برجوازية المثقف

سعد عبد الوهاب طه

برجوازية المثقف
ــــــــــــــــــــــــــ

قد يبدو العنوان غريبا نوعا ما في بادئ الأمر ، الا أن وقعه سيكون اكبر اذا ما استرسلنا في خباياه وحناياه .
هناك بعض من يرون انفسهم كبارا في اختصاصاتهم او هواياتهم ، وليس ذلك من عيب ، الا ان العيب من يتنكر للآخرين دورهم في ذات الأختصاص ومحاولة للتسقيط ، ولا اقصد احدا بذلك ، وليس هذا تعميما وانما وحسب ما قلت بعض منهم ، وهي ملاحظات عامة لجمهور عام من خلال ملاحظاتي نتيجة احتكاكي بأوساط ثقافية مختلفة ، قد تكون في مجال الطب او الهندسة او الفن وتفرعاته او الادب وصنوفه المختلفة ، هنا اقول اتقوا الله يامن حسبتم انفسكم كبارا في اختصاصاتكم او هواياتكم او اعتقدتم بانكم كذلك وباتت مشكلة مؤرقة للذين يحبون نحو جادة السلم الثقافي كل حسب تطلعاته وميوله .
إن من أهم المشاكل التي تواجه المثقفين في يومنا هذا هو عدم احتضانهم من قبل اساتذتهم نتيجة استعلائهم وخذلانهم لهذه الشريحة الناشئة لأحساسهم المفرط وشعورهم بدرجة الفوقية ونظرتهم لتلك الشريحة الناشئة بنظرة دونية لما يكتبون او بما تجيد قريحتهم من امور ثقافية في شتى مجالات الثقافة وليكون حصيلة ذلك نوع من الإبداع بحسب كفاءة الكاتب ، والأدهى من ذلك بات هؤلاء ينظرون لما بينهم بنفس تلك النظرات بالرغم من انهم متساوون في اختصاصاتهم وهواياتهم .
اتذكر الفنان القدير ياسر العظمة في برنامجه التمثيلي الشهير ( مرايا ) وهو بدور اديب معروف ويشار إليه بالبنان ورئيس تحرير مجلة تعني بشؤون الأدب ، جاءه ذات يوم شاب ( الفنان محمد قنوع ) له تطلعات في الكتابة الادبية بخاصة ، القصة القصيرة منها ، وأطلعه على ماكتبه من قصة قصيرة يتطلع إلى نشرها في تلك المجلة ، فما كان من هذا الأديب ( الفنان الكبير ياسر العظمة ) إلا أن يوعده بأنه سيقرأ ماكتبه ، وطلب منه أن يعيده بوقت قابل ، وبعد ايام قابله في مكتبه ، الا ان رئيس التحرير لم يتذكره ، وحاول الشاب تذكيره اياه ، هنا اخذ رئيس التحرير بتمثيل دوره باتقان على انه قرأ النص ، وأن ملاحظاته ليست مكتوبة ، وأخذ يملي عليه ما ارتأى أن يملي عليه ، محددا أبعاد السلبيات التي وقع فيها ، وهو كلام مرتجل مشبع بالرطانة ( الرؤيا لاتتطابق مع المنظور الواقعي لابعاد الشخوص المتمثلة بالدور الاستثنائي لما يدور من أحداث ) ، ولم يفهم ذلك الشاب ما يقصده رئيس التحرير لابسبب قصوره الفكري والعلمي وانما لرطانة الكلام ، وان رئيس التحرير بحد ذاته لم يع ِ ويفقه ماقاله ، مما جعل الغمامة تنزل على محيا ذلك الشاب ويوعد رئيس التحرير بأنه سيتلافى ذلك في كتاباته القابلة .
تكررت الحالة ولعدة مرات مابين ذلك الشاب ورئيس التحرير ، ولم تكن النتيجة بحالة أفضل مما سبق ، وأدرك ذلك الشاب ما يعانيه رئيس التحرير من عدم نكران الذات وأنه في واد وهو في واد آخر ، وجاء ذات يوم وأعطاه قصة قصيرة عرضها له موضحا بأنه قد تجاوز كل السلبيات والعقبات التي اشار اليها فيما سبق ، والتي في حقيقة الامر أنه لم يفهم منها أي شيء لأنها كانت سفسطة آنية ارتجالية من رئيس التحرير ، وتواعدا ليوم آخر لإبداء الرأي فيها ، وجاء اليوم الموعود ، وأخذ رئيس التحرير يسرد سفسطة ارتجالية ما أنزل الله بها من سلطان مؤطرة برطانة انفعالية كسابقاتها ، هنا ابتسم الشاب قائلا … عفوا استاذ ، هذه القصة التي سلمتك إباها والتي تتكلم عنها الٱن ، ليست لي ، وحقيقة الأمر إني نقلتها نصا من مجموعتك القصصية التي اصدرتها بوقت سابق تحت العنوان ذاته ، فاندهش الأديب رئيس التحرير من جرأة ذلك الشاب بينما اخذ الشاب بمغادرة المكتب مبتسما وهو يوجه نظراته لرئيس التحرير باندهاش وكأنه عتاب واستغراب استفهامي ، هنا تذكرت المثل الشعبي القائل ( ياعمة ، الم تكوني كنة ) .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد