من هرمونات الحركة الإبداعية الحديثة لجيل الشباب الهاربين من الأبيض والأسود الاجتماعي

الكاتبة والشاعرة/ هدلا القصار

 

أن  كل التجارب تبدأ من الصفر، وتكبر إلى إن نمتلك العزيمة والرغبة الحقيقية  للنجاح، كما كل تقنية وكل تطور حداثي يبدو في البداية غريب وشائك، ولكن السير فيه ليس صعبا ولا مستحيلا، نحتاج فقط أن نكون مستعدين للوصول . نتململ أحيانا، أحيانا أخرى تستسلم للظروف التي تحيط بنا وتفرض علينا فرص كسر طوق عزلتنا ودمجها في المجتمع وفق توجهات مخيلتنا وأفكارنا، لتناسب مع ميولنا،  ولنتمكن من تنوع كتاباتنا الأدبية لكي  نجد لنا موطئ قدم في هذا العالم القريب منا، والبعيد عن مجتمعنا  الذي ما زل يراهن على جمالية أوراقنا الكتابية”.
نحن نعيش في عصر السرعة والحداثة ولا بد لنا من المتابعة الحثيثة لهذه الحداثة بكل مستجداتها، لتنعكس على مستقبلنا “.
ومن اجل هذا المستقبل التقطنا حديثاً باقة من الكتابات الإبداعية للجيل الجديد، المبحر بحروفه المرصعة من حدائق أعماله الأدبية، كالتي وجدناها في كتاب ” لذة البرتقال” الصادر عن مؤسسة تآمر للتعليم المجتمعي سنة 2011، المحلق بأجنحة المواهب الشابة، في إبداعات مواهب كتابات الجيل الناشئ  .
أقتصر كتاب ” لذة البرتقال” على تقديم اثنا وثلاثون نصاً، في  78 صفحة من المتوسط الطويل، لإحدى وعشرون كاتباً وكاتبة، لا تتعدى أعمارهم العشرين عاماً، سجلوا إرهاصاتهم النفسية ألمنطلقة من أصواتهم القلمية البكر، لنكتشف الصلات المرتبطة بإبداعات نصوصهم المزينة بلوحات ورسومات، سريالية تعبيرية …، وصور فوتوغرافية لمواهب تبشر بانطلاقة عقول وأذهان مزينة بالأدب الشبابي، الموزع بين الفكر والفلسفة، وبين السخرية والجدية، وبين الخيال والواقع الخالي من الصنعة البهلوانية المفبركة، واضعين أنفسهم في مونولوج فاعل، ليقدموا للمتلقي ميزات مهاراتهم، وقوة تصميمهم على إبراز هموم المجتمع وتأثيره على البيئة والعائلة،  ولنتعرف أكثر على ذاتية وخصائص هذا الجيل الشاب في مراحل نموه ألمرمي على دروب الحياة، لينافسوا أقلام بعض الكتاب المخضرمين اللذين ما زالوا يجترون أوراقهم البعيدة عن عقول مجتمعهم واتجاهاته الحديثة دون تخطيط منهم”.

من خلال هذه المؤسسة التي عملت على مصادرة هذه الكوكبة من المبدعين الناشئين، لتأصيل ثقافة الجيل الحضاري، وللاستفادة من استنطاق الحالة الوجودية لكل كاتب، أو قاص، أو شاعر لديه نبوءة بكثير من التفكير بعمل يمتلكه الإنسان بدون سبب واضح، حتى إذ بحثنا في مشروعهم الحداثي سنجد فيه رموز معبرة عن حياته، وحاجاته العمرية … بما أن هذا الجيل هو المثال المحرك لملامح مجتمعه، وواقعه، وانتمائه الوطني، وتاريخ تكونه، ووجوده في الشارع، وعلاقته الإنسانية، والوجودية، والاجتماعية المرتبطة بجميع تلك العناصر، المستخرجة بطرق سردية بسيطة تتكلم عن  كل فرد في الحياة والمجتمع، كمادة حكائية لبلورة الواقع الحقيقي الذي يقع على عاتق نشأتهم التي تحمل بين طياتها معاناة جيل الشباب وكآبته المحيطة بهذه الروابط الشائكة، المنتجة كاميرات خيالهم الإبداعي، وعلاقة مع ما يجمع بينهم من مواقف وتوجهات مشتركة في تجربة الحياة الحضارية بالشكل والمضمون، من خلال رؤيتهم، واصطدامها في براءة أحلامهم التي أخرجوها للمتلقي في مكاشفتهم جوهر مشاعرهم، وروح كتاباتهم، لنرى في أقلامهم تجسيدا لبراعتهم الفنية وإبداعاتهم التلقائية، وتصوراتهم المقتطفة من لحظة حركة الحياة بطريقتهم الخاصة، منطلقين من الفروق الفردية بين الأفراد من حيث الخصائص وميول الشخصية ومتطلبات الفرد في المجتمع
سنحاول في هذه المساجلة أن نلقي الضوء على بعض من أعمال هذا الجيل ومهاراته الفكرية ونضج ألوانهم الوردية في الحياة  .     

لنبدأ بورقة طفل المعجزة يحيى عاشور،
ابن الحادية عشر، الذي كانت أسنانه اللبنية في حالة تبدل في ذلك الوقت، قدم للمتلقي نصا سرديا في غاية الروعة والجمال الأدبي مقارنة بمن في عمره، بعنوان “حلم ”  فمن وجهة نظرنا، إذا كان نصه آتي من نتاج هذا الحلم المحتمل!؟ سوف يكون بالفعل هو حلم حقيقي وهو حلم الشعر أو الكتابة الإبداعية، كأي شاعر أو مبدع تأتيه ومضة المخيلة بين الصحو والغفوة .
لكن يحيى عاشور أوحي له الشاعر الفلسطيني محمود درويش رحمه الله ”  حين أتاه ليخبره برفع شانه الشعري،  وليستكمل مسيرته، وقول ما كان يريد قوله قبل وفاته، لنستعرض بعض المقتطفات من وصية شاعرنا الكبير محمود درويش في حلم، يحيى عاشور حين قال له:

(( قل لهم أني عدت إلى الحياة،/ حاربتهم وحققت ما أريد،/قل لهم أني أخشى يوماً في المستحيل ألا تحبوا أشعاري . / قل لهم أني  مت مرتين،/ المرة الأولى مت ساهياً عن قبلي،/ حـاولت النهوض ونهضت  لأجلكم . قل لهم أن يشعروا بالحكمة عندما يغنون لي ولأشعاري،/قل لهم أن ما أردت أخباركم به كتبته على ورق ولم يجف الحبر بعد،/ قل لهم أني أحببت ارضي،/ التي حلبت لي شعور الأم والحب لها ./ قل لهم أني لم أكن عدوا لأحد منكم،/قل لهم في المرة الأخيرة، أحسست بتوديع الأرض الطيبة الحنونة ./ قل لي أيضاً تصبح على وطن وليصبح وطني على وطن مشمس واعد،/ سلام يا بني الآن حان موعد غيابي أيها المشتاقون .))

ونحن نسال المتلقي؟ ألم تشعر بأنفاس شاعرنا محمود درويش، بسجعه وعنفوانه وقوة كلمته بين أجنحة هذا الطفل، الذي تمكن من إبراز هويته الإبداعية مبكراً، ليشبع رغبته الملحة على فطرته وانفعاله الجميل الممزوج بموسيقى عواطفه، ولغته ومضامين خياله، وتصرفاته التي تقوم على المحاكاة وتقليد افقه الذي بث الاختلاف الفاصل بينه وبين الآخرين، في استعمالاته لعرض خصوصية أسلوبه في صوره العفوية المتصلة بعالمه، وقدرته على مواصلة البناء العقلي وإقباله على الحياة  .
لنستنتج أن ذلك الفيضان الغير محدود، أتى نتيجة تعامل العقل الناتج عن انطباعات وومضات فكرية تصاحبها انفجار رغبة سحرية، يكون فيها الكاتب تحت السيطرة التي تتجلى على نرجسية العالم الذي يصنعه حلم الإنسان في قول ما يريد قوله في يقظة العقل ….       
على خلاف  هاني البياري،
حيث ترك للقارئ حر ترجمة حلمه بعنوان ” مرة أخرى كانت” الذي حدد معالمه من خلال أسئلته  “لصديقة ” !! التي لم يحدد ملامحها إلا بعد أن تواجد مع مشاعره باللاوعي في حوار مع الذات وبراءة روحه الشابة، المسابقة لهاث صوره… وكأنه يريد أن يمسك أولاً بمشاعره الحقيقية بالحياة التي تعني المرأة، بما أن المرأة ترمز للعطاء الإنساني المتكامل …، وربما تكون هذه المرأة هي أنثى حلم الشباب، أو ربما تكون هذه المرأة والدته، وهي بالأساس الشخصية الرئيسية في محور رؤية مخيلته الحاضرة، والمضيئة كالقمر على أوراقه، وهي سبب نمنمات لهفته، وفراشات كلماته الملهمة لالتقاط لحظاته المقتحمة سبر مكامنه المخبوءة في تصوراته الناتجة من حركة عواطف البشرية المتواجدة في طبيعة الفرد …. انه الكاتب الشاب هاني البياري، الذي التقط اللحظة وحملها سبر أعماقه  .
(3)
سرا  قابلها فب المقهى، التحفها الزجاح، لكن عصفوراً خفيفاً قدم لهما القهوة، وراح سريعا يشعل صوت فيروز ،
يا صديقة لا تصمتي في ميلادك الجديد، غني لي اولى، وفجأة افتجي لي بابا في النسيان لاطل قليلا غبى نفسي، لاقصد صديقا في دمي، وامراة احبها غاليا ساسميها امي ويعد عامين  اذكريني لندخل المقهى كما نحن، ونوقف المارة ونقتل بعض الحسرة .
(4) يا صديقة اصابني الصدأ، هل انت مفاجأة العيد؟ ، البارحة نمت في متاهة، فوقي سماء قرمزية..،  ازعجني صمت المدينة، لا صوت هنا، لا تنسيني كثيرا، علنا نتقابل على القمر في نسخته الارضية، قمرنا الجديد لونه ابيض، يشبهني ويشبهك، اين انت ؟ ومن انا؟
ونحن نعتذر من القارئ لعدم سة الاوراق هذا النص .    

أما عبد الحكيم زغبر، خرج عن الأناة الدائخة واتجه لسياسات الموقف واتانا بنص مختلف بعنوان ” طريق غـزة ” الذي مشط طريقها، وجسد تاريخها في الحاضر، وقام برسم لقطه جانبية لتاريخ تلك الطريق الذي يقطعه يومياً، حيث استرجعته الذاكرة  أشواطاً إلى تاريخ تلك المنطقة، عبر مركباته التخيلية المتسارعة، لمعانق التاريخ الذي جعل من غزة هاشم ضحية حسب رؤيته … أثناء ذهابه وإيابه من الشارع الذي يفصل بين المنزل والمدرسة، وما بين الذاكرتين، لاشتباكات أحداث هذه المنطقة، التي عادت بانسياب مخيلته في سرد استرسال الزمن وما يربطه بالحاضر، في تعدادات إحداثيات التاريخ وأثار أحداثه المختمرة في ذاكرته، والترابط بين سياسة الماضي وسياسة الحاضر المؤثر على تاريخ هذه المدينة المتعبة من وضعها الساخر المسجل بعبارات قهرية في وصفه لمدينة غزة التي سجل تاريخهه بـ 24 سطرا يقول:

(( الطريق إلى غزة هو دخولك للتاريخ حافياً عارياً/، واستكتابك بكل اللهجات المأخوذة من قرى الجهات الأربع/ ورسمك خارطة بحبر كلنا يعرف لونها ورائحتها / الطريق إلى غزة يعني انغماسك بالحنين ومرضك بالسراب أينما سرت،/ وهو افتقارك للمرادفات وإنصاتك للمعالم )) . 
هل يمكن لكاتب من الجيل القديم أن يكتب لنا تاريخ منطقته أو شارع دون مبالغة او حشو لغوي وخيال مفبرك … كما فعل عبد الحكيم زغبر، الذي لم يتجاوز الـ 20 من العمر .

أما مجد أبو شاويش، تكلم عن الجانب الاجتماعي والسياسي لمدينة غزة، وتصدعها جراء الحروب المتتالية، وسخرية الاقتتالات الفارغة، والمؤثرة على مدينته أكثر من غيرها، في نص يصف فيه وجعها بعنوان ” غزة وجع الطيبين” حيث حضرته الرؤية من خلال مشاهد الموت الذي طال عددا لا باس به من المجتمع الفلسطيني، وتحديد في مدينة غزة، التي أصبحت حسب وصف الكاتب مجد أبو شاويش أصبحت ” أرملة الظل : 

((غزة  أرملة الظل، الوحيدة في الليل، قميصها مرقع بالذكريات العتيقة، وضفائرها مشرعة للنسيان، أي نسيان فيك يا غزة؟، وفي كل سحابة ذكرى تبللنا، وفي كل جزء منك حكاية للموت الغريب، الموت! )) ثم يأخذه البكاء على الوطن “الأم ” قبل أن يصحو على مدمع الظلم فيقول:  (( غزة شقشقة الجرح في خاصرات الطيبين، ننام في غزة خائفين!، جميلة أنت يا غزة، حتى بكائك، … حزينة أنت يا غزة، ونحن نقطف فتات أشلائك! ، تغيرت كثيرا يا غزة كثيرا، عدنـــــا لا  نعرفك مذ صرت غزتيــــــــــــــــن .))
بكل سهولة يمكن للقارئ والشاهد، ومتتبع الأخبار المسموعة والمرئية والمقروءة، أن يستنتج أن هذا النص أتى نتيجة تأثر الكاتب الاقتتال والانقسام الذي حول غزة إلى غزتين .      
لا أنكر أن الكاتب الشاب مجد أبو شاويش، ذكرني بروائي التقيت به قبل أشهر ليست بعيدة في ندوة أدبية، حين سألته كنوع من فتح باب التحاور، بينما يكتمل الحضور، عن ماذا تكتب هذه الأيام ؟ قال اكتب عن قرية احتلت عام 67 و…و…. ، فقاطعت استرساله بسؤال، الم ترى أن المجتمع بحاجة أن نكتب عن مشكلاته الحالية التي وصلت عنق الزجاجة …؟
” أما آن الأوان أن تكتبوا، أو تطرحوا حلا لمشكلات كبرى تحوم حول رؤية الكاتب الأقوى إيصالا، ولماذا يتجاهل الكاتب ما يجول حوله على الساحة التي يعيش فيها ….؟! ولما ما زلتم تكتبون عن الاحتلال الذي لم يعد يستوعبه الجيل الجديد، أو عن أضرار ما سببه الاحتلال الذي ابقي مجتمع غزة في تفكيره القبلي ؟؟!! ” فما كان من الكاتب سوى أن نظر إلي بعداوة لأنني وضعت يدي على الجرح الذي يهرب منه العديد من الكتاب، اللذين لم يخرجوا من النضالات التي انتهت ظروف واقعيته….               

نعود إلى الكاتبة إسراء بدران، التي هربت من سياسة الاحتلال إلى سياسة الفرحة وممازحتها في ومضتان، الأولى ” هلا أمطرت! ” الذي أبرزت من خلاله جوانب من شخصيتها المتخفية خلف حواراتها الخائفة على أنوثتها من خشونة العالم من حولها، واستغلال مفاتنها ..، كما إشارات إسراء، ودخولنا ما بين السطور، وكما سبق ولمسنا على ارض الواقع تأثيرات المجتمع الذكوري، وآثار الكبت المجتمعي وسلبياته على كل الفرد …. إلى أن انتقلت الكاتبة إلى ومضتها الثانية بكل خفه ورشاقة في نص بعنوان “نسيان” المحمل بمشاعر كلاسيكية شاردة في سردها القلق على مرور الوقت الضائع بين فصلين، الأول: ذكرى يوم مولدها  المصادف مع موعد المسابقة التي ستشارك فيها، وحيرتها بينهما!!، ولمن ترسم خطواتها أو تهيئ طريقها، ليتم اختيار ملابس تتناسب مع فرحتها بالمناسبتين اللتين أوقفوها أمام  المرآة وقتاً طويلا إلى أن  ضاع عليها الوقت … أثناء شرود سردها باللاوعي عن تفاصيل مرور الوقت بطريقة سلسة وبسيطة جداً، لكنها  لا تخلو من شذرات لعبة الكاتبة في مسألة الربط والتقارب والتباعد وما يجري بينهما من تفاصيل محببة ومشوقة .
إذا تمتلك الكاتبة إسراء، لعبة التنقل والإبداع المترابط بدون تقطيع في موضوعاتها المنتقاة من إحساسها بالأشياء التي تجول حولها، أو اللجوء إلى الحشو الذي يتوه استرسال حالة القصة المراد إيصاله للمتلقي، تقول:
هل يعيدني الشتاء مع اول هطولاً له ؟
هذا الصيف يصقع بشرتي كثيراً، يلكز كرات البلياردو التي اصطفت على شكل كروي  في عقلي، يفتح عيني بملاقط الغسيل كي لا اغفوا في كومة البلادة …

اكره يوم اختفت إذناي واخذ عنقي بالتعرف اختناقا، ويوم ابتلعت أطراف أحلامي خوفاً من الغرباء الذين يدعون أنهم يشذبون عقلي وينحتون سمراء تشبه اله الجمال .
أي سموم بطيئة تجرعت كي ابدو على هذا الشكل الذي انا عليه !
أي لص انتشل عيني وهمومي الخفيفة التي سرقت لاجلها السنوات والشوارع،والكثير من البوظو، هل تتوقف الدوخة التي ركبناها انا واصحابي قريبا ؟
لانني معلقة في مدينة الملاهي انتظلا المظر   

بينما الكاتبة  آية رباح، ذهبت في سردها إلى ثقوب المجتمع في ” الثقب” حيث قامت الكاتبة بالبحث المعلن عن ثقوب المجتمع والتفكير في سلبياته، وما يجول على الساحات، تبرز فيه نموذج لشكل العادات والتقاليد، وتأثيرهما على الفرد وما يخصها، بدءاً من ثقوب الرأس، ” وهو بالأصح ثقوب رؤوس المجتمع”، والجسد/ وقبعة الوقت/ والسماء/والبحار/ والحمار/  والتراب/ والغباء/ والناس/ والحب/ والأضاحي/ والكون الخ….، فمن خلال مجموعة هذه التساؤلات عن فخوخ البشر، وفجوات ما ينتظرها في المستقبل القريب من الحاضر…..
نقول أن الفتاة آية رباح، التي لم تتجاوز الثامنة عشر من العمر، أعطت بهذا السرد للقصصي  الاجتماعية الصامتة، قالبا وروحاً تتغذى على تساؤلات المجتمع، وعما يجول في الشارع وبين أعمدة المنازل .

أما مريم أبو سمرة،  اختصرت مضامين ومضتها بقصه سردية  بعنوان ” إفادة ” وهي بالفعل عبارة عن إفادة ذاتية تائهة في فجوات المشاعر المتناثرة في بحثها عما فقده الإنسان في براءة النفوس …، واكتفت بوضع العديد من الرموز ، وهربت من التفكير بفوضى العالم، إلى فكرة تصاحبها السخرية، للتخفيف من وطأ صعوبة الإجابة عن أسئلتها، بإفادة مختصرة وقالت :

“أخبرني وميضٌ فرّ من رداء الليل، بأنني يجب أن أتوقف عن هرائي وأصنع شيئا نافعاً ينجيني، ويعبرُ بي فوق ساحل النهار دون أن يخدشني مخلب الحنين” .
وهكذا هربت الكاتبة من فكرة ومضتان: الأولى حوار مع الآخر، والثاني ردا على الإناء التي تعيش داخل حواراتها التي انتهت بالهروب من الواقع الذي لم تجد له جوابا يستغني عن أسئلتها الملتاعة في مكانها …. “

أما الكاتب مصطفى أبو فودة، استبدل النواح بالأطلال، والكبرياء، والرومانسية الموسيقية معاً، في نص شعري غزلي ” أراك غزالي” الجامع بين الهجاء والمديح، وبين السجع والرقة، والخيال، والواقع، وجمعهم في لغته البسيطة، والبعيدة عن التكلف … ليذكرنا الكاتب مصطفى، في السلم الموسيقي لكبار الشعر القدامى، وأسلوبهم السهل الممتنع :

(( وما كل ما يشرب المرء يروي /  وما كل ألف بحب رواك/ وما كل من رسم الشعر فحلً .
وما كل شعر يكوي حشاك / وما كل من حمل السيف جسر /  وما كل رام سهاماً رماك .
وما كل من أذرف الدمع يبكي /  فادمع البكاء كدمع التباكي، / سألتك بالله لا تتركني /  احبك وأهوى لظاك/ أطير بجرح رغاب وامشي  قتيلا سكيراً / فقلبي اصطفاك،/  عستُ وقلبي عجي ونوحي بروحي يئن قتيل ضناك، / بالوصل جودي فأنت ملاكي./ عرفت الهوى مذ عرفت هواك، / وأغلقت قلبي عل من عداك …. .  ))

في النهاية تبقى رؤيتنا الملخصة هذه مجرد نموذج للعديد من الكاتبات والكتاب اللذين جاءوا بديلاً لكتاب قصص البطولات …. وهذا ما كنا نبحث عنه في الأدب الفلسطيني الحديث، الذي يحدثنا عن تأثير  الاحتلال والسياسة والمجتمع القبلي والعشائرية، وجميع عوامل فجواته وثقوبه، وتأثيرهما على الجيل الشاب الحديث، في الطرح والنقاش الذي ولد لديهم مثل هذه المشكلات الحية التي طرحها هذا الجيل، الذي حاول أثبات مكانته في الأدب باتجاهاته الفكرية، وبطريقته الإبداعية في تكوين النصوص التي طلب فيها الكاتب حلاً لمشكلاته، من خلال تواصله مع مؤسسة ” تآمر”  التي منحته فرصة معرفة الحوار والجدل والقراءة ونشر مهارته الفكرية العالية، التي صورت مشاهد عديدة لمجتمعهم في صور متحركة .

وما زال هناك العديد من المواهب الفتية، كما قال الأب الروحي لتلك الكوكبة الفتية الأستاذ أحمد عاشور، منسق ” يراعات ” التي تبنت العديد من أسماء ونصوص لا تقل أهمية إبداعاتهم أمثال: الكتاب الشاب موسى توفيق/ فادي الشافعي/ احمد عاشور/ نور بعلوشة/ محمد الصفطاوي/ سارة أبو رمضان/ حنين جمعة/ هديل فوزي/ محمود زغبر/ مصطفى زينو/ رهام الغزاي/ تمارا أبو رمضان، وغيرهم العديد العديد يحتاجون منا وقفة أخرى، فكل واحد منهم اتخذ طريقا مكملا للأخر، ولعل أهمية هذه النماذج الإبداعية هي سلطة تفرده بالقيمة الفكرية الكتابية المنطلقة في اللحظة الانفعالية المتدفقة عند الجيل الشاب .

نحن ندرك تماما أن ما زال هناك العديد من المواهب الفتية التلقائية من فريق يراعات، سجل رمزا من رموز حياته، وعلامات المجتمع من وجهة نظره وتفكير جيله الشاب، المتماري في نصوص متألقة، ليجدوا من خلال كتاباتهم أصدءاً لأنفسهم، وحالتهم المتشتتة بين الذات والمجتمع، وبين التاريخ واليوم الحاضر والمستقبل الذي يعيشه في نقل تساؤلات عصره، إلى المتلقي في اللحظة التي تعادل التعبير الذي منحوه بعداً ميتافيزيقياً، محررا من إيقاع التعامل مع الغموض وتعقيد بساطة الجانب الإنساني في نهضتهم، ورفع صوتهم المتحدي الواقع بأحلام جديدة، من خلال أوراقهم الموضوعة فوق خارطة الأدب المتاح لكل من يحسن الخطوات في بستانه، في سمة احتفالية متحركة، لنستشعر بوعي أقلامهم وروحهم، وومضاتهم الهاربة من خشونة الحياة، وتذمر الواقع في رسائلهم المرسلة عبر هذه المؤسسة، التي حمت رؤيتهم وحولت سرديات قصصهم إلى خطاب استدلالي مقارنة بالرؤوس الكبيرة، وحجم صراخ كتاباتهم .

إذاً يمكننا القول، لقد أصبح بين أوراقنا الفلسطينية، كتاب حقيقيون من الجيل الجديد، انتقلوا من عالم الطفولة إلى النضج، متحدين بأنفاسهم غليان الشباب اللذين جاءوا من فنتازيا عالم لا يمكن أن نتجاهل تجلي شطحاته الذهنية التي كشفت للقارئ تجربتهم الرؤيوية، والنفسية، والاجتماعية، والروحية المستندة على رسم الحياة بطريقتهم الديالكتيكية المعبرة عن قدسية الروح الغارقة في الظلام، ألا من نور أقلامهم المشعة من لهيب مصابيحهم المضطربة، كما اتضح لنا عبر برنامج مؤسسة تآمر، الأم التي أرضعتهم حليب التعبير عن الذات لتنمية قدراتهم الإبداعية، مثل الطلاقة، والمرونة، والتركيز، والتعرف على الأساليب والوسائل التي تؤدي إلى تحقيق الهدف الإبداعي في الزمان والمكان .

ليؤكد أن داخل كل فرد أشياء كثيرة رائعة، وما يصل إليه العقل الذي يستحيل أن يفصل الذات عن الموضوع، أو الفكر عن الشعور في الكتابة، أو التكلم عن ذلك الشيء الخفي الذي يستخرج تفكيرنا  في الكتابات الإبداعية، والفلسفية، كنوع من التعبير عما يراودنا في الحياة، واثر جرحها على أوردتنا وجسد عقولنا وأحلام أعمارنا…. لذا يجب أن لا يتوقف هذا الجيل الشاب عن عطائه الإبداعي ما دام يعيش ضجيج الحياة .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد