هويتــــــــــــــــــــــنا (( وطنيه … قوميه … دينيه ؟ ))

د. علي رحيم مذكور

الهوية الوطنية.. قصة كبرى، وقلق وطني يشغل الجميع، والجميع تحدثوا عنها، وضعوا فيها الكثير من النظريات، وكتبوا مئات التعريفات والمقترحات والحلول، ولكن لم نسمع إلى اليوم عن تعريف دقيق للهوية الوطنية .

هل الهوية الوطنية هي اللغة التي نتحدث بها؟ أم أنها الزي الشعبي الذي نرتديه؟ هل هي أسماء مناطق وأشخاص يجب الحفاظ عليها؟ أم هي تراث وخيمة و”خوص”؟ أم رقصات شعبية وأهازيج وطبول؟

، فالهوية عبارة عن الصورة “المثالية” التي يجب أن يكون عليها المواطن ، هذه الصورة ليست محصورة في زيّه وشكله الخارجي، بل تتضمن ما هو أهم وأكبر وأشمل من ذلك، لقياس هذه الصورة المثالية، تبدأ من كيفية شعور المواطن بأهمية الوقت إلى إنتاجيته وحبه لبلده وولائه له وشعوره بالانتماء لوطنه ، إضافة إلى التزامه بالقيم الاخلاقيه الحميده ، وحبه للعمل الجماعي بعيداً عن الأنانية،
صحيح اننا ندعو ونؤكد على اهمية ان يتحدث المواطن باللغة العربية، ويرتدي الزي الوطني ويحفظ تراث وطنه، لكن هذا لا يكفي؛ ما الفائدة من شخص يرتدي .زيه التقليدي لكنه غير منتج في عمله، وغير مهتم بتنمية مهاراته التعليمية والمعرفية، وغير حريص على مصلحة وطنه، ويفضل العمل لمصلحته الشخصية على حساب المصلحة العامة؟
كذلك تبرز مسألة تحديد مقومات الهوية من أكثر القضايا صعوبة وحساسية لأنها تنطوي بالضرورة على إغراءات أيديولوجية . فقد طرحت الأيديولوجية الماركسية مفهوماً أُممياً للهوية تجسد في شعار” يا عمال العالم اتحدوا” الذي يدعو إلى وحدة عمال بلاد العالم كافة على أساس طبقي . ولكنه في الوقت نفسه ينطوي ضمناً على وحدة من نوع آخر هي وحدة الرأسماليين على أساس طبقي أيضاً . وبذلك ظهرت أولى ملامح الهوية الطبقية التي تتجاوز الحدود والمقومات القومية والدينية
اما على مستوى النظام العربى بوضعه الراهن فهو يعاني من اشكالية كبيرة تتعلق بازمه الهويه . التى يمكن أن نطلق عليها ” إشكالية الهويات المتصارعة ” حيث يعانى النظام العربى من صراع مستديم أو مستتر بين هويات ثلاث: وطنية ” قطرية” وقومية “عربية” ودينية “إسلامية ” تتجاذبه وتدفعه فى اتجاهات متعارضة ، فالانسان لا بد وان يكون انتماءه الاسمى لهويه تعلو على باقي سواها من الهويات الاخرى دون التخلي عن الانتماءات الاخرى ,والصور الاخرى من الهويه الادنى من الهويه الاسمى  الا وهي الهوية الوطنيه .
وباختفاء المنافس والموازي للولايات المتحده أضحى القطب الآخر ( الولايات المتحدة ) متفرداً بدرجة التفوق العظمى التي كانت تشاركه إياها الإمبراطورية السوفيتية الزائلة . وتأسيساً على ذلك سعى الأمريكيون ـ الذين باتوا فجأة ينفردون بتقرير مصير النسق الدولي ـ إلى تكريس ما يعرف بالنظام العالمي الجديد , ثم سرعان ما راحوا يخرجون على العالم بمفهوم العولمة , وكعادتهم فقد راحوت يبشرون بأن العولمة إنما هي واقع عالمي سعيد تسوده قيم السلام والشرعية الدولية , ينعم في ظلها بنو البشر بالرفاهية والسعادة و المساواة الحرية والعدالة والأخوة الإنسانية حيث لا مجال للتمييز بين الناس على اساس الجنس أو السلالة أو الدين أو العقيدة .. أو غيرها . فمجريات الواقع الدولي في ظل العولمة تشير بوضوح إلى زيف كل تلك المقولات والمزاعم الأمريكية , حيث يبدو جلياً للعيان أن العولمة لا تعدو أن تكون عملية إرادية غائية موجهة لغرض الهيمنه على مقدرات العالم وفرض نهجهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإعلامي على سائر الأمم , فعلى الصعيد السياسي على الاخرين أن يذعنوا لإرادة القطب الأوحد ، والتي ستكون بمثابة قانون لابد وأن ينفذ على المستوى الدولي , كقضية تبني الديمقراطية ( على الطريقة الأمريكية ) باعتبارها النظام السياسي الأمثل لبناء الدوله العصريه المدنيه الحضاريه الحديثه ,
وعلى الصعيد الاقتصادي على المجتمع الدولي أن يذعن لمقررات المؤسسات المالية الدولية كمنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي والشركات المتعددة الجنسيات المكرسة لتحرير التجارة الدولية ، ومحاولة إجبار الدول على التحول إلى النظم الرأسمالية ” من خلال ما يعرف بعملية الخصخصة” دونما مناقشة او اعتبار للظروف الخاصه لتلك الدول , وما تؤدي إليه هذه المقررات من عواقب وخيمة ” اقتصادية واجتماعية ” على مواطنيها . أما على الصعيد الثقافي وما يتصل بالهوية ” وهو ما يهمنا في الجانب ”  فإن العولمة ـ كما تفهم على الاعم ـ على انها سحق سائر مقومات الهويات و الثقافات والتمكين لعناصر الثقافة الأمريكية تحت مسمى الثقافة العالمية، على اعتبار أنها ـ حسب المروجين لها ـ هي الثقافة الوحيدة الجديرة بالبقاء والاستمرار , إنها ثقافة اللغة الإنجليزية” باللهجة الأمريكية ” والحرية الفردية غير المقيدة بالدين أو العائلة أو الأمة أو التقاليد أو العرف , وإن من حق المرء أن يتخلص من كل هذه القيود التي تكبل حريته ، وتحد من رغباته وميوله وأهوائه .
وفى هذا السياق كان من الطبيعى أن تتراجع الهوية العربية لصاح الهويتين الأخريين المتنافستين : الهوية الوطنية “القطرية” و” الهوية الإسلامية ” اللتين نشطتا لمواجهه هذا الغزو الثقافي الذي يستهدف طمس الهويه العربيه  .
ولأن الهوية «الوطنية» ارتبطت بدول لم تقم على أسس قومية واضحة، ورسمت حدودها وفق مصالح قوى أوروبية متنافسة على إرث الامبراطورية العثمانية، فقد كان من الصعب عليها أن تصمد فى وجه تحديات داخلية وخارجية عديدة واجهتها فى مرحلة ما بعد الاستقلال. لذا لم يكن غريبا أن تظهر تصدعات كثيرة فى صفوف الوحدة الوطنية داخل العديد من الدول العربية، خصوصا متعددة الأعراق والأديان والطوائف، أدت إلى أن يصبح الدين أو القبيلة أو الطائفة أو العرق، هو الوعاء الحاضن للهوية والانتماء ، وليس الأمة.
وخير مثال ما يجرى اليوم فى لبنان والصومال والسودان واليمن والعراق وغيرها، لندرك حجم الخطر المحدق بالنظام العربى، بسبب عمق أزمة الهوية فيه، وهو ما يفرض على النخب العربية ضرورة الاهتمام ببحث سبل معالجة هذه القضية بأكبر قدر من الجدية والعمق ، بمشروع اسلامي عربي تنويري وبرؤى معاصره يستطيع التلاقح مع الحضاره الغربيه والتواصل مع العالم المتمدن ضمن المعطيات الدوليه الجديده .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد