من عالم فيسبوكي افتراضي هشّ المعالم بحجة الأمومة وعدم التكافؤ في السنّ، وبين اشمئزازها ورعبها على هيفاء من علاقة سحاقية مع سهاد، حينها نستبطن تحليلات الباحثة التونسية صوفية بن حتيرة التي ترى بأنّ الزنا يثير الرفض الاجتماعي، لكنه يبقى بمعنى ما في إطار النظام، هو نكاح مزيّف، أمّا العلاقات المثلية فهي نكاح مضاد لا يعترف بتكاملية الجنسين المتجانسة، ويخرق نظام الحياة الأساسي.

وبأسلوب العارف الواعي للسلطات التي تتحكم بالحياة الجنسية الأنثوية، يضيف الروائي المتمكّن سعد سعيد تجربة “عذراء”، المرأة التي هجرت بلدها هربًا من زوج قوّاد أراد استغلال جسدها وتحويله إلى وليمة جنسية على أسرّة “الكبار” بهدف تمرير صفقات مالية مشبوهة والحصول على مراكز سياسية أبعد ما تكون عن النزاهة.

بناء على كلّ ما تمّ عرضه، فقد تمّ اختزال كينونة المرأة ضمن مجتمع الرواية، فلم يتمّ التعامل معها كذات بل كموضوع. هي موضوع جسد وجنس لم تكن يومًا مالكة له، وهذا تحديداً ما كان يجعلها تتخبط في علاقتها الجسدية الذاتية والغيرية، حتى إنّها كانت تتخبط في علاقتها مع الحياة، وفي هذه النقطة تحديدًا يظهر عمق الفلسفة الروحية التي يعتنقها الكاتب، فمن يعمل للنظام والخير والجمال فسوف يكتب للحياة ويلاقيها، ومن يعمل للفوضى والعبثية والخيانة فسوف يكتب للموت ويلاقيه، وهنا يبلغ سعد سعيد ذروة الإبداع في خاتمة روايته؛ فحيّان الذي أحبته هديل وتمنّت قبلة من شفتيه ما هو إلا المجهول الذي كتبت له؛ إنّه الموت الذي يعرف أبناءه، فيأتي لاصطحابهم في رحلة أبدية، وفي هذا الصدد نقرأ عن ساعات هديل الأخيرة ولقائها بالموت (حيّان) ص212:

” – ولكن هذا يعني أنك..

لم يدعها تكمل، بل قال مقاطعاً:

 نعم هو أنا.

صدمها رعب هائل، ساحقا أعصاب ساقيها اللتين عجزتا عن حملها.. سارع هو ليمسك بها من تحت ابطها ويسندها.. قال بصوت إلى الهمس هو أقرب:

– أرجوك عزيزتي، لا تصعبي الأمر عليّ”.

مع هذه الخاتمة المدهشة، نخلص إلى القول إنّ رواية “هسيس اليمام” على الرغم من المشاهد الجنسية الصادمة التي قدمتها لا يمكن أن تصنّف في “أدب اللذة”، إنّما هي بالنسبة إلينا رواية اجتماعية بلغة إيروتيكية أرادت كشف الأقنعة التي تختبئ خلفها مجتمعات ممزقة الهوية، هجينة البنية، الحداثة فيها رهن بالبنى المادية، أمّا البنى الثقافية، تحديدًا ما يخص المرأة، فهي تقليدية حدّ الخراب والموت.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد