اللغة الشعرية زمن الكورونا الشاعر شريف شرقية …. أنموذجا

ايمان مصاروة

إيمان مصاروة\\ الناصرة

القصيدة موضوعاً لغوياً

إن النظرة للقصيدة اختلفت في هذا الوقت، وأصبح الوقوف أمام موضوعها ليس نقطة خلاف رئيسية بين المبدعين، فهي:- (موضوع لغوي من نوع خاص)(1)، يقوم الشاعر بمعالجته من خلال التوظيف المتميز له في القصيدة أو النص الشعري، وبالتأكيد هو يختلف جذرياً عن السياقين:- المعجمي، والنثري. وهذا يعني أن الشعر(لغة داخل اللغة) (2) لا تُجترح إلا بعد تحطيم الألفاظ، واستكانة دلالاتها وإعادة صياغتها من جديد من خلال الخوض والتمحيص في أعماق التجربة الانفعالية، لتتمخض عن مولود جديد مطابق لمواصفات المنتج الذاتية والموضوعية، وبصورة انساقت تركيبيته وعاطفته المبتكرة.
وبذلك تكون اللغة (شعرية)لأنها على وفق هذا التكوين ستقيم:- (علاقات جديدة بين الإنسان والأشياء، وبين الأشياء والأشياء، وبين الكلمة والكلمة. (3)، أي بمعنى آخر فإنها تقدم:- (صورة جديدة للحياة والإنسان) (4)، ولأن وظيفة اللغة الشعرية كلك:- (تعبيرية جمالية انفعالية تستخدم للتعبير عن أحاسيس واتجاهات وإثارتها عند الآخرين)(5) ، فإن تميزها عن اللغة الإشارية تحصيل حاصل، لأن هذه اللغة قاصرة :- (عن أن تصف منظراً طبيعياً أو وجهاً إنسانياً)(6) ولذا كان ميدانها هو العلم، إلى جانب كونها لغة الحياة اليومية.
ومن أجل أن :- (يحرك الشاعر خيال قرائه، بحيث يأخذ تجاربهم بقدر الإمكان ويقلدها تقليداً صحيحاً لتجاربه هو) (7)، لذلك عليه أن يقوم بعملية اختيار دقيقة لألفاظه منها يضع المتلقي في عمق تجربته الشعرية. ومما لا شك فيه أن لكل شاعر معجمه الشعري الخاص، ويبقى اختيار المفردات:- (سراً للشاعر نفسه)(8) ، ولذلك كانت لغة القصيدة لغة تكثيف وغرابة، تتخذ الكلمات فيها(وزناً أثقل من الوزن الذي تحمله الكلمات نفسها عندما نصادفها في الكلام العادي أو في صفحة جريدة وحتى في صفحة من الكتابة النثرية)(9) مما يشير صراحة إلى أنه ليست هناك كلمات شعرية وأخرى غير شعرية وإنما هناك ثقل خاص لهذه المفردات تكتسبه في الشعر إذ أن(السياق وحده والذي يمنح الألفاظ شاعريتها أو العكس، والشعر الجيد أيضاً هو الذي يُكسب ألفاظه قسوة ونضجاً)(10)
وفي ضوء تجربة الشاعر الانفعالية. فإن الشعر:- (صفة علوية، أي نقل مفاجئ تقوم به الألفاظ تحت تأثير خاص كما يقول الناقد هربرت ريد)(11) .
وتبقى بذلك لغة القصيدة لغة غرابة وتكثيف فيها تكون الكلمات موزونة،:- (وزناً أثقل من الوزن الذي تحمله الكلمات نفسها عندما نصادفها في الكلام العادي أو في صفحة جريدة أو حتى في صفحة من الكتابة النثرية)(12).
وهذا الأمر يشير إلى أن ليست هناك كلمات شعرية وأخرى غير ذلك، وإنما هناك ثقل خاص لهذه المفردات نجده تحديدا في الشعر:- (السياق وحده هو الذي يمنح الألفاظ شاعريتها أو العكس، والشعر الجيد أيضاً هو الذي يُكسب ألفاظه قسوة ونضجاً)(13)
وهذا ما أكده عبد القاهر الجرجاني في القرن الخامس الهجري في نظرية النظام حين ذهب إلى أن موقع المفردة من السياق هو الذي يمنحها الدلالة المناسبة والمؤثرة.(14)

الشاعر شريف شرقية من جت في المثلث الفلسطيني زمن الكورونا كتب العديد من القصائد التي منحته خاصية الشاعر المثقف والإنسان النقي البعيد عن الأنانية….

لقد مثل معجم الشاعر شريف شرقية الشعري واللغوي بناء هندسي لألفاظه ومفرداته، حتى اتضح عالمه الإبداعي الخاص وشكل بإتقان (القصيدة)، التي تعد:- (من مكونات الخطاب الشعري لديه، فالحقل الدلالي هو قطاع كامل من المادة اللغوية يعبر بها عن مجال معين من الحيز)(1)
وتصبح الألفاظ التي ينتقيها الشاعر ألوانه اللغوية، إن جاز التعبير، كما أنه يشيد بناءه الشعري ويرصف ألفاظه ويضعها في سياقات متعددة قادرة على منحها دلالات جديدة، بعد أن تخرجها من الدلالات الأولى التي تولد بعد المخاض، بل تنخرط في حقول إبداعية جديدة، تكشف عن أسلوبه اللغوي الخاص بالشاعر.
وتبقى الألفاظ مرتبطة وان كانت لغته غريبة، وإنما ترتبط بروابط ضعيفة، فللغة الفضل في طريق الخروج عن المعجم والاتصال به في الوقت نفسه(2)
والخروج عن المعاني المعجمية للألفاظ أكسبها دلالات جديدة، تنتمي من خلالها إلى حقول أخرى تمثل المعجم الشعري الخاص بالشاعر،الذي يعبر عن تجاربه الخاصة التي مثلتها السياقات الشعرية الموضوعة فيها هذه الألفاظ، ويصبح السياق الشعري هو المسئول عن منحه الهوية الشعرية الجديدة للألفاظ،:- (فالشاعر الحق هو من يتميز عن سائر الناس بإدراكه لمعاني الألفاظ من قوة، فالكلمة عنده لا تفسر بالعقل وحده، ولكنها تفسر كذلك بالقلب والخيال، فإذا ما ترددت لفظة في ذهنه كان لها أصوات مدوية في داخل نفسه)(3).
إن الشعر يقوم باستفزاز المعاني الدفينة في الألفاظ وإظهارها، فضلاً عن دور الكلمة نفسها ومن خلال كل ذلك ،يصبح المعجم قدور الألفاظ والكلمات. ويصبح في بناء القصيدة أكثر جدوى وأعمق أثراً،لأنها تصبح صوراً من صور التجربة نفسها، وطاقة تعبيرية كبيرة عن كل المشاعر التي يلج بها العالم الداخلي للذات، فالشاعر(ينقل الكلمات ذات الإيماء الفني)(4)
والشاعر شريف شرقية كغيره من الشعراء الذين مروا بتجارب مختلفة ومتنوعة وأثبتوا ذاتهم في القصيدة الملتزمة عروضيا، وكغيره من الشعراء، “مما أدى إلى تنوع معاجمهم الشعرية واللغوية في القصيدة، :- (ونحن نعلم أن اللغة تحلل على مستويين صوتي ومعنوي”(5)*. والشعر يخالف النثر في خصائصه الموجودة على المستويين، أما خصائص المستوى الصوتي فقد قننت وسميت، ونحن نسمي ” الشعر” وكل شكل من أشكال اللغة يحمل جانبه الصوتي، وهذه الخصائص تمثل اليوم معيار الشعر، لكنها ليست وحدها خصائص الشعر، فعلى المستوى المعنوي أيضا توجد سمات خاصة تمثل رافدا ثانيا للغة الشعرية وكانت موضع محاولات للتقنيين على يد البلاغيين كما كان ” قانون ” الوزن إجباريا وظلت صفة شعري بمدة طويلة من الزمن مواجهة لصفة ” بلاغي ” وظل الحجم الهائل للكلام ” الموزون” وحده فقط يشهد بالتمييز الكبير الذي حظيت به صفة عامة الخصائص الصوتية الخالصة للفن الشعري)(6).
وميز الشاعر شريف شرقية لغته الشعرية العالية من خلال الموسيقى ولاقته بالمحتوى اللغوي والذي أخذ منحى واضح في الدال والمدلول من خلال واتضح مما جاء أن اللغة عند شاعرنا هي ( مؤديا ومقننا عن تجربته والتي تذهب من الأشياء إلى الكلمات والعكس صحيح، وهي فك للاثنين معا،” أليس فهم النص معناه الإدراك الجيد لما يختفي وراء الكلمات، الذهاب من الكلمات إلى الأشياء وبالإجمال فصل المحتوى عن التعبير الخاص به، فليس هنالك تفكير دون لغة كما يقول علماء النفس بل إن اللغة ليست ملبسا للتفكير، بل هي جسده.(7)

اللغة الشعرية عند الشاعر شريف شرقية

وللغة الشعر عند الشاعر شريف شرقية معجم يميزها عن اللغات الأدبية الأخرى، فهي لغة موحية ومعبرة، تفصح عن ذاتها من خلال تميز بنائها، ويصفها لنا أحد النقاد الفرنسيين ترنس هوكز (بأنها إحساس ذاتي وشعور ذاتي، إنها تؤكد نفسها بصفتها وسيلة أعلى من الرسالة التي تتضمنها وفوقها، فهي تجلب النظر بشكل متميز إلى نفسها، وتشدد بانتظام على صفاتها اللغوية، وبذلك ما رأت كون الكلمات مجرد وسائط لنقل الأفكار، وإنما أشياء مطلوبة لذاتها، وكيانات محسوسة مستقلة ذاتياً(8)
وهذا ما يجعلها تمتاز من فنون القول الأخرى، لتحتل الموقع الأول بين اللغات الأدبية، وتلك الوظيفة التي امتلكتها اللغة لا تتحقق إلا من خلال بناء خاص له خصوصيته التي تجعله مختلفاً عن البناء اللغوي في النثر، ففي بنية الشعر تتحقق علاقات جديدة بين الألفاظ والعبارات(بين المسند والمسند إليه)، لا يمكن تحقيقها في الواقع للحصول على طاقة تعبيرية أكثر.
لذا فإن(الانزياح) يعد من أهم آليات تحقيق هذه الفرادة وهذه الخصوصية للغة الشعرية، وهذا الانزياح عن المعيار اللغوي ينطلق من صميم التجربة النفسية المعيشة للمبدع، لذا تصبح في هذا النمط من القصائد التي تهيمن فيها الوظيفة الشعرية، اللغة هي العاطفة ذاتها، صورة من صورة التجربة، وهو ما ينقل بعد ذلك الاهتمام إليها بوصفها شخصية مستقلة، وهذا التعبير الذي ينبغي الوقوف عنده،ومعرفة طبيعة تشكليه، يقول عزالدين إسماعيل(ربما كانت مشكلة اللغة من وجهة النظر الجمالية الصرف أهم ما ينبغي الوقوف عندها، لأنها كائن حي له كيانه وله شخصيته، وليس أداة تعبيرية جامدة)(9) .
فليس من هم اللغة توصيل الفكر فحسب، فهذه مهام لغة النثر أيضا، بل مهمتها الأكثر جدوى التأثير، وهذا التأثير لا يتم عن طريق الفكرة التي تنقلها، بل من خلال كيفية التعبير عنها.
لذا فهي خطت لنفسها طريقاً آخر في تشكيلها، اعتمدت فيه على الشاعر وأسلوبه الذي يفرضه.
إن :- اللغة في بناء الشعر يجب أن :- (تتجاوز حدود الصور المحسوسة إلى صور المعاني المجردة)(10) .
فهذا العمق الذي توغلت إليه لغة الشعر،واختراقها لحواجز الذات،والوصول إلى أعمق متاهاتها،ومن ثم قدراتها على كشفها والتعبير عنها، تعجز لغة النثر عن الوصول إليه لأنها ستبقى تدور على الحدود الخارجية للأشياء، مكتفية بمعانيها من دون ملامستها، وهذا ما يفقدها حرارة التعبير التي تنعكس أساساً في صور البناء ومن خلاله، وهي بالضبط كما يصفها ادونيس(لغة انبثاق وإشراق لغة بصيرة وإيحاء)(11)
وتبقى أساليب البناء هي التي تميز شاعراً من مشاعر، لتغادر دلالاتها الوضعية، لأن النص عبارة عن بناء كامل وتام قائم على شبكة من العلاقات اللغوية بين الألفاظ ، ولا يتم المعنى للألفاظ إلا داخل هذه العلاقات فبمجرد دخول المفردة للسياق الشعري تتجرد من دلالاتها في الواقع لترتدي، دلالات جديدة تنتمي إلى طبيعة التجربة، وانطلاقاً من هذه الرؤية سنحاول دراسة اللغة الشعرية عند الشاعر شريف شرقية، مبتدئة بدراسة معجمه الشعري، ومن ثم مستويات أدائه اللغوي .
المعجم الشعري واللغوي :

يمثل المعجم الشعري للشاعر شريف شرقية منبعه اللغوي الذي ينتقي منه ما يريد من الألفاظ والمفردات، يخلق منها عالمه الشعري(القصيدة)،التي تعد(من مكونات الخطاب الشعري، فالحقل الدلالي هو قطاع كامل من المادة اللغوية يعبر بها عن مجال معين من الحيز)(12)
فهذه الألفاظ التي ينتقيها الشاعر تصبح ألوانه وريشته اللغوية، إن جاز التعبير،لرسم لوحته الفنية التي تمثل لنا صورة تجربته المعيشة .
ومن خلال الاستقراء لقصائده الشعرية عن حدث الساعة في العالم ” كورونا ” وجدت مجموعة من الألفاظ شكلت حقول دلالية أولها:-
1- ألفاظ العاطفة
2- ألفاظ السياسة والوطنية
3-ألفاظ الطبيعة
4-ألفاظ الحزن
والشاعر شريف شرقية مرَّ كغيره من الشعراء الذين مروا بتجارب مختلفة ومتنوعة، مما أدى إلى تنوع معاجمهم الشعرية، وهنا يتخذ صورة العاطفة في قصيدته التي افتتحها بقوله :-
الوداع الأخير
أمٌّ إيطالية تحتضن طفلها وتريد أن تقبّله قبل أن تموت
بدون كمامة لكن الجهات الطبّيّة منعت ذلك

ابني قد حلّ بيَ الضّررُ
ووباءٌ شبّ وينتشرُ
الموت يحوم ليفصلنا
والقلب يذوب ويعتصرُ
وسأرحل عنك أيا ولدي
سيطول يطول بنا السفرُ
وأراك بحضني مفزوعًا
وعيونك يعلوها كَدَرُ
وعيوني تحبسُ أدمعَها
وأخاف دموعي تنفجرُ
لو تعلم ذروة آمالي
قبلاتُ وداعٍ أنتظرُ
هيهات رجائي يسعفني
من أجلك يمنعني الحذرُ
وسأرحلُ بعدَ سُوَيعاتٍ
ذكراي ستحفظها الصُّورُ

وما كشف عن تلك الأهمية في صورة العاطفة، هي الألفاظ التي قد جاء متساوقا مع هذه الصورة الإيحائية للعاطفة لقد شاعت في قصائد الشاعر مجموعة من الألفاظ التي ارتبطت بتجاربه الوجدانية العاطفية، من هذه الكلمات نعلم أنه كان يعيش بحالة متأججة بالعاطفة،
وقد تنوعت دلالاتها وصورها بحسب السياقات التي وردت فيها، ففي قصيدة” الوداع الأخير ” نجد العاطفة متدفقة وتبرز في ألفاظ عديدة منها:-
ابني \ والقلب \ أيا ولدي \ بحضني \ وعيونك \ وعيوني \ قبلاتُ \ من أجلك \ رجائي \ ذكراي \\ الخ

وفي قصيدة ” لا تخرقوا السفينة ” إن الصور فيها أيضا جاءت ناطقة بالعاطفة المتأججة وذلك من خلال فعل (لا تخرقوا ) الذي يجعل الحذر من القادم والخوف من الساكن والمتحرك في قصيدته المليئة بالمحذورات لكثافة وجمالية هذا الفعل أعطى النص صورة مليئة بالحركة والعاطفة.
يجتاحُ ساحاتِنا\\ ما هزَّ خاطرَنا \\ الأمر جدٌ \\ وما أبقاه \\ تجري السّفينةُ \\ لجلبِ الماءِ \\ ما انتبهوا \\ لأغرق الموجُ \\ الفقرِ والجَدَبِ \\ مدّوا الأيادي \\ .فبالتكافل تسمو \\

ويتضح من لغة الشاعر كم كان انفعاله وسط ما يجري في العالم متخذا صورا لأحداث ليستوحي منها هذا التفرد الشعري المليء بالصور الشعرية، وسط حالة من الضياع والإرباك والانتظار والصمود ومقاومة هذا الوباء من خلال حرفه الذي يتمنى فيه لحمة الأفراد في مجتمعهم لحمة حقيقية عل ذلك يخفف ويساعد في رفع قسوة ما يحصل جراء الوباء على مستوى العالم أجمع .
وللزمن في قصائد الشاعر شريف شرقية من جت في المثلث أثر كبير في استثارة مشاعر العاطفة والأسى لديه، ولاسيما الحاضر الذي يمر به كغيره من سكان الأرض حيث اللحظة الحاضرة، التي تمثل غياباً لكل تلك الصور الجميلة والفرح، ما يؤلم قلب الشاعر ويثير شجونه وآلامه، نقرأ قوله في نصه الشعري ” لا تخرقوا السفينة”:-

الأمرُ جِدٌّ وليس الوقتُ لِلّعِبِ…………… ولا بزَرْعِ بذورِ الشّكِّ والرِّيَبِ
هذا زمانٌ قد استعصى على أممٍ …… وأورث البعضَ سوءَ الفقرِ والجَدَبِ
قد يذكر البعضُ ما همّتْ به فئةٌ ……. خرقًا أرادوا لجلبِ الماءِ عنْ كَثَبِ
فاليوم تعصف في الأرجاء جائحةٌ …. لا تعرف الفرق بين العُجْمِ والعرَبِ
المقصود بالفئة هو ما استقاه الشاعر عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوله: ” مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا ” , وهو ما يعكس الحالة الّتي نمرّ بها في هذه الأيّام من تحمُّل المسئولية الجماعية في محاربة الكورونا والتزام الجميع بهذا الأمر .

ألفاظ السياسة
ولا تخلوا قصائد الشاعر من الإشارة للعالم والدول وما يجري من تسارع أحدث حوله والتي يراقبها عن كثب ويرصد آخر التطورات ليستوحي صوره الشعرية مما يجري ويلون بإبداعاته وشاعريته الفذة قصائد تحاكي قوة الحدث ولا بد من الإشارة إلى بعض الكلمات والجمل الشعرية التي حلق بها حاملا الرسالة الإنسانية أولا وأخيرا قبل أن يحمل مسؤولية هذا الوباء لمن يعود وما يجري من تطورات على الساحة العالمية في محاولة منه لنقل صورة حية لمن حوله وليخفف من حمله من كم الوجع الكبير الذي كان بسبب الكورونا ونجده في ألفاظه .

ففي قصيدته “الوداع الأخير” عندما حاولت الأم المريضة ب “كورونا” أن تقبل ابنها ورفضت الجهات الصحية أن تسمح لها بذلك علما أن موطن الحدث هو ايطاليا وهي من أكثر الدول الأوربية تضررا نتيجة هذا الوباء.
ويتضح ذلك أكثر في قصيدة “لا تخرقوا السفينة” ويقول في كلمات وألفاظ تدل على عمل الجمع وتدل كذلك على الضيق الكبير الذي يشعر به الشاعر نتيجة هذا التخاذل والاتفاق على عدم فضح مسبب هذا الفيروس ويتكلم بصيغة غير مباشرة في محاولة منه لتحميلهم مسؤولية ما يجري وفي ذلك يقول:-
يجتاحُ ساحاتِنا \\ يَجري بعالَمِنا \\ ليت الجَمْعَ \\ لم يقصدوا الضُّرَّ \\ أو سوءًا بفعلتهم \\ فقرّر الجَمْعُ \\ تعصف في الأرجاء \\ العُجْمِ والعرَبِ \\ على أممٍ \\ والكونُ ينفضُ حِملًا قضَّ كاهلَهُ\\
ونلاحظ هنا أن السياسة والاقتصاد وراء ما يحصل في هذا الزمن ولا ننكر أن السياسة
سبباً هاما منذ القدم لشهرة شعراء كثر ومنهم:(محمود درويش/ فدوى طوفان\إبراهيم طوقان\ توفيق زياد \ سميح القاسم \ وغيرهم الكثير منن انتشرت قصائدهم، وكانت حافزاً للنظرية السياسية الحديثة، لذا فقد كانت جرأة هؤلاء الشعراء في التصدي للقضايا السياسية تستأثر باهتمام الناس(13).
واستطاع الشاعر شريف شرقية أن يضع يده على أهم المشاكل وأكثرها حاجة إلى الحل السريع والطارئ من خلال إيصال صوته الشعري بهذا النفس القلق والصادق، والذي يطّلع على نفاثاته الشعرية التي أثرت في النفوس يدرك مدى القلق الفكري لهذه السياسة العالمية تجاه هذا الحدث الجلل.

ألفاظ الطبيعة

ومما لا شك فيه أن علاقة الشاعر بالطبيعة علاقة قوية، تبدو لنا واضحة في قصيدة شريف شرقية والتي تحمل عنوان ” أين الربيع “، ولو تتبعنا هذه القصيدة، لوجدنا هناك عدد كبير من الألفاظ التي تصور الطبيعة فيها وتبدأ من العنوان كأن يقول:-
أين الربيع \\ هلّ الرّبيع \\ جميل \\ بمنظره \\ الرياحين \\ والأزهارُ والثمرُ \\ والعطرُ \\ الرّبى\\ أرخى أَعِنَّتَهُ \\ فيضٌ \\ أنسامِه \\ السّحرُ \\ تحلو الحياةُ \\ تألّقَ \\ الوردُ \\والنِّسرينُ والقمرُ\\ تجري الحياةُ \\ العينَ \\ فالحُسنُ يرفلُ \\ فصل \\ استبشرَ \\ زانت الصور\\ مجالس الأنس \\ البواديَ \\ ماءٌ \\ شجرُ \\ الخ
وتتجسد لوحة الطبيعة بجمالها من خلال صورة الحياة وكيف تحلو والتي يقدمها لنا الشاعر لوحة متكاملة اجتمعت فيها رموز الطبيعة الجميلة،نقرأ:-
تحلو الحياةُ وربُّ الخلقِ أبدعَها
تألّقَ الوردُ والنِّسرينُ والقمرُ

ألفاظ الحزن

إن الشاعر يعبر لنا بلغة قريبة علينا ويتضح ذلك في قصائده ليصل بنا إلى قمة ما أراد نقله لنا من مشاعر وأحاسيس، فهو يجد في تلك اللغة عفوية الشعور، ويجد فيها متنفساً يبوح من خلاله بتجارب الحياة، بل يصل بتلك اللغة إلى شعور القارئ، ويحرك فيه الإحساس، ذلك بأدواته اللغوية المتعارف عليها وان كانت بلغة فصيحة أ و حتى على مختلف المستويات الفكرية والثقافية والاجتماعية، وهذا الأمر يجعل من أداء الشاعر الفذ أكثر فنية وتميز، وذلك من خلال قدرته على وضع هذه الألفاظ في شبكة من العلاقات اللغوية، والتي يخرجها من دلالتها المحدودة إلى صورة ذات معنى أوسع وأشمل،فهو(يمتلك إمكانية إغناء الحياة وإنمائها،والتأثير فيها، لما يمتلكه من إحساس بقيمة الكلمات وترابطها معا، وإمكانية إخضاعها للإيقاعات المختلفة)(14)

فالشاعر في نصوصه يعبر لنا عن حالة شعورية مفعمة بالحزن والأسى، فالقصيدة مناجاة في هذه الحياة وما فيها من معكرات لحظية، فنجد الشاعر يوظف كلماته وألفاظه بحسب الحالة الشعورية التي يمر بها، ويشكل تلاحماً كاملا مع ذلك، فأصبحت الكلمات بصورتها الشخصية أكثر إيحاءا من خلال جعلها للمعاني أفعالاً مادية، ومما جاء في قصائد كورونا في الحزن:-
في قصيدة الوداع الأخير جاء من الحزن
الضّررُ \\ الموت \\ يحوم \\ ليفصلنا\\ والقلب\\ يذوب\\ ويعتصرُ\\ وسأرحل\\ أيا ولدي \\ سيطول \\ يطول \\ السفرُ \\ كَدَرُ \\ وعيوني\\ تحبسُ\\ أدمعَها \\ وأخاف\\ دموعي\\ تنفجرُ \\ وسأرحلُ \\ سُوَيعاتٍ \\ ذكراي \\ الصُّورُ \\ .

ولم تخلو ألفاظ الحزن قصيدته ” لا تخرقوا السفينة ” وجاء في قوله:-
هزَّ خاطرَنا \\ الشّكِّ \\ والرِّيَبِ \\ الوباءِ \\ الضُّرّ \\ عانُوا \\ ضيقٍ \\ لأغرق \\ تصارع \\ الموت \\ الغضب \\ تعصف \\ سوء \\ الفقر \\ خانهم \\ .

أما في قصيدة الربيع فكانت أبرز الكلمات حزنا:-
الخوفُ \\ الخطرُ \\ تضوعُ \\ لا يحظى \\ الخريف \\ الشتاء \\ البرد \\ كاهله\\ بلاءٌ \\ تفرقَ الشملُ \\ الوبأ \\ الملعون \\ طغيانه \\ الشرر \\ جزعا \\ الشر \\ تيه \\ ضيق \\ الموت \\ الخوف \\
وحين نتساءل في عنوان قصيدة يفسح المجال أمامنا لنقف أمام تساؤلات كثيرة فيها من العجز \والتيه \والحزن\ والضياع \والبلاء \والوباء\ والفرقة \والطغيان \والخيانة\ والشر الكثير أمام هول المصيبة التي ألمت بالعالم ليصبح محتارا كيف يخرج من هذه المأساة الحقيقية يقول الشاعر شريف شرقية:-
* أين الربيع !! *

هلّ الرّبيع وحلّ الخوفُ والخطرُ
وضاع كلُّ جميل كنت أنتظرُ

كم كنت أرجو بأن أحظى بمنظره
فيه الرّياحينُ والأزهارُ والثمرُ

والعطرُ ملءُ الرّبى أرخى أَعِنَّتَهُ
فيضٌ تضوّعَ من أنسامِه السّحرُ

تحلو الحياةُ وربُّ الخلقِ أبدعَها
تألّقَ الوردُ والنِّسرينُ والقمرُ

اشتقته بعد أن أزرى الخريفُ بنا
وجاء فصل الشّتا بالبرد يأتزرُ

والكونُ ينفضُ حِملًا قضَّ كاهلَهُ
واستبشرَ الخيرَ ممّا زانت الصُّوَرُ

وأوسعَ الوبأُ الملعونُ ساحتَهُ
أضحى يسارع في طغيانه الشّررُ

واستسلم الجمعُ ممّا انتابهم جزعًا
واستأسدَ الشّرُّ لا يُبقي ولا يَذرُ
ويتساءل الشاعر شريف شرقية عن كيفية الخلاص من هذا الوباء، ولا يجد إلا الله عز وجل متضرعا إليه أن يكون المعين للناس وللعالم يساعده على الخروج من هذه التجربة، وهذا يدلل على إيمان الشاعر العميق وبان الله هو المنقذ الوحيد للجميع ويقول:-

كيف الخلاصُ أيا رباه من وَصَبٍ
أعيا الأطبّاء مَنْ في الضّيقِ قد صبروا

لم يبقَ غيرُكَ يا ربّاه من سندٍ
رحماك فاغفر فأنت العونُ والوَزَرُ

يحتل المكان أهمية قصوى في الأدب المحلي بسبب الإحساس العميق الذي يتملك المبدع تجاه هذا الحيز الضروري الذي يتسع من الخاص الذي يمارس فيه الفرد حياته اليومية إلى حيز جماعي تنظمه الجماعة في مثل حالة هذا الوباء العالمي، لتحافظ على تماسكها وتناغمها إلى حيز قومي تحارب الدول لحمايته إلى حيز كوني.

ملاحق ومراجع

1 0لغة الشعر المعاصر،محمود الربيعي،م.فصول،ع4،يوليو، 1981، ص128.
2 0بنية اللغة الشعرية،جان كوهين، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر،المغرب،الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1986.ص129
3 0سياسة الشعر،ادونيس،بيروت،دار الآداب،ط1، 1985,ص154
4 0 نفس المصدر,ص154
5-0 الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة،الدكتور مصطفى سويف،القاهرة،دار المعارف بمصر، 1969.ص281-282
6-0 العلم والشعر،إي. آي. ريتشارد،لا ترجمة،مصطفى بدوي،مكتبة الانجلو المصرية،د.ت.ص30
7-0قواعد النقد الأدبي،لأسل ابركرمبي،ترجمة:د.محمد عوض محمد، القاهرة،لجنة التأليف والترجمة والنشر،ط2، 1944,ص34
8-0العلم والشعر،إي.آي. ريتشارد،ترجمة، مصطفى بدوي،مكتبة الانجلو المصرية، د.ت.ص31
9-0الشعر والتجربة،ارشي بالد مكليش،ترجمة سلمى الخضراء الجيوسي، بيروت،دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر، 1963.ص20
10-0الصورة الفنية في شعر أبي تمام،الدكتور عبد القادر الرباعي،الأردن، جامعة اليرموك، 1980.ص245
11- 0الأسس الجمالية في النقد الأدبي،عرض وتفسير ومقارنة الدكتور عز الدين إسماعيل،بغداد،دار الشؤون الثقافية،الطبعة الثالثة 1986. ص345
12 0علم اللغة العامة،فرديناند دي سيسور،ترجمة الدكتور يوئيل يوسف عزيز،مراجعة النص العربي:الدكتور مالك يوسف ألمطلبي،بيت الموصل، ط2، 1988.ص10
13-0 -قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث، د. محمد زكي العشماوي، بيروت، دار النهضة العربية،1979 ,ص320
14 0انظر:دلائل الإعجاز،الجرجاني (أبو بكر عبد
القاهر بن عبد الرحمن) (ت 471هـ) وقف على تصحيحه وطبعه وعلق على حواشيه السيد محمد رشيد رضا، بيروت، دار المعرفة، 1981.ص36
المعجم اللغوي
1 0المجالات الدلالية في القرآن الكريم،رسالة ماجستير/كلية الآداب- جامعة بغداد،رزين كامل.
2-0 0انظر:اللغة الشعرية في الخطاب النقدي العربي,ص84
3-0 فنون الأدب,هـ ب ، تشارلتن,ص17
4-0 الأدب وفنونه،عزالدين إسماعيل،القاهرة، 1963.ص32
5-0 المستوى المعنوي يطلقه اللغويون عادة بمعنى الدراسات المعجمية لكن يعطى هنا معنى مؤقتا وأوسع يشمل أيضا الدلالة النحوية
6-0 جون كوين، بناء لغة الشعر ، ج1 ترجمة د. أحمد درويش ص، 30-31 دار غريب للطباعة والنشر\ القاهرة \ 2000
7-0 ذات المصدر ص 55- 56
8-0 0البنيوية وعلم الإشارة،ترنس هوكز،ترجمة مجيد الماشطة مراجعة ناصر حلاوي،بغداد،دار الشؤون الثقافية العامة، 1986.ص59
9- 0الاسس الجمالية في النقد العربي،عرض وتفسير ومقارنة د.عزالدين إسماعيل، مصر،دار الفكر العربي،ط/3، 1974.ص329
10- 0اللغة الشعرية في الخطاب النقدي العربي تلازم التراث والمعاصرة، محمد رضا مبارك،دارالشؤون الثقافية العامة،بغداد، ط/1، 1992.ص82
11-0سياسة الشعر،ادونيس علي احمد سعيد،ط/3،بيروت، 1983.ص80
12- الدين ،مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب،القاهرة، 1973,ص140-1413
13-0التجربة الخلاقة البروفسور،س.م بورا،ترجمة سلافة حجاوي،دار الحرية للطباعة ، 1977.ص110

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد