قراءة نقدية لمجموعة( نعش الدمى) للشاعر مازن جميل المناف

عباس باني المالكي

(ازمة  الذات  ووجودية  المسميات )

حين  يكون  بناء النص  على الهاجس  التكويني  وضمن  التصور   الواقعي  حولنا ، وهنا تظهر قدرة الشاعر  على الارتقاء   بهذا الواقع وجعلة  في التدارك الذهني   للصور   التي تنتهجها   مشاعره  تجاه  ما انعكس عليها  من   الواقع  الذي عاشه ، و حتمية  الجذب بين هذه المشاعر وهذا الواقع  ، والشاعر الذي يستطيع أن يجعل  من هذا الواقع  رموزا تقترب  من خياله  في تكوين الفكرة الإيحائية ، وهذا  يعتمد  على  ملكية   الشاعر  لمنهاج  اللغة  ومفرداتها الحية خارج سكونية  الواقع المعيش ، وما يعطيه  سلسلة من  الدلالات  الرؤيوية  ضمن نسق تحسسه   لرموز  المسميات  التي تناظر  ما  بين بصرية فكرته  التي تعكسها  كل هذه  الأشياء  وموقفها  المتغير  وعلى  مبدأ المغايرة والمباعدة والتي تؤدي إلى أحداث  المنافرة  بين ما يريد أن يراه او يتطلع  له في حياته ما يراه  في  الواقع  ، ما  يجعل  هذا التأثر  يتزامن مع رؤياه ، فيتحول هذا  إلى طاقة انفعالية  تنتج داخلة أزمة تكشف له ما هو مغاير  لكل تطلعاته ومفاهيمه التي تمثل  له  حقيقة ذاته  الانتمائية  .والشاعر  مازن جميل  المناف في  مجموعته ( نعش  الدمى ) استطاع  أن   يعيد  صياغة   الواقع  ويحوله  إلى رموز  تنتج  له المكاشفة  الحقيقة  لكل  ما هو  متناقض مع فكره وتطلعاته  الحيوية في  الحياة ، ليعيد صياغة  وعيه على وفق مفاهيمه التي  يعيشها   في جودية  الأشياء ومسمياتها ، ما يجعله يشعر بالعزلة والتوحد  مع  الذات  خارج مفاهيم  المجتمع ،  لأنه يريد التعايش  السلمي  مع  الذات  وسط المجتمع  الذي  يعيشه ….

نص (نيران صديقة)ص 16

(ما زال شغف الانتصار في فتونه/اجلس على ذلك الكرسي الخلفي /في ليالي حمراء/الوضع خطر متأزم جدا/مائدة مغتصبة/وقامات ممشوقة/داهمتني ضحكاتهم/اجتاحت مبتغاي الرهين/

في اضواء القاعة يبرزون انتصابهم/اخبروني ان الجزء الساخن في قضيتي/

مازال يعتنق قوانين فطرية/تنهش بسطوتها البلهاء/حواسي المتورمة/كنت اكثر رعبا/اصابتني قشعريرة /واحصيت بتلك اللحظة/موتى معركة أحد وبدر /وغرقى سفن الحالمين/تحت رحمة الاوغاد/ترى من يدفنوننا ارتدي بدلتي/اشتريتها من شارع الخيام/وربطة عنق فاخرة/بهجمات معاكسة/ونيران صديقة)

عندما  يصل   الإنسان  إلى  لحظة  التي يشعر بها  بعجزه  كليا  عن أحداث  أي :تغير في  الحياة التي يعيشها ، وهذه  الحالة  توصله الى حالة  من العتمة ،  فيصل  إلى  لحظات يفقد لتحسسه  بالظروف (الغياب الكلي عن الحاضر)  ، ما يجعله يعيش تصورات ترسمها مشاعره الداخلية  بحسب حجم   معاناته ،فتكون هذه  على قدر التصور اللاوعي  الباطني  الذي يعطي أبعاد  سيكولوجية تشخيصية  للحالة  الاستلاب الذي يشعره بحجم التداعيات الذهنية التصورية الإيحائية الترميزية  لشخوص كانوا السبب في الحالة يعيشها من الداخل  ، ببصرية  الذاكرة و الرؤيا التي تعكس إحساسه بالوحدة والغربة والضياع النفسي برؤياه  كأنه يسعى بالبحث  عن باب  للخروج من ازمته ، ولكنه لا يمكنه العثور عليه نتيجة الظلام  الذي يراه ، وهذه إشارة على الوضعية النفسية السيئة التي يعيشها داخله نتيجة لـمخاوفه التي يشعر بها من المستقبل المجهول. وقد تأتية على شكل أحلام رؤيوية  ،تسبب  له  الرعب والتشظي تنهشه من الداخل (ما زال شغف الانتصار في فتونه/اجلس على ذلك الكرسي الخلفي /في ليالي حمراء/الوضع خطر متأزم جدا/مائدة مغتصبة/وقامات ممشوقة/داهمتني ضحكاتهم/اجتاحت مبتغاي الرهين/في اضواء القاعة يبرزون انتصابهم/اخبروني ان الجزء الساخن في قضيتي/مازال يعتنق قوانين فطرية/تنهش بسطوتها البلهاء/حواسي المتورمة/كنت اكثر رعبا ) و  في هذه الحالة  لا يستطيع أن يشارك في اشتراطات  التي تجعله فعالا  في تكوين  حياته ، فتبدأ  التداعيات  الذهنية برسم  صور لشخوص ، وعلى قدر حجم  معاناته منهم ،وهنا تبرز  منهجية  الشاعر  مازن   على  تحويل تداعيات   الذاكرة إلى  الزمن  الحاضر على وفق رؤيا ه ،  والتي تتصف  برموز  مقاربه لكل ما عاشه   سابقا،  وفق  التشكيل  الذي يحقق  له  الانعتاق  من الزمن الماضي وتداخلات  اللاوعي  مع رموزه الحاضرة ، ليحقق  الخروج من أزمته  وإعادة   صيغة عالمه  الذي يريد أن يعيش به  وحسب هاجسه  الآني  والبعيد عن إرهاصات  التي تجعله  يعيد  اصطدامه مع ما خلفه ذلك الماضي من جراحات ،   لأنه  يريد الانقلاب  الكامل  على تلك   التكوينات  النفسية  وأزمتها ،  لكي يخلق  عالما قابلا أن يتصالح معه. والشاعر  أستطاع  أن يجذب ما عاشه سابقا ويستحضره  في  الحاضر لكي يفك رموزه  ويعيد صياغتها على وفق التداعي الشعوري الاستدلالي،  ليجعله  تغيرا كاملا والذي يعيده  الى خارج الحاضر والبعيد عن  ما مر به ، لكنه مازال يحمل  مخاوفه من ذلك الماضي  ، ما  يؤدي هذا إلى  أن يصاب بالقشعريرة ، وهنا تبين الترائي له ، أي :أنه  ليس الوحيد  الذي عاش تلك  المعاناة بل الكثير  عاشها ، وهذه دلالة تصاعدية لكي يصمد  داخليا ولا ينهزم ، فيحاول أن يبني ذاكرته  على  ما حدث في المعارك التاريخية من موتى وإغراق  السفن ،ليجنب  نفسه الامتداد   أو  البقاء في تلك المنطقة من ذاكرته  ليحاول  أن يفتح دلالاته  على الحاضر من خلال رسم صوره حديثه   استبداليه لحاضره فقد أشترى  بدلة من شارع الخيام وربطة عنق ،أي : يحاول  أن يبني انساقا وعلاقات  سببيه متناظره  مع حاضره ليعيد  ارتباطه  معه ، و  يرى حياته كما يريد  ، مع  كل  محاولاته يبقى  الشرخ في روحه مخفي ، لأن كل  هذا المعاناة   سببها  له  هو  صديق  أو قريب اليه(اصابتني قشعريرة /واحصيت بتلك اللحظة/موتى معركة أحد وبدر /وغرقى سفن الحالمين/تحت رحمة الاوغاد/ترى من يدفنوننا ارتدي بدلتي/اشتريتها من شارع الخيام/وربطة عنق فاخرة/بهجمات معاكسة/ونيران صديقة) والشاعر  استطاع  ان يجعل من عالمه  الداخلي رموز ودلالات يبني عليها  انساق نحوية  ودلالية ضمن مخاضات  و ارتباطات  استبداليه لجمله  الشعرية  ،  لأنه  يمتلك  القدرة على  ملامسة  تحسسه  الشعوري و تحويله  الى رموز  دلالية  بكتابة  النص النثري .

نص( ارصفة التوحد)ص88

 (أي رحلة تشدني اليكَ/الى محطات منفاكَ الأخير/دعكَ من هذا التمرد /وارصفة التوحد /وتلك المتاهات/ وخيالاتك الشاردة/وبعض من اساطير خرفة  فرت من هزائمنا المتخاذلة/

أعزف على ثنايا السطور /حول خصر حروف العلة /وهج غابة احزاننا/قديس يحصد الرغبة /

على خارطة اليأس/يلملم الاسئلة/ يحرق ما تبقى من صوتنا المبتل/بدعوات وطن مستباح /

على خارطة حزن مستديم /اصابعنا المثقوبة/وقصائدنا الخرساء/ ووجهنا المكفهر/ بخوف الارتقاء/تحاصرنا احلام زرق/باتت تمكث /في زوايا الضياع / ومدن اللاوعي)

ندرك أن  نصوص  المجموعة  هي محاولات  الانفلات من ماضي المتأزم والحاضر المهمش

من خلال  التمرد على  واقعه ، ومحاولة الابتعاد الكلي  عن كل ما يحيط  به ، لكنه في نفس  الوقت يشعر بالإخفاق  وكأن واقعه  لا يمكن أن  يتمرد عليه أو ينفلت منه ،  فتتحول  كل  محاولاته  الى  حالة من المتاهات  والخيالات الحالمة ، لوصوله  إلى حالة العجر لتغير هذه الظروف  ، فينتقل تصوره المدرك  المتحسس لكل  حالاته ،وكأن  ما يحيطه هو أساطير خرافية ، ينهزم أمامها بالتخاذل  والتراجع ، ما يزيد من أحزانه ، لأن  كل  شيء  يتحول  الى خارطة من اليأس ، والشاعر استطاع  أن يعطي  أبعاد الإنسان  الذي يصل  الى  حالة اليأس  لتكالب كل الأشياء حوله  وضمن مسمياتها ،و تحولها إلى  قوه  لا يستطيع  أن يواجها  ويتغلب عليها ،  وقد  استطاع  أن يجد الدلالة السيميائية  الاستعارية الإيحائية ، أي : استطاع  أن يبني نصا يتحرك في  فضاء بصري وحسي  لزمانين  الماضي  والحاضر،  ما يجعل  الصور الشعرية تتشعب بشكل أفقي  خاضع لكل المسلمات  الداخلية  لديه ، ويتدخل عنده  الفاعل  والمفعول  بطريقة امتزاجيه  تعبيرية  على  أزمته  الداخلية(أي رحلة تشدني اليكَ/الى محطات منفاكَ الأخير/دعكَ من هذا التمرد /وارصفة التوحد /وتلك المتاهات/ وخيالاتك الشاردة/وبعض من اساطير خرفة  فرت من هزائمنا المتخاذلة/أعزف على ثنايا السطور /حول خصر حروف العلة /وهج غابة احزاننا/قديس يحصد الرغبة /على خارطة اليأس)

ويحاول  أن يلملم  ما يشعر به  لكي يعبر أزمته،  و  هي أزمة  الإنسان بصورة عامة ،فيتحول  عنده  منطق  الاستقراء  التعبيري إلى حالة شمولية  للإنسان الذي يشعر  أن هناك قوى لا يستطيع أن يواجها ، من أجل مطالبتها بأحداث التغير، فيتحول وطنه الى وطن  مستباح  ما يزيد  من  أحزانه ، لأنه  يشعر  أن  الحالة الاستباحة  هي حالة مستديمة، ويتحول  كل شيء  إلى حالة  من الصمت  والخرس، فلم  يعد  يسمع  حتى  الأصوات  وتصبح  حتى  القصائد  خرساء لا تأثير  لها في  مقاربة في أحداث تتغير حالته ، وتكون الوجوه الذي يراها مكفهرة بسبب  حالة اليأس والضياع التي تعيشها ،ولكي لا تنفجر أزمته في الداخل ،يحاول أن يرتقي بأحلامه  و  أماله ، لكي يحدث  الغياب  الكلي عن الحاضر ،والذي  يسبب كل هذا الوجع في منطقة اللاوعي عنده (يلملم الاسئلة/ يحرق ما تبقى من صوتنا المبتل/بدعوات وطن مستباح /على خارطة حزن مستديم /اصابعنا المثقوبة/وقصائدنا الخرساء/ ووجهنا المكفهر/ بخوف الارتقاء/تحاصرنا احلام زرق/باتت تمكث /في زوايا الضياع / ومدن اللاوعي) أستطاع  الشاعر أن  يبني استدلالا بصريا توظيفيا   على هزيمة   الإنسان   أمام  القوى المتجبرة والمتسلطة ، محقق حالات  الوعي الغائب  في اللاوعي  الحالم المنتظر  لأحداث  التغير  في وطنه وانفراج  أزمته  الداخلية ، والتي تمثل  أزمة  الناس  في  الوطن .

نص(بقايا ظل دخيل)ص107

(حجر في غض طفولتي/كنت اتمازح معه/كأنني اعبد وثن .. نحرته نصفين/قدست النصف الاول/وحطمت النصف الآخر/ما زلت الهو وانا اذبح ملهاتي/اتمضمض بقايا ظلي الدخيل/

انفاسي تزفر وجع رطبا/لم اكره هذه العادات/اتفرد بسلوكي العالق بذهنية معقدة /

خلف ثورة مكبوتة)

نتيجة  تكالب  أزمته  الداخلية  يحاول أن يعود  إلى طفولته ، لكي يحقق  الحلم الذي يريد أن يكونه من ذاكرة الماضي، بعد  أن عجز  عن  تحقيق  ما يريد  في الحاضر، وكأنها حالة هروب  من الحاضر، لكي يلامس  الماضي كل ما يريد ويتمنى ، ضمن زمن  متحول في إشارات  يريد أن يحققها، وكأنه  يريد أن يرمي  الحاضر بحجر ، فيتحول  الى نصفين النصف الأول الذات  والنصف الثاني الشرخ الذي داخله  تجاه  وطنه (حجر في غض طفولتي/كنت اتمازح معه/كأنني اعبد وثن  نحرته نصفين/قدست النصف الاول/وحطمت النصف الآخر)  فيتخيل أن  يحطم شرخه  تجاه  الذي كان سبب المعاناة لوطنه ،لأنه  يشعر   بالقدرة على التحول  الى ثورة  لا يستطيع   أحد أن يمسكها ، ولكنه يعيش تناقضين معقدين  تناقض  بالمشاركة  من أجل التغير ، والتي تناقض الذي  هو يريده من  السلام والأمان الداخلي.(ما زلت الهو وانا اذبح ملهاتي/اتمضمض بقايا ظلي الدخيل/انفاسي تزفر وجع رطبا/لم اكره هذه العادات/اتفرد بسلوكي العالق بذهنية معقدة / خلف ثورة مكبوتة)

 برغم  امتلاكه  القدرة على  الثورة ولكنها تبقى    ثورته المكبوتة  داخله ،لكنه  لا يريد أن يفجرها ولا يسعى لها  بل يسعى من  أجل تحقيق  السلام  الداخلي والتصالح مع  كل  شيء يعيشه .

والشاعر مازن جميل المناف  بنى  جملته  الشعرية على  الاستدلال الذهني  لكي يبقى  يتحكم  في حدود  النص  وجعله  يعبر  عن ما يريد أن يطرحه من رؤيا  استنفارية تمازج   بين إرهاصاته  الذاتية في الماضي والحاضر ، وهذا يعطيه القدرة على التحكم  بالدلالات  البصرية  الإيحائية التي توحد الطاقة الانفعالية داخل  شعوره  الداخلي ، ما يجعل المعنى الإيحائي حالة جذب  تصوري ضمن مستوى المعنى الفعلي لحاضره  وماضيه   والذي يريد أن يجعل   من حاضره هو  البديل الكلي عن  الماضي ، بمستوى المعنى الدلالي والإشاري والذي يمثل  ما عاشه  و أنعكس  على  تجاربه في  الحياة  .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد