البنية التركيبية والدلالية في نص الشاعر “حميد الساعدي”

حسين عجيل الساعدي‎

بقلم/حسين عجيل الساعدي
يقول محيي الدين بن عربي:
وما الوجه إلا واحد غير أنه
إذا أنت عددت المرايا تعددا
النص//
ربما بعد حين
تتعب المرايا
ربما تكون رائقاً
بعد متاعب كثيرة
تفكر بالحب
وتملأ سلال من أمانٍ معتقة
قد يخونك النظر
حين تنظر إلى مرآتك
ولا ترى التجاعيد
ربما تكون عابراً للمشيب
تتذكر بالحركة البطيئة
فترى شاباً صغيرا
يتقافز في الشوارع
لا تزعجه منبهات السيّارت
يحمل كتبه الرّثة
التي أورثته اصفرار البشرة
وسوء التغذية
والوقاحة أحيانا…
بغواية العابرات
تمارس أمانيك
لا وقت للغواية يا صاحبي
فليلك أشدُّ عليك
من نهارك…
في المقاهي روائح الأصدقاء
وصخب الدخان
ربما في كل حين
تبتكر نساءً لقصائد
حتى تصير النساء قصائد
ربما تأخذ وقتك بالتقسيط
وتمارس الحب
على دفعات
تغوي مرآتك
تباعد بين الشغف
وبين الشبق الآني
وتلعنُ الإساءات
تسيء لي المرايا
فأصدق وجهي
وأُكذّب صورتها.
المدخل لتناول نص الشاعر “حميد الساعدي” ينبغي أن يتحقق من خلال التعامل مع النص نفسه، بهدف الكشف عن مداخله، التي تساعد على تفكيك مغاليقه.
يمكن وصف نص الشاعر “حميد الساعدي” بأنه نصاً متعدد الزوايا، ذات جمل قصيرة، تميزت بالأختزال والأقتصاد اللغوي والتكثيف الحسي. فهو من المنظور الجدلي عبارة عن تفرعات بنيوية، تحول لغة الشعر الحاملة للفكرة، إلى بنية دلالية، في تجسيد الرؤية الشعرية للشاعر الذي يريد أن يصل بها إلى الإبداع الشعري، فهو يهتم باللغة ويوظفها في النص حتى يبتعد بها عن المباشرة. وذلك بما يحويه النص من تراكيب بنيوية ونحوية ساهمت في تشكيل هيكليته، فالشاعر يوظف الرمز بدلالة القيمة النفسية والحسية له، كأن يصف بعضاً من ملامح حياته، التي تعبر عن كينونته الشخصية. وعليه لا يمكن فهم الشاعر إلا من خلال النص، لأن (النص مرآة لدواخل الشاعر، فإنه يرسم شخصيته وتضاريسيه السايكولوجية وانتماءاته الأجتماعية).
ينبغي أن نبدء بتأمل دلالة المرايا، ضمن الحيز الذي تشغله في تفكير الشاعر وأفعاله وسلوكه. فهي أيقونة النص، لابد من تحليل رمزيتها ودلالاتها المعرفية، من خلال تفكيكها لغوياً وسيميائياً، لغرض الخروج بفهم معرفي يساعد على فهم الذات من خلالها، لأنها تذكرنا بحقيقة أنفسنا.
المرآة (جمع: مرايا)، عرفها العلماء بأنها (سطح لامع يعكس الأشعة الضوئية الصادرة من أي جسم تسقط عليه لتعكس صورة الجسم)، “محمد شفيق غربال، الموسوعة العربية الميسرة”.
إن أحدى ثيمات المرايا، هو ما تحمله في سياقها الرمزي، سؤال الذات في مواجهة النفس، حيث تبلور في نفس الإنسان أنطباعات وتجيب على تساؤلات، تشكل المعنى.
الإنسان أمام المرايا لا يمكن إخفاء مشاعره، بل تراه يراقب ملامح وجهه ولغة جسده. يقول علماء النفس عن رؤية المشاعر من خلال المرايا (أن النظر في المرآة يمكن أن يساعد على تبني منظور أكثر واقعية مع عيوب الإنسان وضعفه).
فرمزية ودلالية المرايا في النص قبل أن تكون هي الذات التي يرأى فيها الشاعر نفسه، تكون أداة تعبير فني، ننطلق منها إلى فضاء النص.
وقبل أن نستغرق في رمزية المرايا في النص الشاعر “حميد الساعدي”، نقول إن النص أنعكاس نفس الشاعر، الذي شكل شذرات أفكاره، حيث أتخذ من المرايا منطلقاً أساسياً لبنية النص وفضائه الشعري، فأستعان بها كأداة تظهر ما في حيزها. لقد وظفها كتقنية شعرية فنية سردية، للتعبير عن أفكاره، ليرصد ما يتراءى في أعماقه، وكأنه يتحدث عن أسقاطاته ومكنوناته النفسية.
فالمرايا في النص تمثل رؤية ما لا يمكن رؤيته، فالشاعر يتحدث عن نفسه، باحثاً عن ذاته، لإنه يعلم أن المرايا تمثل حيزاً واسعاً من تفكيره وأفعاله وسلوكه، وتحمل في عمقها هويته، وحدود حقيقته. لإن الحقيقة ليست بعيدة عنه، بل هو جوهر الحقيقة كإنسان، يغوص في أعماق المرايا لأنها ذاكرته، وحضوره الذهني والسايكولوجي الذي لا يستطيع نسيانه، وهذا ما يؤكده بعض العلماء أن المرايا (ذاكرة)، لإنها أكثر مساحة للرؤية، حين ينظر فيها كل مرة يرى وجهاً آخر غير وجهه الحقيقي. فهي تجسيد رمزي للأنا، ولكن الذي نراه في النص غياب (أنا) الشاعر، وكأنه يخاطب الآخر، فيصبح إنساناً مغترباً عن نفسه. فلم تعد (الأنا) صورته في المرايا، بل الذي يتحدث عنه ويحاوره صورة الآخر. فهو ينقل لنا حواراً قائماً على الذات، نرصد فيه صيغة (المونولوج)، الذي غطى مساحة النص، حواراً سيطر عليه صوت الشاعر بلغة شعرية مركزة، يجسد فيه سؤال الذات في مواجهة نفسها.
ماذا تعكس المرايا؟
المرايا لها دلالات رمزية أستثمرها الشاعر، يرى فيها (الأخر المنشق عن أناه). لإن أنشغال الشاعر بالذات، قد أخرج (الأنا) في النص من طبيعتها الفيزيائية في المرايا، إلى طبيعة تجريدية، ليترك للقارئ كشف خبايا مرآة الشاعر وما يريد بثه من أفكار ورؤى، تفتح النص أمامه على جملة من القراءات.
يحلق النص بجناحين هما (الأنا والآخر)، تتوحد فيه أنا الشاعر الأصلية مع أنا الصورة المركبة في المرآة، يكشف فيها عن علاقة جدلية بين ما هو أصل وما هو صورة، أي (أنا ناظرة) و(أنا منظوراً إليها)، ويمكن توصيفها في علاقة الأصل بالصورة. فأمام هذه الجدلية التي عبر عنها الفيلسوف الفرنسي “غاستون باشلار” بقوله: (الذات والآخر ديالكتيكية لا تنتهي) قد تساعد الشاعر على فهم وأعادة بناء ذاته من جديد، وكأنها ضميره الحي.
أنفتح النص على مشهد تصوري رسم فيه الشاعر معالم الخطاب الشعري، الذي يزيد المعنى وضوحاً، حين جعل منه مرتكزاً حوارياً يتواصل به مع المتلقي، يظهر فيه الضيق النفسي وتشظي الذات عنده.
(ربما تكون رائقاً/بعد متاعب كثيرة/
تفكر بالحب/وتملأ سلال من أمانٍ معتقة/قد يخونك النظر/حين تنظر إلى مرآتك/ولا ترى التجاعيد/ربما تكون عابراً للمشيب).
لقد أشار “أدونيس” إلى هذه الجدلية بقوله:( إن المبدع العربي يعيش غياباً مزدوجاً: عن ذاته وعن الآخر، وإنه يعيش بين منفيين: منفى الداخل ومنفى الخارج، أو بحسب تعبير سارتر بين جحيمين: الذات والآخر، ويؤكد أن الأنا ليست الأنا وليست الآخر، الغياب والمنفى هم الحضور)، “أدونيس، النص القرآني وآفاق الكتابة، ص 16”.
(فترى شاباً صغيرا/يتقافز في الشوارع/لا تزعجه منبهات السيّارت/
يحمل كتبه الرّثة/التي أورثته اصفرار البشرة/وسوء التغذية/والوقاحة أحيانا..).
تقنية التكرار في النص:
يمثل التكرار ظاهرة أسلوبية في أثراء النص، وتبين الأبعاد الدلالية والفنية التي تساعد على فهم فكرة ما أو صورة ما. فالشعراء من خلال تقنية التكرار يحاولون تأكيد حالة شعورية معينة، أو تأكيد الذات، وتضخيمها، فتراهم في نتاجهم الشعري يكررون حروفاً أو جملاً أو أفعالاً للتعبير عن رؤى جمالية أو رؤى نفسية يعيشونها، ونفس الوقت تحفز المتلقي للبحث في هذه الرؤى، لذلك (شكّلت ظاهرةُ التكرار سمة أدبية واضحة المعالم ومتلازمة الأفكار). لأن التكرار له علاقة بظروف الشاعر النفسية، بهدف أستكشاف المشاعر وبيان الدلالات النفسية والوجدانية لديه، وقد عبر الدكتور “صميم إلياس كريم” عن (تقنية التكرار) بقوله: (تكمن شاعرية التكرار وقيمته الإيقاعية والدلالية بخاصة في أن مبدع النص/ الشاعر يحاول الاتكاء على تقنية التكرار أن يكشف لنا عن الأمور والأشياء والنوازع التي يعني بها أكثر من غيرها، فهي عباراته لأنه تشكل مرآة صادقة تعكس ما يخالج الشاعر ويعتري وجدانه)، “صميم إلياس كريم، التكرار اللفظي وأنواعه ودلالاته قديما وحديثا”.
فالتكرار يكشف أهتمام الشاعر بهذه المفردة أو تلك الجملة، ويكررها في صور شعرية مكثفة ومختلفة، وهذا التكرار تكرار فني، يأثث فيه الشاعر لنص شعري أبداعي. كذلك هو عنصر من عناصر الإيقاع في النص، (يوظف لتحقيق وظائف دلالية من أجل تدعيم ثبات النص)، وهذه الوظيفة لا يمكن أن تتحقق إلا أن تكون نسبة ورود المكرر عالية في النص الشعري. وفي نص الشاعر “حميد الساعدي” تنوع التكرار الذي حمل الكثير من الدلالات النفسية والأنفعالية المختلفة التي تفرضها طبيعة السياق، فشكلت رابط بين المعنى والرؤية معاً.
إن تكرار كلمات “المرايا” و “ربما” و “الأفعال المضارعة” في نص الشاعر “حميد الساعدي” يجعل من التكرار دلالات مهمة في سياقاتها، ومن خلالها نشخص عناصر الرؤية الشعرية لدى الشاعر.
١) أستخدم الشاعر (المرآة) مرتان بصيغة المفرد، ومرتان بصيغة الجمع (المرايا)، يولد هذا الجمع صور متناثرة تتشظى فيها الذات وكأنها أخطاء أو خطايا. البعض من الشعراء يرأى في المرايا أنها تكشف عن عيوبهم، في صور أرتدادية ما بين الشباب والمشيب. أما الشاعر “حميد الساعدي” في نصه هو دائم البحث عن (أناه) الآخر، التي تتمظهر في المرايا لتمثل له الصورة الحقيقية، وكأنه شخصاً مغترباً عن ذاته. وفي سياق رمزية المرايا في النص، ذات الدلالة المكثفة، ربما نفهم معنى أنعكاس الصورة فيها؛
(تتعب المرايا/تسيء لي المرايا) (حين تنظر إلى مرآتك/تغوي مرآتك)
٢) إن تكرار الأفعال المضارعة في النص هو تأكيد على دلالة الحركة لهذه الأفعال، فأستعمال الفعل المضارع في النص الشعري بهذه الكثافة، والذي هيمن على تراكيب النص اللغوية، يكسبه طابع الحركة أضافة الى دلالته الزمنية وتأكيد حدوثه في الزمن الحاضر.
فالشاعر أستخدام صيغة فعل المضارع الدال على التجدد والأستمرارية، والحدوث بكثافة واضحة، أستخدم الفعل في النص أربعة وعشرين مرة. إن تكرار الفعل بهذه الكثافة شكل ترابطاً وأنسجاماً في النص دلالة على أن التجدد والاستمرارية هي الحالة المسيطرة على المعنى في النص؛
(تتعب/تكون/تفكر/ تملأ/يخونك/تنظر/ ترى/تتذكر/تكون/فترى/يتقافز/تزعجه/يحمل/تمارس/تبتكر/تصير/تأخذ/تمارس/تغوي/تباعد/تلعنُ/تسيء/أصدق/أُكذّب).
٣) تكرار جملة (ربما بعد حين) التي أتت كلازمة في مقدمة النص وتوزعت على أجزاء النص الاخرى خمس مرات؛
(ربما بعد حين/ربما تكون رائقاً/ربما تكون عابراً للمشيب/ربما في كل حين/ربما تأخذ وقتك بالتقسيط)
لتحمل معنى الأحتمالية من خلال أستخدام لفظ (ربما*)، بمعنى يدل على الأحتمال غير الحادث بكثرة، ثم تأتي بعدها الأحتمالات التي يضعها الشاعر.
إن لجوء الشاعر لتكرار جملة (ربما بعد حين) الغرض منه تأكيد رغبة معينة، تحمل أمنية قد لا تتحقق. وهذا المعنى نجده في تعريف الدكتور “محمد صابر عبيد”:(يقوم تكرار اللازمة على أنتخاب سطر شعري أو جملة شعرية، تشكل بمستوييها الإيقاعي والدلالي محوراً أساسياً ومركزياً من محاور القصيدة، يتكرر هذا السطر أو الجملة من فترة وأخرى على شكل فواصل تخضع في طولها وقصرها إلى طبيعة تجربة القصيدة من جهة، وإلى تأثير اللازمة في بنية القصيدة من جهة أخرى)، “محمد صابر عبيد، القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية، ص204”. فهي على العموم تعني الأحتمال، الذي يعرف معناه من خلال سياق الجملة.
٤) كُتب النص بدلالات جعلت الشاعر يبوح بما عنده، أحتلت فيه الذات (الأنا) حيزاً واسعاً، تمحور حول وعي الأنا بنفسها، فالأنا الشعرية في النص هي (أنا مونولوجية*). أجرى الشاعر فيها حواراً داخلياً يعيد فيه تشكيل ذاته، يحاور فيه المرايا، وأنتقال الخطاب من أنا المتكلم إلى الاخر المخاطب، أستعمل ضمير المخاطب المتصل (ك) وتكرر توارده ثمان مرات، مما جعل النص متماسك، وهو يوجه الخطاب إلى نفسه لأنه هو المؤرخ لأوجاعه.
(يخونك/مرآتك/أمانيك/فليلك/عليك/نهارك/وقتك/مرآتك).
————–
* المونولوج أو حديث النفس أو النّجوى هو حوار يوجد في الروايات، ويكون قائما ما بين الشخصية وذاتها أي ضميرها، بمعنى الحوار مع النفس،
ومصدر الكلمة يوناني (مونو) يعني أحادي و(لوجوس) تعني خطاب.
* رُبَّما، كلمة وظيفية، تعني من المحتمل، وهي مركبة من (رُبَّ) و (ما) الكافة، تدخل على المعارف، وعلى الأفعال، وقد تخفف فيقال: رُبَما.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد