المرأة في رواية -ساقية- سميح فرج

رائد الحواري

المرأة في رواية
“ساقية”
سميح فرج
عنوان الرواية يحمل أسم بطلتها “ساقية” التي استطاعت أن تواجه أبيها “أبو جميل” العميل وتجعله يتراجع عن نهجه، وكانت قبلها قد واجهة المجتمع الذي لم يره فيها سوى بنت أحد عملاء الاحتلال، ومع هذا انتصرت في كل المواجهات واستطاعت أن تقيم علاقة (حب حقيقي) مع “عادل” الذي انتظرته ست عشرة سنة وحتى خرجه من السجن.
كما أننا نجد “أعناب” الفتاة المناضلة التي واجهة الاحتلال مما أدى إلى اعتقالها، لكنها (فقدت) حبها وحبيبها الدكتور “مازن”، بعد خروجها وذلك لموقفه السلبي من اعتقالها ومن نظرته المتخلفة لمسألة شرف المرأة/البكارة، وإذا ما توقفنا عند شخصيات الذكور في الرواية وشخصيات النساء، ـ وتجاوزنا شخصية “عادل” ـ سنجدهن أكثر فاعلية ووعي وقدرة على المواجهة والصبر.
“فساقية” انتظر حبيبها “ست عشرة سنة، بينما الدكتور “مازن” لم ينتظر “أعناب” ولا حتى ساعة، فقد اعتبرها من لحظة اعتقالها أنها فاقدة للشرف/للبكارة، ولا تصلح لتكون زوجته.
ونجد أخوات “عادل” سعاد ونادية ومريم” وكيف تم اضطهادهن من قبل الزوج والمجتمع، ومع هذا صبرن على ما هن فيه، حتى أن “مريم” كانت تعتبر مأساة اخواتها (طبيعية/عادية.
وإذا ما توقفنا معنى اسمي البطلتين “ساقية، أعناب” نجده متعلقة بالطبيعة، بالأرض، بالخصب/بالخير الذي تخرجه، كما أن معنى الاسمين له دلالة جمالية “ساقية، اعناب” كل هذا يشير إلى انحياز الراوي للمرأة، ووقوفه ضد المجتمع الذكوري الذي لا يحسن التفكير أو التصرف.

واقعية الأحداث من خلال تحديد الزمن
عندما يحدد الراوي الزمان فهذه اشارة إلى (واقعية) الأحداث، أو إلى أن الرواية فيها شيء من السيرة الذاتية، أو أنها رواية سيرة، فهناك أكثر من موضع تم فيه ذكر الزمان وتحديد الوقت: “(4) الاعتقال كانت الساعة هي الثانية بعد منتصف ليلة شديدة البرودة من ليالي كانون ثاني عام 1979، كان الجنود قد صعدوا فوق المنزل وأحاطوا به كعادتهم عند الاعتقال” ص111، هذه الفقرة اقرب إلى حدث حقيقي، حتى أنها جاءت على شكل تقرير صحفي، بمعنى أنها تجعل الرواية اقرب إلى رواية سيرة.
وفي موضع آخر ذكرنا بمشاريع تصفية القضية الفلسطينية من خلال: “وفي عام 1982 أيضا ظهر مشروع (بن بورات) لتوطين اللاجئين الفلسطينيين كبديل عن حق العودة” ص146، وهذه اشارة أخرى إلى أن الرواية تتجه نحو ربط الأحداث بالواقع السياسي.
الراوي يتقدم أكثر من الأحداث بحيث يذكر عملية “الجليل”والتي تم فيها تبادل الأسرى مع دولة الاحتلال: “(8) 1985 صفقة تبادل الأسرى (تبادل الجليل) في يوم الأثنين 20/5/1985 تمت عملية تبادل الأسرى الكبرى (تبادل الجليل) حيث نص أحد بنود الاتفاقية على إطلاق سراح الجنود الثلاثة الذين تسيطر عليهم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة مقابل الإفراج عن 1155 من الأسرى الفلسطينيين وكان من بينهم: 50 من فلسطينيي 1948، 99 من دول عربية مختلفة، و6 من دول أجنبية” ص197، التوثيق ظاهر في هذا المقطع، الذي تناول كل التفاصيل المتعلقة بعملية التبادل، حتى أنه استخدم الاسم الذي اطلقته القيادة العامة على عملية التبادل.
ونجد ذكر للزمن في الرسائل التي بعثها “عادل” إلى “ساقية”: “المخلص عادل، معتقل بئر السبع 15/2/1993 ص234، المخلص عادل محمود أحمد المر معتقل بثر السبع 15/10/1994، ص237، من هنا يمكننا القول أن استخدام الراوي للزمن بهذه الدقة يشير إلى (واقعية) الأحداث في الرواية، وهذ (الواقعية) ما جعله لا يستطيع تجاهل ذكر الزمن.

الحكم
في الأعمال الأدبية، غالبا ما يأتي السارد على تناول فكرته عن الواقع/الحياة، ويقدمها في عمله الأدبي، وهذا ما نجده في رواية “ساقية”، “أبو جميل” العميل يقدم فكرته عن العمالة للقارئ من خلال قوله: “تستطيع أن تصارع الدنيا خارج بيتك، ولكن، أن تمتد النار إلى داخل البيت فتلك مسألة في منتهى الخطورة” ص171، اللافت في الحكمة انها جاءت منسجمة مع طبيعة الشخصية، بمعنى أنها مقنعة للمتلقي، لأن صاحبها قد خبر الخطر وعرفه بعد أن خاض تجربة العمالة.
“وليست الكارثة أن تعيش في الصحراء ولكن أن تمتلك ذهنية صحراوية” ص221، هذا ما استنتجه “عادل” خلال فترة اعتقاله في سجن “بئر السبع” وهي أيضا حكمة مقنعه للقارئ، وتعبر عن الحالة النفسية اتي يعانيها الأسرى في السجون.
“إلا يعتبر الزواج الفاشل الفاقد للكرامة الإنسانية والذي يغص بالقهر والهوان شكلا صارخا من أشكال التشرد؟” ص276، استنتاج منطقي لتجربة أخته التي عانت من زوجها ما عانت، بحجة الحفاظ على (العائلة//الزوج)، وما قاله “عادل” يؤكد على نظرته السلبية للمجتمع وللمجتمع الذكور وانتصاره للمرأة.

النهايات السلبية
يمكن للقارئ أن يكتشف النهايات السلبية في الرواية من خلال موقف السارد من كلام “الشيخ عبد الله” الذي تحدث بإسهاب عن (عبث) المواجهة/المقاومة، فهو يطرح أن على الناس أن يخضوا ويسلموا لما هو حاصل: “حط راسك بين هالروس وقول يا قطاع الروس،… الفقراء… نحن حطب فقط، اللي بتروح بتروح عليه، امش الحيط الحيط، وقول يا رب السترة” ص17، فمن خلال مناقشته لم نرى موقف حازم وحاسم من قبل “عادل”، رغم رده الذي جاء بهذا الشكل: “السترة يا عمي الحاج؟ أي سترة يتحدثون عنها وأين هي؟ هذ أمثال ومقولات سلبية وانهزامية يا عمي الحاج، فالشعوب هي التي دائما تنتصر والاحتلالات تزول” ص17، إلا أن ما تبعها من رد الشيخ عبدالله ومشاهد يشير إلى (حقيقة) الأمثال التي نطق بها:
“يا بني الرأس الحامية قد يتعب أو يهلك صاحبه، أرجو أن تنتبه!…توقفنا عن الحديث بينما كانت هناك زفة عرس تقترب من باب الدكان:
(وتلولحي يا دالة
يا ام قطوف العالية” ص17، فبدا هذا المشهد وكأن السارد (يهرب) من المواجهة، أو (الحقيقة) التي تحدث بها “الشيخ عبد الله” كما أن مخاطبة السارد/”عادل” للشيخ بلفظ محترم “يا عمي الحاج” يشير إلى (رضاه وقبوله وموافقته) على أقواله، وكأنه يمهد القارئ لنهايات غير سعيدة.
ونلمس النهايات السلبية من خلال العلاقة التي تمت بين “أعناب” والدكتور “مازن” الذي انقلب موقفه منها بعد أن خرجت من السجن حينما قال: “تضن أنني أهبل، تريدني الزواج وكأني لا استنتج أنها قد فقدت عذريتها في السجن..!” ص211و212، فرغم أنه كان ولها بها، إلا أنه تقهقر وبسرعة بعد خروجها من المعتقل، فانقلاب موقف دكتور الجامعة “مازن” يشير إلى حالة الانهزام العامة التي أصابت المجتمع، فإذا كان “دكتور” يفكر بهذه الطريقة المتخلفة، فبما بالنا بالناس العاديين؟.
ولم يقتصر الأمر على “مازن”، بل تعداه إلى الطبيب “فراس” الذي درس مع “عادل” وكان يحميه من اعتداءات الآخرين، فعندما يدخل عليه العيادة وبعد سجن ست عشرة سنة يعرفه بنفسه، لكن نجد “فراس” بهذا الشكل: “…تدفعون الخمسين الباقية مع تكاليف المراجعة في المرة القادمة، أرجو كتابة وصل لهم بخمسين شاقل، يعني تحضرون المرة القادمة مائة شاقل، خمسين بدل دين والخمسين الأخرى بدل المراجعة، تمام؟.
…المهم أنني حال وصولنا البيت، تناولت علبة الدواء التي أخذتها من الدكتور في عيادته ودفعنا ثمنها، قلبتها وأنا أقرأ، فوجدت أنه كان قد كتب عليها
Sample
هذا الدواء يوزع مجانا
يبدو أن الطبيب العبقري قد غفل عن ذلك” ص262، وهذه اشارات من السارد إلى سلبيات المتعلمين في المجتمع والتي كانت تمهد للنهاية السلبية في الرواية.
فبعد انتظار “ساقية” لحبيبها “عادل” الذي قضى ست عشرة سنة في سجون الاحتلال، جاءت النهاية صادمة لها ولحبيبها وللقارئ: “ستة عشر عاما وسافية تنتظرني حتى خرجت من السجن والتلاسيميا كانت تنتظر الأثنين…!
تفهمت موظفة المختبر والحاضرون الأمر وخرج وساقية كل منهما يتكئ على الآخر، وحظهما السيء يتكئ على الاثنين” ص279، بهذا يكون السارد قد بدأ الرواية وأنهاها بأشخاص وأحداث سلبية.
الأمثال
إذا ما توقفنا عند الأمثال التي جاءت في الرواية، وهي: “”حط راسك بين هالروس وقول يا قطاع الروس، امش الحيط الحيط، وقول يا رب السترة” ص17، “حساب السريا غير حساب القرايا” ص42، “نزلت الفاس في الرأس” ص50، “الشهر اللي ما إلك فيه لا تعد أيامه” ص53، “اللي بيعرف بيعرف، واللي ما بيعرف بيقول كف عدس” ص80، “سادتكم في الجاهلية …” ص133، نجدها أما أنها انهزامية، أو أنها (مسالمة) وتدعو للفبول بما هو كائن/حاصل، وهذا يعكس أثر الواقع على السارد، الذي رآه واقع انهزامي، لقد فقد الأفراد/المجتمع القيم والاخلاق، بحيث لم يعودوا يحسنون التقييم أو التصرف، فموقف كلا من “مازن” دكتور الجامعة، والطبيب “فراس” واللذان من المفترض أن يكونا نموذجا طيبا في التفكير والسلوك نجد أحدهما غارق في التخلف، والثاني في الانتهازية وسرقة الناس.

تداخل السرد في الرواية
ويمكننا أن نجد سلبية الواقع وأثره السلبي على الراوي من خلال سرد الرواية، فهناك تداخل بين الرواة: “ظلت العربة تسير بسرعة كبيرة، وأظن أنه قد مضى من الوقت أكثر من عشرين دقيقة حسب الوقت التقليدي، وهو تجتاحه الهواجس والأسئلة والجندي يلتزم الصمت، لكنني ألتزم بصمت أعمق، إنه يراهن أن أعود للطلب منه” ص123و124، هذه الفقرة تجمع صوت بطل الرواية “عادل” مع الراوي الرئيس في الرواية، فلو أن السرد جاء على لسان “عادل” فقط أو على لسان السارد لكان ذلك مقبولا، لكن أن يتداخل الرواة في فقرة واحدة ودون فواصل فهذا يشير إلى حالة (الارتباك) وعدم وضوح الرؤيا عند السارد، وهذا ما يُوصل القارئ إلى أن هناك (غمة) تسيطر على السارد وعلى أحداث الرواية، وكأنه دون وعي منه يشير إلى حالة الارتباك التي يمر بها.
ويتداخل صوت الراوي مع صوت “عادل” في هذه الفقرة: ” كم سنة سيزيد الحكم على سنوات حكمي لو اعتلافت، ولماذا لا ارتاح من هذا العذاب أو الموت؟، لا…لا.. وهل الارتياح من الموت يكون بالاستسلام لموت آخر!، فليكن ما يكون، سأنسى أني صاحب هذا الجسد، وتذكر عادل الختيارية الذين ما زالوا يلعبون وبالتأكيد بدون والده، كل يلعب لعبته التي يشاء ومع من يشاء، إن الحياة إذن تتدفق الآن في كل اتجاه وفي كل مكان” ص132، عدم ترك “عادل” يتحدث عن أفكاره ومشاعره، وتدخل الراوي الذي (خرب/شوه) المشهد، يشير إلى أن هناك (شيئا ما)عند الراوي يجعله يقحم نفسه في مواقف/مشاهد من المفترض أن يتنحى فيها، لكن عدم (اتزانه) وحالة الاضطراب التي يمر بها تجعله يسلك هذا السلوك غير المحمود.
الأحداث السلبية
بعد قضاء ست عشرة سنة في السجن، بخرج “عادل” من السجن، لكنه يجد حال اسرته بهذا الشكل: “أختي نادية تعمل غسالة ملابس للإسرائليين، خادمة تنظف بيوت الذين أقفلوا باب السجن علي لمدة ست عشرة سنة” ص248، هذا بخصوص شقيقته “نادية”، أما فيما يتعلق بالأخرى “سعاد” التي تزوجت من سكير لا يحسن القيام بأي عمل: “وأختي سعاد تشردت وأنا في السجن” ص ص273، أما بخصوص الصغرى “مريم”: ” وأنت يا مريم تركناك وحدك بلا سقف ولا أسوار ولا جدران” ص273، هذا ما آلت إليه أحوال العائلة بعد قضاء المناضل “عادل” ست عشرة سنة في سجون الاحتلال، فمن خلال هذه الأحداث يصل القارئ إلى النهايات التعيسة، ومن ثم إلى (عبث) النضال أو المواجهة، وعلى أن من الحكمة أن يأخذ بأقوال وأمثال “الشيخ عبد الله”.
وهذا ما صرح به “عادل” لنفسه حينما تحدث: “كنت أتوقف كثيرا عند كلام الختيارية، قبل السجن وأثناء وبعده، ووجدت دائما بأن ذلك الكلام يحتاج إلى قراءات منصفة، وكل مقولة يجب أن تتم معالجتها بالتبصر والاستبطان والتأمل والدراسة انفراد وفق سياقه” ص274، بهذا يكون “عادل” متفقا مع السارد فيما قدمه من مؤشرات على سلبية الواقع والأحداث والمجتمع الذي لم يرحم عائلته، وحتى (القدر) كان (مجحفا) معه ومع حبيبته “سافية”.
الرواية من منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية، الطبعة الأولى 2020

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد