انفلات الزمن

مشلين بطرس
انفلات الزمن
في الشرفة التي تطلّ على شارعٍ خالٍ إلا من سياراتٍ تنام على أكتاف أرصفة ملّت صمتها …
جلستُ ووالدتي نتسامر في أحوال الناس، ونتساءل عن أخبار كورونا وجديدها من أزمة عالمية أفتُعلت لمآرب شلل إقتصادي بالعالم أجمع …
ضوء خافتٌ من هاتفي يشير إلى وصول رسالةٍ من ديستويفسكي يخبرني فيها:
“أن الروح لن تشفى إلا بصحبة الأطفال”
ما شدّتْ انتباهي تلك الشاحنة الغافية منذ الصباح تحت شرفتي، لكنني الآن أقف وأحدّق بها، وقد تسمّرت عيناي على لفّلوفة بيضاء بداخلها طفل صغير يغفو بأمان ويبتسم بسلام … إنّه طفل ..
نعم إنه “بيبي” … هو متروكٌ منذ زمن ولا أحد في الشاحنة، سوف أحضره إلى هنا، قلتُ لوالدتي، وهُرعت إلى مدخل البناء …
فوجئتُ بظلام دامس يحيط بالمكان جعلني أتلفت يمنة ويسارًا، متسائلةً أين أنا؟ لماذا تغير كل شيْ أين رحلت مقابس الإنارة؟ وأين أين … وكم من الزمن أسرتنا كورونا حتى غطت خيوط العنكبوت السقف؟
غيومٌ تتكاثف أمام الباب، ودخان يتصاعد دون شيء يشي بحريق سوى بركان من الزمن يغلي بين أضلعي …
أبخرةٌ تتلاشى، وغيومٌ تتباعد وأنا في ذهولٍ تامٍ أمام باب وحده فُتح على مصراعيه، وأركضُ إلى الشاحنة صارخةً بأعلى صوتي توقف … توقف
أصعد إليها وأحمل الطفل بين ذراعيّ صارخةً: إنها ابنتي … نعم هي ابنتي إلى أين تأخذونها؟
ينظر السائق إليّ مشدوهًا وقد قلب شفته السفلى إشارة بلهاء تؤكّد عدم معرفته بما حصل، يدير محرك المركبة ويرحل …
أُفاجأ بأنني على شاطئ بحرٍ أمواجُه كنجومٍ تتلألأ من ضوء بدرٍ قرر أن يستحمّ الليلة في البحر …
ألُقي نظرةً على البناء، لأتأكّد من أنني لا أحلم، فأجدني عند مدخل منزلي مازلتُ أقف والطفل بين ذراعيّ …
إذًا متى جاء البحر إلى شارعنا، وكيف أصبح الرصيف شاطئًا، ومنذ متى ومتى ..؟
وتتراكض الأسئلة على درجات صعودي …
تتلقف والدتي الطفل من بين يديّ وقد ملأ الحبور عينيها مؤكدةً:
نعم هذه حفيدتي … هي ابنتكِ يا حبيبتي
أفتح هاتفي كي ألتقط سيلفي، وإذ بصورة الطفل التي أرسلتَها لي منذ مدة تظهر أمامي على الشاشة وقد دوّنتَ تحتها انظري هذا هو الشقي الذي لا يدعني أنام …
ياله من تشابه بين الطفلين لا بل هو نفس الطفل … إنها ابنتي التي وجدتُها توًا في الشاحنة …
تقفز ماري كورن كالغزلان أمامي قائلةً: ماما ماما … باركي لي يا ماما، ها قد حصلتُ على جائزة نوبل للمرة الثانية في الكيمياء والفيزياء
تأخذُ الهاتف من يدي وتقبلني مستطردةً: “إننا نخاف فقط ما نجهله، لا يوجد ما يخيفنا على الإطلاق بعد أن نفهمه
ترافقني ماري إلى غرفتي حيث أنتَ تغفو أو لا تغفو، تقبلُني على جبيني هامسًا:
– إن قوةَ الفكر قادرةٌ على إحداث المرض والشفاء منه
أضع خطًا تحت مقولة ابن سينا ، أغلقُ كتابي، وأبحرُ إلى تأمّل جديد.
م.ب

نبذة عن الكاتب

avatar

قاصة وناقدة سورية تكتب القصة القصيرة والقصيرة جداً/ ناشطة في مجال الثقافة والأدب/ مقيمة حالياً في بيروت.

مقالات ذات صله

الرد