حضور المرأة في قصيدة -أيّام كان الحبّ- كميل ابو حنيش

رائد الحواري

حضور المرأة في قصيدة
“أيّام كان الحبّ”
كميل ابو حنيش
المرأة أهم عنصر يلجأ إيه الشاعر وقت الشدة والضيق، وغالبا ما يكون مفتاحا لبقية عناصر التخفيف/الفرح، الطبيعة، الكتابة، التمرد/الثورة، في هذه القصيدة يؤكد الشاعر “كميل أبو حنيش” على دور المرأة وعلى أنها المُولدة للفرح والمُوجدة له، يفتتح الشاعر القصيدة من خلال واقعه كأسير:
“والآن في هذا الغياب
يعيدني التّنقيب في الماضي البعيد
إلى رؤاي كعاشق، يرنو إليك وأنتِ
في ذاك الزّمان تحدقين إلى النّجوم
لتحدسي نبأ.. سيكشف ما تخبئه السّماء
وتهمسي: إنّ اللّيالي لا تدوم، وأنّ فجر الليل
يوشكّ أن يطلّ ويختفي هذا العناء..”
رغم أن الفاتحة لا تكشف حقيقة واقع الشاعر الذي اكتفى بالإشارة إليه من خلال “الغياب”، إلا أنه كاف ليوصل القارئ إلى ما يعنيه في الأسر/”الغياب”، من خلال استخدامه أفعال تتناقض نع حالة “الغياب”: “يعيدني، يرنوا إليك، يطل”، فهذه الافعال تخدم فكرة تخليص الشاعر من واقعه، وتشير إلى وجود حركة كبيرة ومتشعبة تتناقض وحال “الغياب”، هذا ما وجدناه في: “الماضي البعيد، ذاك الزمان، النجوم، السماء، فجر، الليل”، واللافت في الحركة أنها تتناول المكان والزمان، بمعنى أنها حركة متعلقة بالزمن/بالوقت، اللذان يشكلان عامل ضغط وألم له.
من هنا يمكننا القول أنه جعل حضور المرأة يتماثل مع عملية خلق الكون، فهناك عملية ضخمة وهائلة “النجوم، السماء، لهذا احتاجت إلى زمن طويل حتى تتشكل وتتكون: “الماضي البعيد، الزمان، تحدقين، سيكشف، تخبئه السماء، الليالي”، فأثر حضور المرأة “أرنو إليك” أحدث عملية خلق جديدة للشاعر.
“فأنبري لأردّ: أنّ اللّيل أطول في البلاد
إذا تقاطرت الذّئاب.. وأُفزِعت فيها الظباء..
فلا تقولي: إنّ هذا اللّيل أقصر، كلّنا متسربلين
سواده كعباءة، ما دامت القطعان
من هذي الذّئاب مرابطات بالفناء..
صدقت رؤاي إزاء تنجيم الهوى
وتنبؤاتك للأماني الحالمات،
فها أنا أُمضي طويلًا في الغياب مكبلًا
وقد استطال اللّيل، يا قمري المطلّ
عليّ من زمن قصيّ
كي يؤانسني؛
فأحظى بالقليل من الضّياء..
والآن في هذا الغياب..
سأحتمي متدثرًا بالذّكريات..”
عملية التشكيل تمر بمخاض مؤلم وقاسي: “الليل (مكررة ثلاث مرات)، الذئاب/ذئاب، أفزعت، سواده، بالفناء، الغياب (مكررة)، مكبلا” ويكفي استخدام “الذئاب/ذئاب أفزعت” ليشعر القارئ بأن هنالك قسوة في المشهد. وذا ما توقفنا عند بياض الفاتحة وسواد هذا المقطع، نستنتج أن الفاتحة كانت فيها المرأة مؤثرة: “إليك، وأنت، تحدقين، لتحدسي، وتهمسي” فحضور المرأة خفف من حدة “الغياب” خاصة بعد أن أسمعنا صوتها:
” إنّ اللّيالي لا تدوم، وأنّ فجر الليل
يوشكّ أن يطلّ ويختفي هذا العناء..” لكن في المقطع الثاني جاء بكليته متعلق بالشاعر وبواقعه، الذي استبدل “تهمسي” ـ وهذه اشارة إلى نعومة وهدوء العلاقة بينهما ـ ب “لا تقولي” الواضحة والصريحة، فبدا حرف النهي “فلا” مفزعا لها وللقارئ معا، وكأن الشاعر يعكس حالة القمع التي يمر بها على المرأة، فكان قاسيا في نهية لها، كما كان قاسيا في هذا المقطع.
كما أننا نجد مفارقة بين بحثه/”التنقيب” في الفاتحة وبين “سأحتمي بالذكريات” فالبحث/التنقيب بحاجة إلى قوة وعزيمة، لهذا جاءت الفاتحة بيضاء، بينما “سأحتمي” تشير إلى الخوف والتعب، لهذا كان السواد حاضرا ومأثرا في “قول الشاعر”.
“أراك في مرآة قلبي تهرعين كظبية نحوي..
وتتخذين من صدري كناسًا آمنًا..
تتمشطي بأناملي وتدندني بالأغنيات..
فحينها كنّا وكان الحبّ يولد وحده
من دون قابلة..
ويحيا دون ماء أو هواء..”
نلاحظ أن هناك بياض مطلق، يجتمع المعنى الأبيض مع الألفاظ الناعمة، وهذا نتاج عن عملية الاحتماء بذكريات متعلقة بالمرأة: “تهرعين، تتخذين، تدندني، تتمشطي” فالأفعال طويلة، وهذه اشارة إلى المسافة الزمنية التي تفصل بين واقع الشاعر وتلك الذكريات، وأيضا تأكيدا منه على احتفاظه بالذكريات، فبدا وكأنه يريد (تطويل) الحديث عنها، حيث أنها تبعده عن “الغياب” وأيضا تفرحه.
ونجد العلاقة الحميمة و(الطبيعية) بينهما من خلال “كنا، وكان، الحب، وحده”، فكأنهما وجدا مع بداية زمن التكوين “دون قابلة، لا ماء أو هواء” وهذا أيضا له علاقة بالزمن/بالوقت، الذي يشكل عامل ضغط على الشاعر، فأراد أن يؤكد على قولها له: “إنّ اللّيالي لا تدوم”، وعلى أن هاجس الزمن يواجه بالزمن نفسه، ف”الغياب” الطويل يتم محو قسوته من خلال بداية التكوين.
“وتهمسي: الحبّ يلهج بالكلام بمهده..
فأردّ: لا تتعجلي.. لا تقطفيه قبيل
أن يصل النّضوج، دعيه يكسر قيده..
لا ترغميه على المسير في أيّ درب..
واتركيه على السّليقة والعماء..
هو الكفيف بطبعه يمشي الهوينا أعوجًا مترنحًا..
ويشق دوماّ دربه متعرجًا..
لا وزن يضبط خطوه..
أن تنهضي لتقوّميه.. ستكسريه بغفلةٍ
لا تطلبي تقويم ما لا يستقيم..
دعيه أعوج مثلما شاءت طبيعته السّقيمة..
حاذري أن تطلبي منه الوفاء بعهده..
فبطبعه يأبى التّقيد والقبول بأيّ شرط..
وامتثال البقاء على الوفاء..
فحالما تتعثر الخطوات يهرب كالجبان..
كأنه ما كان أعمى ذات يوم..
ولا نعي إن فرّ منّا للأمام أو الوراء..” نلاحظ كلما استخدم الشاعر دوره ك(ذكر) في يأمر وينعى تتجه القصيدة نحو القسوة والشدة: فرغم أن المقطع يتحدث عن “الحب”، وجاء على لسان المرأة: “وتهمسي” إلا أن هناك كم كبير من أفعال القسوة والشدة: “لا (مكررة اربع مرات)، يكسر، قيده، ترغيمه، العماء، الكفيف، عوجا، مترنحا، متعرجا، ستكسريه، بغفلة، أعوج، السقيمة، حاذري، التقيد، تتعثر، يهرب، كالجبان، أعمى”، واعتقد أن هذا السواد يعود إلى أن الأنثى/المرأة تتحدث عن مذكر/الحب، فشعر الشاعر أن هناك منافسا له في (حب الأنثى/المرأة)، لهذا كان النواهي كثيرة: “لا تتعجلي، لا تقطفيه، لا ترغميه، ستكريه، لا تطلبي، حاذري” فكل هذا المحظورات ناتجة عن وجود “الحب” مذكر آخر (منافس) للشاعر، لهذا كان قاسيا في نواهيه وفي الألفاظ التي استخدمها.
وقبل أن نغادر ننوه إلى (غيره) الشاعر من هذا المذكر/”الحب” من خلال وصفه بأوصاف مذمومة: “الكفيف، يمشي أعوجا مترنحا، متعرجا، لا وزن، لا يستقيم، أعوج، طبيعته السقيمة، يأبي التقيد والقبول، يهرب كالجبان” فوصف الحب/(الخصم) يشير إلى حجم (الخطر) الذي وجده الشاعر بهذا المنافس، فأراد أن يضع حواجز وجدران أمام تقربه من المرأة.
“والآن في هذا الغياب..
تدفّقي كالحلم في زنزانتي..
كي تزهر الجدران والأبواب..
حتّى تملأيني بالحياة..
وتُرجعي زمنًا يصرّ على المجيء..
فلا يبارحني الرّجاء..
وقبليني.. ولتذوبي في فمي..
فأنا نسيت بأن أخبىء
بعض طعمك في دمي..
ونسيت أن رضاب ثغرك لي دواء..”
في هذا المقطع يؤكد الشاعر على (الغيرة) التي جاءت في المقطع السابق، فهو هنا يختلى بها وحيدا، محاولا (استجداء) عاطفتها من خلال تناوله لواقعه في “الغياب، زنزانتي، الجدران، والأبواب” فيعطيها دورا حيويا: “تزهر، تملأيني، ترجعي، وقبليني، رضاب ثغرك” فهي المنقذة له والمخلصة.
ونلاحظ أن هناك (استنهاض) للمرأة ولدورها “كي تزهر، حتى تملأيني” كما أن يستحث شهوتها غريزتها/جسدها من خلال: “وقبليني، ولتذوبي، رضاب ثغرك” وكأنه يقول لها: أن حاجته إليها وإلى وجودها معه تأخذ مسألتين، الحاجة النفسية/العاطفية، والحاجة الجسدية/الغريزة، وبهذا يؤكد الشاعر إلى أنه بحاجة إلى امرأة حقيقية/بشرية وليست متخيلة/وهمية.
“لكنّني خبأت حلمًا دافئًا..
اقتات منه على الجفاف..
وأستعين به على وجعي وأيام الجفاء..
وربّما أرشو به قدري.. ليفتح بابه الأبديّ
كي أخطو إليك.. ترقبيني ريثما آتي
إليك محمّلًا بقصائدي.. وشموخ رأسي المشرئب..
تهيأي لتعانقيني ربّما سيعود للزّمن القديم بهاؤه..
وتعود أيّام الوداعة والصّفاء..
كأنّني ما غبت عنك سوى سويعات..
تُقاس بعمرنا العشقيّ، كأنّني آتي إليكِ..
كعادتي متأخرًا عن موعدي..
متذرعًا في زحمة الطّرقات فتهدأي..
وتمرري بذكاء كذبتي الصّغيرة..
تقبلي بهديتي وتعانقيني باحتفاء..
لا تكبري يا ظبيتي..
فأنا كسرت عقارب الساعات
في عمري وعمرك..
حينما كنّا نحدق في النّجوم..
وننتشي بسعادة
أيام كان الحبّ يولد وحده
من دون قابلة..
ويحيا دون ماء أو هواء..”
خاتمة القصيدة جاءت شاملة لكل ما يريده الشاعر وما يحتاجه، كما أنها تؤكد على وحدة بناء القصيدة وتكامل فاتحتها ومتنها، ف”التنقيب” يقابله “البحث”، و”حتّى تملأيني بالحياة” يقابلها: “تهيأي لتعانقيني”، كما أن تكرار:
“يولد وحده
من دون قابلة..
ويحيا دون ماء أو هواء” يؤكد على أن هناك وحدة تجمع القصيدة، واللافت في الخاتمة أن الشاعر يؤكد على حاجته للمرأة: “وأستعين به على وجعي وأيام الجفاء” ونجد هذا التأكيد من خلال جعلها باعثة ومولده لوجوده كشاعر:
“محمّلًا بقصائدي” فهي من جعله يأتي محملا بالقصائد/الأداة الاهم التي تجعل “كميل أبو حنيش” شاعرا، وهي من ساعدة على تجاوز ثقل الزمن/الوقت وسواد الجدران وقسوة الأبواب: “سيعود للزمن، موعدي، عقارب الساعات” فهاجس الزمن/الوقت تم (محوه/تجميده) من خلالها. كما أنها اعطته دفعة نحو الحياة والأمل: “تهيأي لتعانقيني”، ونجده تصالح مع المنافس/”الحب” حينما قدمه ب “ننتشي”.
فخاتمة القصيدة (تلخص) مقدمتها ومتنها، حتى أن هناك تماثل في أوامر النهي: “لا تكبري” لكنها جاءت بمنطلق آخر، منطلق الرجاء/الأمل أكثر منه طلب/أمر.
القصيدة منشورة على صفحة شقيق الأكسير كمال أبو حنيش.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد