اشتياق

سعد عبد الوهاب طه
اشتياق
ـــــــــــ
ها أنا عدت إلى مدينتي بعد طول فراق ، قاسيت فيه ماقاسيت لأكثر من ثلاث سنوات عشت خلالها بكل حرقة وشوق لمدينتي ولأهلي وأصدقائي ، عدت وكأنها لم تكن ثلاث سنوات بل كانت دهرا ثقيلا على كياني ومشاعري ، وكثيرا ماساءلت نفسي بكل ود عن مسببات ذلك الأبتعاد لأني كنت أخشى من قساوة ردها ، هكذا كان إحساسي وتصوري وأنا في حيرة من أمري في اسلوب طرح السؤال ، اذ كانت خشيتي هو تعبير الذات عن ذاتها معبرة عن قلقها النفسي نتيجة ابتعادها عن من احبتهم وعاشت معهم حلوها ومرها .
أنجزت ذلك اليوم كل مايقتضي من مستلزمات الحياة في داري المهملة لتلك الفترة الطويلة ، وأكثر ما عانيت منه هو الخلل الحاصل في أجهزة التكييف كافة ، لقد توقفت جميعها من جراء تركها بدون عمل ، في ذلك اليوم أخذ الجهد مني كثيرا ما أخذ في العمل من أجل استبدالها لأنها كانت معطلة تماما وأستمر جهدنا في نصب الجديد منها إلى مابعد المغرب بقليل ، كنت سعيدا في ذلك اليوم وأنا أنجز تلك الأعمال والتي جعلتني على جادة الصواب للإقامة في هذا البيت بعد تلك الفترة الطويلة ، وما أن جلست على الأريكة الصغيرة في استراحة الدار وبعد تناولي ما أفاض الله به من رزق العشاء حتى كانت هناك مفاجئة لي ، صحيح أخذ الأرهاق مني ما أخذ ولكني كنت في غاية السعادة وأنا التقي ثلاثة من اصدقائي في داري والذين طالما زاحمني الشوق لهم ولقائهم وأنا بعيد عنهم وهم يطرقون الباب وكلهم شوق في لقائي ، حاولت تهيئة العشاء لهم ، فأنكروا علي ذلك بدعوى أن إثنين منهم تركوا هذه الوجبة خوفا من زيادة الوزن بينما اعتذر الثالث بحجة تناوله الغداء متأخرا ، ولأن الجو حار فان اسلوب تضييفهم كان بتقديم بعض المرطبات ونحن نتحسس نسمات جهاز تبريد استراحة الدار والذي تم تشغيله قبل قليل ، ولكنهم لاحظوا درجة الإعياء واضحة الملامح على وجهي ، فقد اتخذوا العزم في المغادرة على أمل اللقاء لاحقا في الأيام القابلة .
آويت إلى فراشي برأس مثقل محاولا أن أغفو بغفوة هانئة هادئة ، ولكن يبدو أن التعب أبدى مشاكسته في النيل مما أبتغيه ورحت متقلبا تارة يمينا وتارة شمالا محاولا إرضاء النفس في النيل من غفوة تزيح عني همي وتعبي .
إنتصف الليل وانتصبت عقارب الساعة إلى ما بعد الواحدة وأنا في حراك مع النفس من أجل تلك الغفوة ، ولم أشعر بعدها إلا وأنا بحاجة في الذهاب إلى دورة المياه ، ولكن عين الله راعتني كثيرا في الغفوة سريعا مرة أخرى ورحت اغط في نوم عميق ولم أحس إلا وأنا أنهض جذلا بسعادة غامرة إجتاحت عقلي وقلبي وكل احاسيسي نتيجة رؤيا طالما أشتقت لها كثيرا بعد وفاة امي الحنون ، لقد رأيتها والإبتسامة تعلو شفتيها وهي في أتم السعادة وهي تقول لي ، اشتقت اليك كثيرا ياابني ، لقد كان جفاؤك قاسيا وطويلا ، الا تعلم أني لا اطيق طول الفراق والبعاد ، ولا أستسيغ الجفاء ، اني متشوقة لاحتضانك وانت تضع راسك على صدري لتمتد اصابع يدي لتمسد ناصيتك ، تعال مسرعا ، فاني في انتظارك ، لن يهدأ لي بال حتى اراك ، لاتبخل علي بالمجيء هذا اليوم ، فأنا لست بعيدة عنك ، ولا تحسب نأيي عنكم جفاء ً وانت تعلم انه ليس بارادتي وأني مرغمة عليه ملبية مشيئة الله ، فما عساني اكون ؟
هكذا انتهت الرؤيا لأستيقظ جذلا ومرعوبا ، نعم لأكثر من ثلاث سنوات لم أزر قبرها ، فداهمني أمر عجيب ، اذ إرتديت رداء التخيلات والتهيؤات ، نعم اشتقت إليها وانها في انتظاري في تلك المقبرة النائية الغافية على اطراف المدينة ، ولا أظنها بعيدة ، احساس غريب سيطر على مشاعري ورحت مصدقا ماجرى وكأني على يقين بان امي هناك بانتظاري وانا في اشد الشوق لرؤياها ، لقد نسيت تماما وفاتها وانها تسكن هناك ، اذن اليوم انا على موعد مع امي بعد فراق دام لما يزيد عن ثلاث سنوات ، ابدلت ملابسي وخرجت من البيت نحو سيارتي ، وما أن ادرت المحرك الا وانطلقت مسرعا نحو ذلك اللقاء .
في الطريق علامات كثر ، ومواقف وازدحام قل نظيره مع تباشير الصباح ، كانت اللحظة فيها دقيقة والدقيقة ساعة ، لأني في عجلة من امري فهناك من ينتظرني ، وها أنا أصل إلى المقبرة بانسيابية الروح المتلهفة لذلك اللقاء ، ركنت سيارتي على جهة منها وهامست نفسي قاصدة تلك القبور ، عليكم السلام ، انتم السابقون ونحن اللاحقون ، ورحت موجها نظري هنا وهناك ، علني أجد ضالتي ، ومع امتداد البصر لم ار مايؤكد أن هناك من ينتظرني ، وصحت مخفوت الصوت ، اين أنت يا امي ، ها أنا لبيت نداءك علني اراك ، ولم افلح فيما كنت أبغيه ، ورحت ابحث عنها هنا وهناك ، علني أجدها ، لأجد جوابا لعله يشفي غليلي ، ربما تعبت من الإنتظار وجلست هناك غير بعيد ، وتاهت افكاري وزادت همتي في البحث عنها مابين القبور ، كل شيء تغير ، قبور جديدة بنيت وقبور اندرست وتاهت معالم مقصدي ، ولكني تركت اليأس من مخيلتي وراح نظري مابين هنا وهناك ابحث عما يجول في خاطري وكأني طفل تم فطامه وها هو يبحث عن مرضعته لعل قلبها يلين مرئفا وهي تتراجع عن قرارها في ذلك الفطام ، وكانت المفاجئة ، أخيرا وجدت ضالتي وقد صعقت تماما ، فيا بؤس حالي حين تبددت آمالي إذ لم اجدها امامي ولم أر سوى حفنة من تراب .
ســــــــعد عبدالوهاب طه

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد