الحرية للطيور

سعد عبد الوهاب طه

الحرية للطيور
ــــــــــــــــــــــ
عالم الحيوان عالم مسلي وعجيب لما فيه من حيوانات مختلفة بصنوفها جميعا سواء كانت برية أو مائية وما بينهما بالإضافة إلى الطيور والحشرات , ولا يهمنا هنا سواها كالمجهريات , ولأجل ذلك قامت هناك في كثير من الدول المتقدمة مؤسسات تعنى وتهتم بهذا الجانب فأنشأت المحميات التي تكيف لتلك الحيوانات حياتها الطبيعية من دون تدخل البشر وفق طبيعة خلق الله لها ، فترى الأسد و النمر والفهد تفترس الغزلان أو الجاموس وما شابهها ولا يتدخل أحد في شأنها حتى لو حدث عراك مابين تلك الضوراري , فالبقاء يكون للأقوى والأصلح , إنها الطبيعة وكما خلقها الله , وحتى البحيرات الإصطناعية التي تم تكييفها لمعيشة التماسيح , فليس هناك من حرج حينما يباغت أحدها ويهاجم احد الحيوانات وهو يورد نفسه من تلك البحيرة , كما تم إنشاء منظمات فاعلة عديدة من منظمات المجتمع المدني أخذت على عاتقها الرفق والإهتمام بهذا الجانب , بينما راح مشاهير الفنانين بـإطلاق الصيحات المتكررة للإهتمام بتلك المخلوقات بغض النظر فيما إذا كانت أليفة أو متوحشة من أجل المحافظة عليها من جهة ومحاربة العنف الحاصل عليها من جهة أخرى , فمن غير المعقول أن يقتل دب , أو ثعلب أو فيل لا لغرض الاستفادة من لحومها بل من أجل فرائها أو أنيابها ، ومن اؤلئك المشاهير الفنانة بريجيت باردو التي ما إنفكت في المجاهرة في هذا المجال متخذة صيحاتها أينما سنحت لها الفرصة في المحافل التي تحضرها سواء كان ذلك في فرنسا أو خارجها .
هذا مايذكرني بأهتماماتنا في هذا المجال , فالبيئة العراقية غالبيتها ريفية تلجأ الى الأهتمام بتربية المواشي والطيور الداجنة وهذا الأمر لالبس عليه ولكن ماذنب الطيور التي تحبس في الأقفاص دون التفكر بأحاسيسها وكأنها خلقت بدونها , وهذا مايتعارض مع العلوم المختصة بهذا الجانب والتي تؤكد على أحاسيس تلك الحيوانات والأغرب من ذلك هو عدم الأستفادة من تربيتها سوى التمتع بأشكالها أو أصواتها كما في تربية طيور البلابل والكناري وما شابهها .
ذات يوم عدت إلى البيت لأرى قفصا جميلا مصنوعا من أسلاك بتقنية عالية , وأظنه مستوردا وفيه بلبل جميل معلق في شرفة البيت , وعند سؤالي عن عائديته تبين أن أحد أولادي قد أشتراه .بمبلغ غير قليل فلم يرق لي هذا التصرف متسائلا .. مافائدة تربيته ؟ وهل خلقه الله لنحبسه في القفص ؟ لقد خلقه الله حرا طليقا ليعيش حياته , ومن حقه الطيران والعيش مع بقية صنفه من الطيور , أتذكر فيما أتذكر , أنه ذات يوم حدثني جدي رحمه الله بأن البلابل تربي صغارها على أغلا الأغذية , فأندهشت من كلامه وأبهرني , تساءلت حينها عما يقصد وكيف ؟ ليأتي الجواب أن موسم تكاثر البلابل يكون في الربيع حيث بشرى الفواكه من مشمش وخوخ وعنب وتين ورطب وهذه الفاكهة تكون غالية الثمن في بداية موسمها ولكن البلابل لايهمها هذا الجانب فترى هذه الثمار وقد نقرتها تلك البلابل لإطعام صغارها , حينها أدركت مايعنيه جدي رحمه الله .
نظرت إلى ذلك القفص وإلى ذلك البلبل البائس الذي اطلق عليه أبني بأبي بدر , وأظنه قد أقتبس هذا الأسم من المسلسل التلفزيوني باب الحارة إذ كانت هناك شخصية أبو بدر في أحد أجزائه .
نعم كان منظر ابو بدر جميلا وهو يغرد بأوقات متفرقة وأجملها عند الصباح مع بزوغ الخيط الأول منه وشروق الشمس , وزاد من إهتمامنا به على الرغم من معارضتي بأن ندخله إلى داخل البيت ونفتح له باب القفص ليطير من هنا إلى هناك , وعند الصباح يعلو صوته بأعذب الألحان ولكني إنتبهت إلى شيء ما ربما تكون فلسفة خاصة بي إذ رأيت تغريداته وهو يتناغى مع بلبل أحد الجيران , فهذا يغرد ويصمت لتأتي تغريدة البلبل الآخر , فيا ترى , هل هذه الأصوات الجميلة كانت غايتها لتطريب مسامعنا ام وراءها شيء آخر ؟ ربما كانا يناشدان الخالق , بأي ذنب تم حبسهما ؟ وربما كانا يدعوان علينا بالسوء أشد الدعاء شاكيين همهما إلى الباري عز وجل , وأن هذا الصوت خصه الله اليهما بهذه النغمات الجميلة , إذ أن هذا هو صوتهما لايمكن أن يتغير سواء كان في الخير أو الشر وعلينا إدراك ذلك , وبعد عتاب ولوم وصراع مع النفس إرتأيت أن أصرف كلفة شرائه إلى إبني لأتولى بعد ذلك الأمر معه , وبعد مرور شهر وأنا في هذه الدوامة وصراع مع النفس باللوم والعتاب وذات صباح فتحت له باب القفص وكأني أقول له .. عزيزي أبا بدر ..الباب مفتوح أمامك , وأنت من الآن حر في تفكيرك وأي أجراء منك ستتخذه سأكون معك , أتريد البقاء ؟ أو تريد الخروج والتمتع بحياتك والعودة لإقدم لك كل الخدمات ؟ أو تريد المغادرة إلى غير رجعة ؟ كل هذه الأحتمالات أمامك وأنت حر في الأختيار وإني سعيد بك أبا بدر , يكفي أنك متعتنا لشهر كامل أحسبه الدعاء لنا بالخير دون سواه , إذن باب القفص مفتوح لك , ورحت أرقبه فإذا به يقفز من هذا الجانب إلى ذاك , وبقي في حراكه هذا لفترة مايقرب نصف ساعة أو تزيد قليلا ثم أهتدى إلى باب القفص و وقف عنده لحظات ليطير ويحط على ستارة الشرفة , هنا أطلق تغريدات جميلة ليأتي الجواب من بلبل الجيران وكأني أحسبه الدعاء إلى الله لنا بالخير وليخبر بلبل الجيران بالحدث السعيد , حلّق بعدها بعيدا وناديت عليه مع السلامة أدع الله لنا بالخير والبركة , فهنيئا لك بالحرية , ولم أعد أرى أبأ بدر على الرغم من إشتياقي إليه .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد