التجليات الماوراء نصية عند د . رشا السيد أحمد

رشا السيد احمد
التجليات الماوراء نصية عند د . رشا السيد أحمد
بقلم د . أنور غني الموسوي
 
الأسلوب هو الأصل و ماوراء النص هو الحقيقة و كل شيء آخر في الأدب انعكاس لذلك ، هذا ما تعلمنا إياه رشا هلال السيد أحمد
 
أن النقد الأدبي الواقعي الصادق هو ما يجد له شاهدا و مصدقا في النصوص تهتف به وتنادي عليه ، أما التكلف و الإقحام و الإدعاء فليس حقيقة ، كما إن الإستغراق في الإطروحات الفكرية البعيدة و غير الملموسة هو محض فلسفة و ليس نقدا . و أفضل ما يشهد لذلك و يؤكده الوجدان و النصوص الأدبية نفسها
 
رشا السيد من يعرفها يعلم أنها تكتب بلغة الروح ، بنصوص هي كتل هائلة من العاطفة و التراكم الشعوري و التجربة المميزة . أن الميزة الأهم في الشخصية الكاتبة عند رشا السيد هي القدرة العالية على تحويل المعارف الحسية الخارجية الى معارف شعورية ، هذا التحويل موجود عند كل مبدع إلا إنه يتفاوت في قوته ، و إن كل متتبع يجد و بأدنى تأمل ان القدرة التحويلية للإدراكات و المعارف عالية جدا عند رشا السيد ، كما أنها تتميز بقدرة عالية على التحويل المعاكس ، أي تحويل المعرفة الشعورية إلى نص
 
أننا لا نحتاج إلى مزيد كلام في بيان أن البحث في أسلوب التحويل المعرفي و الشعوري في النقد التعبيري هو تجاوز جاد و حقيقي للأسلوبية و شكلانيتها ، و الأتجاه نحو بناء نقدي و معرفي بإمكاننا أن نسميه ( ما بعد الإسلوبية )، إذ رغم التقدم و التطور الكبير في نظرة الإسلوبية و صدقها و واقعيتها ، إلا أنها في الواقع تميل الى التشبث بالشكل و إعتماد المعطيات و المؤثرات النصية بكونها العالم الذي يبحث ، بينما نحن ندرك و نشعر بوجودات لا شكلية تهيمن و تفرض سطوتها على النص، و لو قلنا أن النص أنما يكون بتلك الوجودات الماورائية لما كان خطأ
 
المدركات المعرفية و الجمالية و التأثيرية و التعبيرية الماوراء نصية لها أشكال ، ترتبط بحالات التجلي التي يبدع فيها المؤلف ، فلدينا التجلي الذاتي و لدينا التجلي الماوراء نصي و لدينا التجلي العلوي ما فوق الكتابي و الذي يشبه الى حد كبير التجليات الصوفية إلا أنه متجه نحو مصادر الإبداع محاكيا لها و مدللا عليها
 
في التجلي الشعوري الذاتي يرى القارئ ان تعبيرية النص بلغت حدا صار بالإمكان رؤية روح الكاتبة و شخصيته و ما يرتبط بهما من عوالم شعورية و مميزات و خصائص فردية
 
و في التجلي الماوراء نصي تبرز مجموعة المجالات أو الأنظمة التعبيرية و الدلالية و التأثيرية التي تقف وحدات النص و ترتبط بها برابط الرمزية و البوح ، بحيث يجعلك ترى مفردات النص تتوهج و أنها معبأة بطاقات دلالية و تعبيرية كبيرة .
 
و في التجلي الشعوري المافوق كتابي ، تجد الإشارة و التدليل على العالم الابداعي الأعلى و مصادر الإبداع و الإلهام ، وهذا العالم هو أعمق عوالم الشعور و يحتاج إدراكه معادلاته العميقة الى إشراقة و نوع خاص من الإدراك لا يتيسر لكل شاعر، و اللغة التي يكتب بها نص التجلي الأعلى هذا هي لغة اشراقية ساحرة تجعلك ترى وحدات النص تنزل من مكان عال و ليست شيئا مكتوبا على ورقة أو شيئا مقروء في الزمان و المكان ، إنها لغة السحر
 
في قصيدة ( إليك تصعد القصيدة حبا ) المنشورة في مجلة تجديد
 
إليك تصعد القصيدة حبا ؛ رشا السيد أحمد
 
بلغت الشاعرة الفذة رشا السيد أحمد درجات جد متقدمة و متفردة في الشكل الإبداعي تحقق بصمة و حضورا في فن التجليات الكتابية
 
فالعنوان يكشف عن تلك النزعة التجلياتية و ذلك الإستغراق في العوالم الماوراء نصية ، إن العنوان وحده و كما هو ظاهر مقطوعة ( ميتاشعرية ) تبين و تؤسس الى نظرية التجلي في تكوين القصيدة ، و بخلاف ما يمكن أن نفهمه من أن القصيدة تنزل من الأعلى إلى النص فإنها عند رشا السيد تصعد إلى المثل ، و في الواقع هذا العنوان أو بالاصح المقطع وحده يجمع المستويات الثلاثة التي أشرنا اليها ففي صعود القصيدة إلى المثال يتحقق المستوى التجلياتي العلوي المافوق كتابي و في ميتاشعريتها يتحقق المستوى الماوراء نصي و في رابطة الحب المبثوثة هنا يتحقق مستوى تجلي الروح و الذات.
 
إننا حينما نعمد الى بحث فن التجلي في الكتابة ليس فقط نحن نحاول أن نبين القدرة الابداعية الكبيرة للمؤلف ، و أنما نريد أن نبين أنه يمكن أن تكون للغة طاقات غير معهودة في التعبير ، و أننا و بكل صراحة يوما بعد يوم نجد الشعر السردي هو الأقدر على تحمل هكذا طاقات و إبداعات و أن النقد التعبيري هو الأقدر على كشف هكذا أنظمة و عوالم تعبيرية
 
ثم تتبع رشا هلال هذا العنوان أو البيان بمقطع تجليات آخر و من مجال معنوي مقارب في الميتاشعر الماوراء نصي و الحنين الروحي و الشخصي والصعود و الإرتحال الى المثال و العوالم المافوق كتابية العليا حيث تقول :
 
( ما زلت أذهب بعيدا ارسم ظل القصيدة شفيفا كم هو بنكهة الشرق وبرائحة مدينتي العتيقة ) *
 
إن من ميزات كتابة رشا هلال و التي يلمسها المتتبع أنها تعتمد الموجهات الدلالية الراسمة ، أي إنها لا تعمد فقط عن التعبير العام و الإجمالي بل تعمد الى تفصيلية تعبيرية تصل الى أدق التفاصيل ففي عبارة ( ما زلت أذهب بعيدا ارسم ظل القصيدة شفيفا ) نجد مجموعة من الموجهات الدلالية التي وجهت مجال المعنى و مجال المعارف ، و بإسلوب الرسم بالكلمات جعلتنا نتصور ذلك النظام أو الحالة التي عليها الكاتبة ( فالذهاب ) هنا ليس أي ذهاب و إنما هو ذهاب ( بعيد ) كما إنه ليس مجانيا و لا ماض و إنما هو ذهاب ( ما زال ) مستمرا ، وهذا الذهاب و أن كان للرسم ، إلا إنه لرسم ( ظل ) و ليس أي ظل بل هو ظل ( القصيدة ) و لا تكتفي رشا هلال عند هذا الحد من الرسم بالكلمات ، بل أيضا تخبرنا إنه ظل ( شفيف ) ثم تنتقل الى بيان حالة شعورية و موقف شعوري تجاه هذا النظام و تجاه الشرق و رائحته و مدينتها العتيقة
 
و هنا نجد التجليات حاضرة ، فالذهاب البعيد لأجل قدرة الرسم هو من تجلي العالم الشعوري الفوق كتابي العلوي و القصيدة و ظلها و رسمه و تعبيرية و رمزية تلك الكيانات من مجال التجلي الماوراء نصي ، و الموجهات الدلالية من ( بعيدا و شفيفا ) هو من تجلي روح المؤلف و مشاعره و الذي تتوجه الشاعر بعبارة (كم هو بنكهة الشرق وبرائحة مدينتي العتيقة )
 
و إن لكلمة (كم ) هنا طاقة دلالية هائلة ، فمع إنه أداة رسم للشعور ، و أداة بيان لحقيقة ان ذلك الظل الشفيف إنما هو في أروع حالاته بنكهة الشرق ، وهي أيضا إعلاء لما ترتبط به مشاعر الكاتبة من الشرق و مدينتها العتيقة و في النهاية كشف عن حب و حنين لتلك الوجودات الغالية .
 
أن فن توجيه الدلالة و فن الرسم بالكلمات هو من الفنون الكتابية الفذة و الرائعة ، و التي تعطي للنص عذوبة و ألفة ان صيغت بصورة حساسة و مليئة بالشعور كما نجده واضحا في كتابات رشا هلال
 
ثم تتابع رشا السيد ملحمتها التجلياتية في عبارة ( أعود ، أجد الوجود قصائد تهرول وجعا ، تزحف بظلها ،ابتعد عنها .. ) وهنا تتراكم و تجتمع العوالم المتجلية و تتحقق اللغة الراسمة بالموجهات الدلالية ، فإنها تعود فتجد الوجود قصائد لكنها ليست ككل القصائد بل قصائد تهرول ، إنها تهرول بسبب الوجع ، بل إنها تبلغ حالة الزحف
 
و في مقطع مشاعري وجداني تتجلى فيه ذات الكاتبة تقول الشاعرة ( يعود ذاك العندليب بقصفة ياسمين يبللها المطر والرصاص ..يغفو في شرفة القصيدة.. أضحك بسخرية على خيبات الدنيا .. أبحث عن ضحكتي الوردية في الحكايا المؤجلة .. في مهد الأحلام
ألملم أجزاء الليل المنكسر بأنين التشظي .. ) وهنا تبلغ الشاعر اقصى حالات البوح و أقصى حالات التجلي للذات ، إنها التعبيرية الكاملة و الموقف الكامل تجاه الوجود و الأشياء و الزمن ، و يعرف المتتبع لرشا السيد إنها من الكتاب التعبيريين ، فهي تأبى أن ترى العالم إلا بالرؤية الخاصة و تأبى أن تكتب عن الأشياء إلا وفق الرؤية الخاصة بها فتسمي الأشياء بأسماء من عالمها و تضفي عليها صفات من داخلها، فتكون الأشياء واضحها و غامضها عند رشا هلال معان مختلفة مغايرة عما نعرفه و نفهمه ، وهذا المقطع و ما تقدم كاشف عن تلك التعبيرية الواضحة
 
و مثله مقطع ( …والقمر السكران بجمال القمم .. يتدحرج على وجه البحيرة الغربية ( …… و من ثم يأتي موجه دلالي و أداة راسمة متمثلة بكلمة ( هنااااك ..) و التفصيل هنا يطول اكتفينا بالإشارات ، ثم و ببراعة تجمع رشا هلال بين عوالم الروح و الذات و بين العوالم المثالية و المافوقية مخاطبة المثال ( وأنا أنا .. انظر في وجهك أرى النجوم تسجد لك .. وفي كفك وحدك لؤلؤة الحياة ..) وهذا إضافة الى كونه نظام تجلّ واضح فإنه رسم بارع بالكلمات و بوح أقصى تجيده رشا هلال السيد احمد .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد