مكون الحكي في رواية ” ظلال الخذلان “

عبد النبي بزاز

مكون الحكي في رواية ” ظلال الخذلان ”

 

تتميز رواية ” ظلال  الخذلان ” للكاتبة المغربية آمنة برواضي بغنى وتنوع مكوناتها السردية من شخوص وأحداث ووقائع … عبر لغة حكي تقوم على عناصر الاسترجاع ، والحوار بنوعيه : الداخلي ( مونولوغ ) ، والخارجي ( ديالوغ ) ، والرصد، والاستشراف ، والوصف والتصوير… وإن كان للحكي ، بمختلف أشكاله وتجلياته هيمنة على مجريات الرواية ، ومسار تشكلاتها وسياقاتها وتشعباتها… فإنه لا ينفي وجود « تيمات» أخرى وإن بحضور أقل ؛ كالموضوع الديني العقدي والتاريخي.

ولعل أهم وأبرز تمظهرات الحكي ترتبط بشخصيتي الحاج عبد الله وابنته سميرة ، فأول فصول الرواية تدشن برصد وتصوير شخصية الحاج عبد الله التي تقبض ، في باقي الفصول ، على خيوط تشكيل نسق الرواية ، ومكونات نسيجها حيث يقول الراوي : ” جلس الحاج عبد الله تحت ظل الشجرة الكبيرة ، ينبش بعصاه على الأرض التي ظلت وحدها شاهدة على الأحداث التي مرت بها المنطقة … ” ص 6 ليتطور إيقاع الحكي ، تدريجيا ، قبل أن يندرج في مسلكيات أكثر امتدادا وتشعبا : ” هذا حال شيخنا اليوم ؛ إنه يجلس تحت الشجرة ويسترجع كل الأحداث التي مرت بها القرية ، وكل الذين عرفهم ورحلوا عنه وتركوه مع حيرته يجتر تاريخ منطقة كانت حياة عامرة ..” ص 9 ، وتظل حكاياته عن القرية ، التي تربطه بها وشائج مادية وروحية ، وعُرى نفسية ووجودية تغرف من معين ماض شامخ بأثالته وصفائه، ومتانة جسور الصدق والتآزر الممتدة بين مكوناته العائلية والقبلية : ” فكان لا يمل ولا يكل من سرد تلك البطولات يجد فيها ضالته ، وتعيد أمام ناظره أيام العز… ” ص 98 ، وما فتئت تلك الأواصر تتفكك إذ سرعان ما اعترى صرحها العتيد تصدعات بسبب ابتعاد الأبناء عن قريتهم ، وأرض أجدادهم بحثا عن ملاذات تستجيب لطموحاتهم ، وتلبي سقف تطلعاتهم : ” الابن الأكبر يسكن المدينة قد يعود يوما لكن ارتباطه بأبنائه سيمنعه من العودة إلى أحضان القرية وتركهم يواجهون  الحياة بعيدا عنه ، والابن الأصغر يعيش في المهجر … ” ص 100 ، ليعيش على ذكريات ترسخ ارتباطه بفضاء قرية منحته زخما من طاقة ومقدرات وجودية مرهونة بماض مجلل بغنى وتنوع حياة موسومة بضروب الكرم والبركة ، وفية بالجود والعطاء : ” الأرض هي نفس الأرض والسماء هي نفس السماء لكن البركة رحلت مع  من رحل … الماء لا يزال يخرج من العين بسخاء ، لماذا لا يستعمل في السقي … ” ص 99، فمعين الذكريات تتدفق مياهه بسخاء ، وشرارة وقائعها دائمة التوهج والإشعاع : ” يحس أن نهر الذكريات قد بدأ عملية التدفق في ذهنه ، ولن يتوقف عن الكلام قبل أن يفرغ ما في جعبته من كلام ، ويخرج كل ما جادت به الذاكرة … ومن بمقدوره أن يوقف سيل الذكريات عندما يتدفق ؟ ” ص 99 ، ليرتفع منسوب الحكي ، ويتضاعف شغفه   في استرجاع ذكريات موسومة بتوق جامح لماض يزخر بالعطاء الوافر ، والخير العميم  : ” يحكي بشغف عن مواسم الحصاد عن المحصول الوافر الذي كان يقضي رجالات القرية الصيف في جمعه ، وعن تلك الخزائن ( المطمورات ) التي لا زالت شاهدة على الرخاء الذي عاشته المنطقة … ” ص 98 ، كما يرصد الحاج عبد الله إرهاصات انزياح أفراد عائلته عن القرية أمام إغراءات شقيقه الأكبر محمود لهم ببيع حصصهم من الأرض ، والانتقال للعيش بالمدينة نظرا لما ستوفره لهم من حياة رفاه ورخاء حيث تعدد المرافق التي تفتح آفاقا لعيش تنتفي وسائله في القرية سواء للصغار أو الكبار، ورغم ما اعترضه من صعوبات في إقناعهم، والتأثير عليهم : ” كان محمود يعلم بمن يبدأ ، بدأ بالأخ الأصغر ( المختار ) لأنه يسهل عليه التلاعب بعقله لكن المختار كان لا يزال مترددا مرة يعد أخاه ببيع نصيبه ، ومرة يرفض الفكرة بحجة أنه لا يستطيع البدء من جديد وأن عروقه ستجف بمجرد مغادرة تربتها التي هي القرية … ” 17 ، فاختلفوا بين متردد كالمختار ، ورافض كرقية : ” لم ترضخ رقية لإغراءات أخيها كانت متشبثة بالأرض ولا تقبل عنها عوضا حالها حال أخيها عبد الله . ” ص 17 ، وقابل كراضية التي : ” كانت في حاجة لمغادرة القرية فزوجها أحب أن يجرب حظه في التجارة خارج القرية … ففضلت بيع نصيبها لأخيها . ” ص 17، نفس القرار اتخذته السعدية بإيعاز من أبنائها : ” رضخت لرغبة أبنائها في شراء سكن بالمدينة المجاورة … ” ص 17 ، وبذلك نجح محمود في شق صفوف أفراد عائلته ، وفك التفافهم حول الأرض بانقسامهم بين رافض ومتردد وراضخ. موقف خلف خيبة وأسى في نفس الحاج عبدالله وهو يرى أرض الأجداد برمزيتها الوجودية والتاريخية والقيمية يتم التفريط فيها وبيعها للغريب على حد تعبيره : ” الذي سيعمل فيما بعد على تقسيمها وبيعها للغريب . ” ص 17 ، هذه الأرض التي تمسك بها لمعرفته العميقة بقيمتها ومكانتها : ” هو وحده من كان يعلم بقيمة الأرض ، لقد غرس كل قطعة فيها مع والده ومشى على كل حبة تراب منها ، واستنشق عبير ترابها مع أول قطرة غيث نزل عليها ومع أول شعاع شمس يبخر ماءها ، ومع أول حبة قمح تنمو في سنابلها ، ومع أول فاكهة تنضج في أشجارها . وحده يعرف ما تقدمه الأرض ، وأية قيمة تصنعها للمرء… ” ص 15، ومع ارتباط الحاج عبد الله بالأرض عن قناعة راسخة ، وعشق متجذر نمت معالم مفارقة اكتسحت ذهنه وكيانه بين ماض مشرق متوهج : ” يستحضر أمجاد الماضي … ويمعن في وصفه ومدح أيامه والرخاء الذي عاشته المنطقة ، كل شيء في الماضي كان رائعا بدءا بالطقس والمطر الذي يستمر نزوله لشهور دون توقف ، واجتماعهم في البيت الكبير الذي كان يتسع لهم جميعا رغم كثرتهم لوجود الألفة والمحبة التي كانت تجمع بين أفراده… ” ص 18، وحاضر موسوم بالتشتت والتفرقة: ” تغزوه حالة من صعوبة الإدراك ، كيف بعد ما كان الإخوة يدا واحدة .. وما أصبح عليه الحال بعد رحيل الجد الأكبر والأب عن هذه الدنيا… ” ص19 ، حالة خلفت خيبة عارمة في نفس الحاج عبد الله كما أكد ذلك بقوله : ” الغريب أننا أصبحنا نعيش اليوم التفرقة ونحن إخوة من جد واحد..”ص 49/ 50 لتلتئم عناصر واقع مفعم بالحسرة والأسى فيستسلم ، رغم تشبثه بأرض أجداده ، لوضع يستعصي معه لم أطراف الفرقة ، ولملمة خيوطها التي غدت أكثر تباعدا ونشازا : ” وأنا أفتقد إلى أية وسيلة يمكنها جمع شتات الإخوة من جديد … ” ص 50. وإذا كانت حكاية الحاج عبد الله شغلت حيزا واسعا من نسيج الرواية  لما عاشه من أحداث ووقائع وطدت علاقته بأرض أجداده متحسرا على أفراد عائلته الذين هجروا القرية ليستقروا في المدينة ، أو يهاجروا خارج البلاد ( حمزة المقيم بأمريكا) بعد بيع حصصهم من الأرض وقد برع في الحكي متوسلا  بمقدرات حسية وذهنية : ” كان يعرف كيف ينسج حكاياته ، وهو ينتقل من الواحدة إلى الأخرى من غير أن يستأذن المتلقي ، ومن غير أن يشعره بكونه عرج على قصة أخرى ، الحكايات والقصص كلها مترابطة مع بعضها البعض… ” ص 97 ، فإن ابنته سميرة تناوبت معه في القبض بدفة الحكي وتحريكها حسب ما عاشته هي الأخرى من وقائع ذات قيمة وجودية ونفسية وقيمية بحيث سخرت حياتها لخدمة والدتها التي عانت من مضاعفات مرض ألم بها وأقعدها في الفراش إلى أن لبت نداء خالقها ، لتتفرغ بعدها للسهر على شؤون البيت وتلبية حاجات والدها ، فتوقفت عن متابعة دراستها رغم تفوقها البارز : ” لا أحد ينكر أنها كانت متفوقة في دراستها … ومن بين القلائل من بنات المنطقة اللواتي أحرزن على شهادة الباكلوريا وبتفوق، لكنها رفضت المغادرة إلى المدينة من جديد لإتمام دراستها … تعلمت عناء البيت مكان والدتها ، وأصبحت هي العارفة بكل أمور البيت … ” ص 44، ولم يمنعها الانقطاع عن الدراسة من النهل من حياض الكتب ، والإبحار في ثناياها إرضاء لرغبة ثاوية في كيانها ، عصية على التواري والاندثار : ” كما كنت ولا أزال مغرمة بقراءة الروايات وكثيرا ما أجد نفسي في إحدى بطلات رواية … ” 113 ، وقد ألمت بها أحداث كان لها الأثر العميق على ذاكرتها ووجدانها ، فإلى جانب فقدان الأم وما خلفه من حزن وأسى في نفسها ، فقد عاشت تجربة عاطفية مع ابن عمتها أمين الذي هاجر إلى ألمانيا وتزوج هناك من ألمانية ثم  انفصل عنها بعد حصوله على أوراق الإقامة مما جعلها تدخل في دوامة من التوجس والريبة بسبب حبه لها ، وما ينجم عنه من ارتباط مرتقب ومأمول : ” وما أدراني ألم يقض في ألمانيا ما يزيد عن الست سنوات بحجة الدراسة ، ربما تزوج هناك من أخرى بعد انفصاله عن الألمانية ، وربما أنجب أولادا كل الاحتمالات واردة … ” ص 45 ، وبعد عودة أمين لطلب ودها والاقتران بها ألمت بها أسئلة مقلقة ومحيرة : ” هل تسأل عن سبب رحيله من الأساس ؟ أم سبب الجفاء ؟ أم سبب العودة ؟ أم ماذا؟ ” ص 111 ، لترسو في الأخير على قبول الارتباط به مبددة ما خالجها من نزعات شك وحيرة : ” تعود لتفكر فيما يمكن أن يفكر فيه أهل القرية وكونها رفضت كل من تقدم إليها لأنها كانت تنتظر عودته . تخرج عن صمتها ، وتقول بصوت مسموع منها : وماذا لو كان صحيحا ، أنا لم أرتكب جرما هو قدري فلماذا لا أنتظره ؟ ” ص 119  ، لتظل حكاية الحاج عبد الله وابنته سميرة أكثر بروزا وحضورا في ثنايا السرد ، وسيرورة وقائعه ومجرياته.

فضلا عن غنى الرواية بعناصر من قبيل الاسترجاع الذي يمتح من ذكريات حبلى ب« نوستالجيا » تتوزع بين الحزن والفرح : ” كالجلوس تحت ظل هذه الشجرة ، واسترجاع الذكريات الجميلة منها والحزينة . ” ص 62 ، وموضوع الدين بامتداداته الروحية الشعائرية : ” تتوضأ وتصلي ركعتين تستغفر بعدهما الله  ، وتدعو لوالدتها بالرحمة والمغفرة … ” ص 25، والتاريخ في إحدى حقبه « الكولوليانية » الموسومة بمظاهر الشهامة والبسالة في مواجهة المستعمِر ذودا عن كرامة الوطن وسيادته : ” وكم مرة تصدى فيها الرجال للمُعَمِّر الذي كان يتربض بالقبيلة … ” ص 66 ، والاعتقادات الغيبية الموسومة بطابع  الخرافة والشعوذة : ” يحكون حكايات عن وجود الجن للتربص بكل من تخول له نفسه الصعود إلى الجبل كما يزعمون أنه يسكن النهر أيضا ، ويستحم في مائه . ” ص 65 ، وللوصف أيضا لمسة جمالية تضفي على لغة الرواية نفحة رومانسية تطفح شفافية ونضارة : ” تبدأ أصوات العصافير تعزف باختلاف أنغامها ، ومواء القطط ، ونباح الكلاب الذي فقد قوته لكثرة النباح ليلا ، وخرير المياه الذي يسمع بوضوح مع هدأة الفجر عاد للانسياب بعد انقشاع الضوء … ” ص 115  في لوحة تصوير مشهد يختزل جوقة لأصوات مختلفة في تناغم مبهج ، وتساوق فاتن أخاذ .

فرواية ” ظلال الخذلان ” تتناول ، بسلاسة وتدرج ، وقائع متنوعة في صياغة سردية أقرب للبساطة والوضوح منها للتعقيد والتلغيز.

عبد النبي بزاز ــ المغرب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكتاب : ظلال الخذلان (رواية)

ــ الكاتبة : آمنة برواضي

ــ المطبعة : ديوان العرب ــ مصر / 2020

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد