شهريار .. وجرائمه ضد الانسانية

زاحم جهاد مطر

زاحم جهاد مطر

الف ليلة وليلة واحدة من روائعنا الأدبية الخالدة والتي انتشرت في كل انحاء العالم وما تزال ، والاعمال الأدبية والفنية التي تم الاقتباس منها لا تعد ولا تحصى وانتجت العشرات من الافلام السينمائية والمسرحيات واعمال موسيقية .. الخ . وتعتبر مصدراً ثرياً وكنزاً كبيراً لمن يريد ان يقتبس ويستلهم . وشخصياً قرأت هذه الرائعة منذ طفولتي وأعود اليها بين حين وآخر وقد تأثرت بأبطالها وحوادثها وبالعبر والدروس من خلال القصص الجميلة المكتوبة بكل عناية ومهارة أدبية . وكعادة الانسان عندما ينبهر بشيء او يعجب بشيء فان هذا الانبهار او الاعجاب قد يجعل الانسان لا يرى الجوانب الاخرى او على الأقل تجعله يتغاضى عن الجوانب السلبية ان وجدت مثلما يرى المحب حبيبته كأجمل انسانة على الكرة الأرضية خلقاً وخلقاً والأكثر من هذا لا يقبل ان يتقبل اي شيء آخر غير نظرته . وكذلك هذا الشيء يحدث عندنا عندما نحب شخصية معينة او نكره شخصية معينة والملاحظ في الامر نحب احياناً دون ان نعرف ونكره احياناً دون ان نعرف وهذا الحب يجعلنا ان لا نتقبل اي نقاش حول هذه الشخصية ونعتبر ان اي سلبية قد نقولها او نكتشفها فيها هي مجرد محاولة تشويه هذه الصورة المقدسة وكذلك في حالة الكره لا نتقبل اي نقاش او صفة ايجابية حول الشخصية التي نكرهها ونعتبر ايجاد او اكتشاف أية صفة ايجابية هو من باب التبرئة او محاولة لتجميل الصورة . وهذا ما جعلنا نجعل الشخصيات التي نحبها تحت مظلة القدسية ووضعنا خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها لغرض النقد او اظهار السلبيات وبالمقابل وضعنا الشخصيات التي نكرهها تحت مظلة الرذيلة ووضعنا ايضاً خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها لغرض التقييم واظهار الايجابيات .
بدون شك في العالم المتمدن تخلصت الشعوب من هذه المشكلة وتم النظر الى التاريخ بشكل عام بصورة محايدة وبالتحليل المنطقي وبالاستناد الى الوقائع والدلائل وتحليل الشخصيات بعد تجريدها من القدسية والرذيلة فتغيرت النظرة الى الكثير من الوقائع التاريخية والشخصيات التاريخية .
واعتقد آن الأوان لإعادة النظر لا في تاريخنا السياسي والديني لان هذين المجالين ما يزالان تحت تأثير النظرة الواحدة التي لا تقبل التقرب وقد تولد مشاكل اخرى تضاف الى ما نعانيه من مشاكل التطرف وعدم الاعتراف بالآخر ونظرية انا الأعلم والآخرون جهلة وانا الصحيح والآخرون كومة أخطاء . ولكن لنحاول في الجانب الثقافي والأدبي على الاقل ولا يعقل على سبيل المثال ان تبقى كنوزنا الأدبية تستلهم منها الشعوب الاخرى وتدرسها وتبحث عنها ونحن عنها غافلون . وعلى سبيل المثال لا الحصر ، لا يجوز ان تبقى ملحمة كلكامش بعيدة عنا ولا نعرف عنها شيئاً والآخرون يبحثون في كل حرف من حروفها والبعض منهم يحاول بقصد او بدون قصد الاساءة الى الشخصية العراقية القديمة . وبالمقابل هناك أعمال أدبية كبيرة مثل الف ليلة وليلة ولكن عند بحثنا فيها بدقة سوف نكتشف أشياء عظيمة نحن لم ننتبه الى خطورتها سلباً ام ايجاباً . والكل يعلم بان الثقافة هي التي تكشف عن واقع المجتمعات وهي المرآة العاكسة لمدى تقدمها الحضاري .
ونعود الى الف ليلة وليلة .. وأعتقد جازماً بان الكاتب أراد ان يظهر حقائق المجتمع في الزمن الذي عاشه ولكن باسلوب أدبي فريد حتى يتسنى لهذا العمل الانتشار بين الناس من باب التنوير واطلاع ما يجري في داخل القصور من فضائع وانحرافات فكرية واخلاقية وهنا لا يفرق بين الانسان العادي والوزير او السلطان بل ينظر الى كل الاشخاص كانسان دون منصبه او هيئته او كيانه الوظيفي والاجتماعي وينقل الواقع الفعلي للنظرة الدونية للآخرين .. على كل حال وقبل الدخول في التفاصيل ومنذ البداية يطرح السؤال التالي نفسه ألا وهو من هو مؤلف او كاتب هذا العمل الأدبي الفريد ؟؟ والاجابة قد تكمن في النقاط التالية :
1.    المؤلف عمد الى عدم وضع اسمه خوفاً من السلطة القائمة اعتباراً من الخليفة والى الوزير والمسؤولين الآخرين الذين قد ينظر لهم المواطن العادي بمنظور القداسة . واذا كان ملوكنا في هذا العصر يتعاملون بهمجية وبطش لكل من يقترب من أسوارهم الحصينة فكيف بملك في ذلك العصر، ونحن نعلم من خلال قراءة سير الملوك في الشرق بصورة عامة وفي دولنا بصورة خاصة باننا لم نجد ملكاً عادلاً او أميراً وان وجد فانه قتل .
2.    وحتى يطمأن أكثر فقد عمل بمبدأ التقية ان جاز التعبير بالاضافة الى عدم ذكر اسمه فقد أعطى صفة الفنطازية الى زمانية الاحداث (حكي والله اعلم انه فيما مضى من قديم الزمان وسالف العصر الاوان) وكذلك مكانية الاحداث (ملك من ملوك ساسان بجزائر الهند والصين) اذن لا يوجد مكان محدد والكل يعلم ماذا تعني جزائر الهند والصين وسعة هذه المناطق وعدد الدول او الدويلات الموجودة التي تحتويها هذه الارض الشاسعة في تلك الفترة . 

وبالرغم من هذا الحذر الشديد في تناول الموضوع وقطع اي دابر للشك فقد عمد الى السير بنفس الطريقة التي كانت متبعة من تبجيل الملك او السلطان ووصفه بصفات العدالة والفروسية والاستقامة حتى لو كان اقسى خلق الله (وكانا فارسين بطلين ، وكان الكبير افرس من الصغير، وقد ملك البلاد بالعدل بين العباد اسمه…) وفي مكان آخر (… حاكم عادل في رعيته مدة عشرين سنة …) . وبالرغم من كل محاولات التمويه فقد إتجه الى تسمية الابطال باسماء غير عربية ومن أسماء مركبة من كلمات لها معاني متقاربة في اللغات الفارسية والهندية والتركية ولغات جزر الهند والصين !! وعلى سبيل المثال (شهر ، يار) و (شاه ، زمان) و (شهر ، زاد) و (دنيا ، زاد) .
اذن الكاتب وبالتلميح المبطن أظهر لنا سبب اخفاء اسمه ولماذا اتجه الى طريقة الطلاسم لانه سوف يطرق ويكشف الابواب المغلقة للفئة الحاكمة على مصراعيها ليكشف زيف العدالة والبطولة والفروسية والشهامة والكرامة التي يرتديها هؤلاء والحوادث المثيرة التي تحدث خلف الكواليس . وهو يحاول ان ينقل لنا صورة واقعية ويبدو ان الرجل قد عاش هذه الحياة وما يدل على ذلك نقله هذه الصور الحية التي قد تزعج البعض من الذين يتصورون ملوكنا ملائكة !! .

بصورة عامة كان هدف الكاتب حسب فهمي المتواضع ما يلي :
1.    تعرية المجتمع الذكوري السائد والذي غالباً ما يجلس على هرم السلطة على شكل ملك او سلطان او أمير للمؤمنين او تحت أية تسمية اخرى فهو الحاكم المطلق وبيده كل مقاليد الامور وهو الذي يجب علينا ان نطيعه على وزن الآية الكريمة التي تقول (واطيعوا الله ورسوله واولي الأمر …) ونقطع الآية دون اكمالها لانها تذكر مواصفات ولي الأمر غير الموجودة في أي ملك في تاريخنا القديم والمعاصر !! .
2.    عكس النظرة السائدة في تلك الفترة للمرأة كما هي اي ان المرأة مجرد حاجة او جارية او راقصة وهي مصدر الآثام والجرائم والموبقات منذ الخليقة الأولى وما تزال .
3.    الولوج الى داخل القصور والبيوت والاماكن السرية للأمراء والملوك وكشف التفاصيل السرية الغائبة عن عيون الناس .
4.    تسمية الاشياء باسماءها ونقل الصورة الحقيقية للتمييز العنصري فالذي لونه اسوداً لا يسمى بانسان بل بالعبيد او السودان وقد خلق ليكون عبداً مطيعاً وخادماً ذليلاً لا غير .
5.    الكشف عن دهاليز السياسة الحقيرة وما يجري في الظلام من أعمال الخيانة والدسيسة والايقاع بالآخرين والمؤامرات .
6.    الكشف عن النظرة الناقصة للمعوقين او المشوهين خلقياً كالاقزام او العجزة كالأحدب مثلاً وجعلهم محل تندر وسخرية لاغراض التسلية .
7.    رفع الستار عن الوجه الثاني للملوك والامراء والوزراء وهم يقومون باعمال صبيانية ويتصرفون كالمجانين ويقلدون الحيوانات ويمارسون الفواحش والمحرمات … الخ .
8.    جميع القصص التي أوردها الكاتب من أخبار الانس والجن والحيوان والجماد والبلدان والاقطار والعرف والعادات هي قصص محبوكة ومنقولة من واقع قد عاشه .
9.    التأكيد على ان الملك فوق القانون وليس لأحد ان يحاسبه وهو الحاكم المطلق .

10.    المرأة كائن حقير وسوف تبقى هي العورة والعاهرة والخائنة وهي ام المشاكل وسوف تبقى تحت هذه التسميات ما دامت جاهلة ولن تستطيع ان تتحرر من هذه العبودية إلا بالتعلم .

اذن .. هذه أهم المفاهيم التي اراد المؤلف ان يوضحها لنا وينقلها كما هي والأكثر من هذا نقل الاباحية التي كانت سائدة في تلك الفترة مما جعل الكتاب ممنوعاً في كل الدول العربية بنسختها الكاملة ، والنسخ الموجودة حالياً هي نسخ رفعت منها كافة الكتابات المكتوبة بصورة فاضحة .
ولنعد مرة اخرى الى مدخل الف ليلة وليلة و (حكاية الملك شهريار وأخيه الملك شاه زمان) ، وبعد ان يخرج شاه زمان طالباً أخيه شهريار تذكر في الطريق حاجة نسيها في قصره (ودخل قصره فوجد زوجته راقدة في فراشه معانقة عبداً أسود من العبيد ، فلما رأى هذا اسودت الدنيا في وجهه وقال في نفسه اذا كان هذا الامر قد وقع وانا ما فارقت المدينة فكيف حال هذه العاهرة اذا غبت عند أخي مدة ثم سلى سيفه وضرب الاثنين فقتلهما في الفراش ورجع من وقته وساعته وامر بالرحيل) . اذن نحن في اول حالة خيانة لزوجة الملك شاه زمان وهنا تظهر عدة ملاحظات :
1.    الملك عندما يخرج لا يخرج لوحده وانما معه طابور من الخدم والحشم والاعوان فلماذا عاد لوحده ولم يرسل أحد لجلب الحاجة المنسية .
2.    دخوله مباشرة الى غرفة نومه غير منطقية على الاطلاق وعدم انتباه زوجته وهي في هذه الحالة شيء لا يمكن تخيله لان اي شخص عندما يقوم بعمل من هذا النوع وخاصة زوجة الملك لابد لها من اتخاذ احتياطات كثيرة ووضع موانع عديدة وعيون لاخفاء العملية .
3.    لمَ لمْ تكن الخيانة مع شخصية اخرى غير (عبداً اسود من العبيد) والقصد واضح هنا هو اعطاء فعل الخيانة بعداً أكثر حقارة ودناءة .. اي لم تكتف الزوجة بالخيانة فقط وانما الخيانة مع (عبد اسود من العبيد) وقد تكون الخيانة مع انسان غير العبد الاسود مبرراً واذا كان مع قائد من قواد الجيش او وزيراً من الوزراء أكثر تبريراً ، وهي محاولة مبطنة لوضع المرأة في أعلى درجات الخبث والخيانة والخسة وفي نفس الوقت وضع الانسان الاسود خارج درجات الانسانية .
4.    قيام الملك (سل سيفه وضرب الاثنين فقتلهما في الفراش) بدون محاكمة وبدون اي سؤال او جواب ومن غير ان يسأل الملك عن الحادثة وشهود الاثبات .. لان الملك فوق القانون . اذاكانت الحادثة كما ادعاها الملك ، اما اذا كان الامر غير ذلك فذلك ادهى وامر .

لنتعرف على قصة الخيانة الثانية :
الملك شاه زمان في ضيافة أخيه الملك شهريار ، فتذكر الملك شاه زمان ما كان من أمر زوجته فحصل عنده هم زائد ، وفي يوم من الايام يطلب منه أخيه الملك شهريار للخروج الى الصيد ، ويرفض الملك شاه زمان ويخرج الملك شهريار وحده . وكان الملك شاه زمان في قصر فيه شبابيك تطل على بستان أخيه الملك شهريار (فنظر واذا باب القصر قد فتح وخرج منه عشرون جارية وعشرون عبد وامرأة أخيه الملك شهريار تمشي بينهم وهي في غاية الحسن والجمال حتى وصلوا الى فسيقة وخلعوا ثيابهم وجلسوا مع بعضهم واذا بامرأة الملك قالت يا سعود فجاءها عبد أسود فعانقها وعانقته وواقعها وكذلك باقي العبيد فعلوا بالجواري ولم يزالوا كذلك حتى ولى النهار …) . هنا تصاعدت وتيرة الخيانة والابطال كثروا وهم الزوجة والعبيد والجواري ، والجريمة خرجت من نطاق غرفة الملك الى البستان والعملية استمرت لنهار كامل وكاننا في مشهد اكثر إثارة من نادي العراة !! بحيث ان الملك شاه زمان عندما يرى هذا المشهد الجماعي يعود الى نفسه ويقول (والله ان بليتي اخف من هذه البلية وقد هان ما عنده من القهر والغم وقال هذا اعظم مما جرى لي) .
وبعد اخذ ورد بين الملك شهريار وأخيه يعلم ما قامت به زوجته وحتى يتأكد من الخبر يدعي بانه خارج الى الصيد وبطريقة ما يختفي في قصر أخيه ويرى من الشباك المطل على البستان (واذا بالجواري وسيدتهم دخلوا مع العبيد وفعلوا كما قال له أخوه واستمروا كذلك حتى العصر) .

لننتقل الى حالة الخيانة الثالثة والبطل دائماً المرأة :
ما رآه الملك شهريار أزعجه وقال لأخيه (قم بنا نسافر الى حال سبيلنا وليس لنا حاجة بالملك حتى ننظر هل جرى لاحد مثلنا اولاً ، فيكون موتنا خير من حياتنا) . فخرجا الى ان وصلا الى شجرة في وسط مرج وجلسا يستريحان فلما كان بعد ساعة مضت من النهار واذا هما بالبحر هاج وماج ويطلع منه جني طويل القامة عريض الهامة ويتوجه نحو الشجرة التي هم تحتها . ومن خوفهما يطلعا الى أعلى الشجرة . ثم يأتي الجني الحامل لصندوق وبعد ان يجلس يفتح الصندوق ويخرج منه علبة ومن العلبة تخرج صبية غراء بهية ويقول لها يا سيدة الحرائر التي اختطفتك ليلة عرسك اريد ان أنام ثم ان الجني وضع رأسه على ركبتها وغط في نوم عميق . انتبهت الصبية ورفعت رأسها الى أعلى وشاهدت شهريار وأخيه وأشارت لهما بالنزول وبعكسه سوف تنبه الجني للفتك بهما . ثم ينزلان ويمارسان الجنس معها حسب طلبها وبعد ذلك تطلب منهما )اعطياني خاتميكما) لتضيفها الى مجموعتها الخمسمائة وسبعون خاتماً.  وهذا يعني انها خانت هذا العدد !! ثم تقول لهما (هذا العفريت قد اختطفني ليلة عرسي ثم وضعني في علبة وجعل العلبة داخل صندوق ورمى على الصندوق سبعة اقفال وجعلني في قاع البحر العجاج المتلاطم بالامواج ويعلم ان المرأة منا اذا ارادت أمراً لم يغلبها شيء) . كل هذا والمرأة عندما تريد ان تخون تخون لانها مخلوقة من ضلع الخيانة وليس من ضلع آدم المسكين . ثم ان شهريار وأخيه (تعجبا غاية العجب وقالا لبعضهما اذا كان هذا عفريت وجرى له أعظم مما جرى لنا فهذا شيء يسلينا) ثم انصرفا ورجعا الى مدينة الملك شهريار . وحادثة فتاة الصندوق تصعد من درجة غيرة شهريار ومع دخول قصره (رمى عنق زوجته وكذلك أعناق الجواري والعبيد) . ولان مزاجه تكدر وعقدته زادت من ساديته واجرامه فقد صار هذا المجرم (كلما يأخذ بنتاً بكراً يزيل بكارتها ويقتلها من ليلتها ولم يزل على ذلك مدة ثلاث سنوات ) . ولو علمنا بانه خلال ثلاث سنوات اغتصب وقتل ما يقارب 1100 بنتاً فكم عدد قتلاه من الآخرين ؟ أليست هذه الجريمة وحدها تكفي لمحاكمته أمام المحكمة الدولية كمجرم ارتكب جرائم ضد الانسانية !! . على كل حال الحكاية تقول (فضجت الناس وهربت ببناتها ولم يبق في المدينة بنت تتحمل الوطئ . ولم تبقى في المدينة سوى شهرزاد واختها الصغيرة دنيازاد . ثم ان الملك أمر الوزير بان يأتيه كعادته ببنت على جري عادته فخرج الوزير فلم يجد بنتاً فتوجه الى منزله وهو غضبان مقهور خائف على نفسه من الملك وكان الوزير له بنتان كما نوهنا . هنا أود ان اشير الى ان الوزير اصبح شغله القواده والاتيان ببنت للملك شهريار يومياً الى ان جاءه الدور ليقدم بيده ابنتيه للملك الهمام ، وهكذا كان . وهنا لابد من الاشارة الى ملاحظة مهمة وهي ان المؤلف لم يذكر حول البنات اللائي تم قتلهن من قبل شهريار أي شيء ولكنه ركز هنا على نقطة مهمة حول شهرزاد بقوله (وكانت الكبيرة ويقصد شهرزاد قد قرأت الكتب والتواريخ وسير الملوك المتقدمين وأخبار الامم الماضين وقيل انها جمعت الف كتاب من كتب التواريخ المتعلقة بالامم السالفة) وهذا تأكيد على علمها وثقافتها وكانه يريد ان يقول اذا لم تتثقف المرأة فانها سوف تبقى تحت سطوة الرجل ومعرضة الى تشويه صورتها كانسانة والعلم هو الطريق الوحيد لتحررها من هذه العبودية والنظرة الدونية .
اذن تتزوج شهرزاد الملك وهي على قناعة تامة (فقالت له بالله يا أبتِ زوجني هذا الملك فأما ان أعيش وأما ان أكون فداء لبنات المسلمين وسبباً لخلاصهن من بين يديه) . وتزوجت الفتاة من الملك وبعلمها واسلوبها استطاعت ان تغير الطبيعة العدوانية للملك شهريار بعد الف ليلة وليلة والف قصة وقصة .
اي بعد كل هذا القتل والاغتصاب قبل ألف ليلة وليلة خلال هذه السنين وما بعدها لم يتعرض الملك شهريار لأية مساءلة قانونية او اجتماعية واستمر في عمله كملك حاله حال الملوك والامراء الذين قبله وبعده وهذه مسألة خطيرة جداً لم تنتبه اليها مجتمعاتنا لحد الآن والأدهى من ذلك إتخذنا من الملك شهريار والمجرمين من امثاله قدوة لنا ورمزاً من رموز الرجولة والفحولة وصار ايضاً من جانب آخر نموذجاً لفارس الاحلام لنسائنا البائسات ومازلنا ننحت له أنواع التماثيل ونجعله بطل لقصصنا ورواياتنا ومسرحياتنا واعمالنا الموسيقية .
قد يقول قائل بان شخصية شهريار هي شخصية رمزية غير حقيقية وانا أقول ايضاً كذلك مثل شخصيات الاعمال الادبية العالمية الاخرى ولكن هذه الشخصيات معظمها مستمدة من شخصيات حقيقية او شخصيات مشابهة لها في الاداء والتصرف في الحياة العامة ولكن أي من هذه الشخصيات الشريرة خيالية كانت ام حقيقية لم تهب مثل هذه الهالة والاحترام والحب مثلنا وعلى سبيل المثال شخصية (شايلوك) في “روميو وجوليت” بالرغم من انه لم يكن قاتلاً وان ما فعله لا يقاس بافعال ملكنا شهريار إلا انه بقى منبوذاً ولحد الآن وهي شخصية خيالية اما شخصية (راسبوتين) وهي شخصية بدون شك مأخوذة من شخصية واقعية ، وحتى لو اخذنا كل الممارسات التي مارسها حقيقية وصحيحة فانها ايضاً لا تعادل واحد بالمائة مما فعله شهريار وبالرغم من ذلك فان كل الاخبار تنقل بانه تمت محاكمته واعدامه وهاتان الشخصيتان مثل شخصيات اخرى بقيت توصف بأوصاف القبح ولحد الان لم يتجرأ احد على اعطائهم أية مساحة للحب والاحترام عكس مجتمعاتنا التي تمجد بهذه الشخصيات التي ما تزال تعيش بيننا ولا يتجرأ أحد ان يقول فوق عين الملك او الامير او الرئيس حاجب ، والمفروض به ان يقف أمام المحاكم الدولية لمحاسبته على جرائمه ضد الانسانية .
واذا كان صعباً علينا إعادة النظر في تاريخنا الديني والسياسي فلنحاول فتح أبواب تاريخ ثقافتنا وأدبنا على الاقل .

والله ولي التوفيـــق

للاطلاع على مزيد من المواضيع :

www.art-zahimmutar.blogspot.com

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد