قراءة نص بيتي

latifa_aldlimy

قراءة نص بيتي

تشكيلُ دلالاتِ القصيد  لوحدة العنوان في قصيدة: بيتي

للشاعر د. وليد العرفي  /  بقلم الناقدة العراقية  : إنعام كمونة

القصيدة الحديثة امتداد لتاريخ أدبي عريق للشعر العربي القديم، والقصيدة العربية الموزونة تراث أدبي أصيل رغم تضارب الآراء واختلاف المشارب لمتذوقيها وروادها باختلاف العصور،  وسابقا كانت عناوينها تنسب لحرف الروي فتسمى بـ التائية أو الرائية ، اما الحديثة فقد أصبح العنوان من العناصر المهمة بصيغته البنيوية ودلالته الموحية،  وقصيدة الشاعر دكتور: وليد العرفي قصيدة معاصرة موزونة بالبحر الفراهيدي الطويل،  يتكون هيكل القصيدة من 23 بيتاً نستقرأ بعضها ونبحر في ضفاف بحرها…

–  يُعدُّ العنوان للقصيدة أو النص الأدبي استراتيجية تقنية لاستفزاز ذائقة القارئ،  لأنه اللبنة الأولى لبنية النص وحلقة الوصل للتوقع عن مغزى القصيد،  منه تضئ الدلالة وتتسع أو تنحسر فتغيب،  واستجلاء المتلقي لسمة العنوان (رمز أو علامة أو اشارة) كمفردة أو مجاز،  ببنيته الدلالية وتركيبته الفنية وتعبيراته الشعرية،   تتمظهر طوبوغرافية الفكرة كخطوة ممهدة لتوتر ذهن القارئ لاستقبال بقية العتبات للتفسير او التأويل…..

–  العنوان(بيتي) استهلال جميل بدال لفظي سهل وصيغة حيوية الوقع حميمية الشعور بإيقاع سمعي لألفة محببة ذات تأثير نفسي مريح،  فمن بنية العنوان يتبادر لذهن القارئ العمق الدلالي المادي والمعنوي لرمز تراث خصب الإيحاء بأصول انتماء اجتماعي وثقافي وسياسي لذات مكان عام أو خاص باستمرارية الزمن،  فلكل كيان وجود بيئة زمانية ومحيط مكاني هو ملاذ  طبيعي مرتبط به بهوية تاريخية وجغرافية، ولأن الله خلق الأنسان اجتماعي بطبعه كما في قوله تعالى (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)   وكما يشي العنوان بصيغته المختزلة لمأوى عاطفي تلجأ له الروح كملجأ للحواس بما يوحي بالشعور النفسي لضرورة عيش مستقر لتطمئن النفس وتكتفي الذات،  فالبيت هو طموح استحقاقي لا يخلو من فكر اي إنسان …

– ورغم أنَّ بنية العنوان من مفردة واحدة، إلا أنه معجمية (بيتي) رمزية بهيمنة مكانية مشتملة كل الازمان متداولة الألسن،  تداولية التواصل بتفاعل الوعي،  لها قدسية واسعة الايحاء في كيان الوجود الإنساني بأصالة انتماء،  فالبيت لبنات حياة،  و(الياء) : ضمير المتكلم يدلُّ على خصوصية التملك الفردي والجمعي، ، فالعنوان وقفة تأمل بحد ذاته القريبة والبعيدة،  بظاهرهِ وباطنهِ لما يُوحي بدلالات عدة تضمّن الاحتواء والدفء والذكرى والأمان،  تُعوم في ثنايا ذهن القارئ،  فيسترجع دقائق عمره ….

– ندرك من العنوان (بيتي) هو المعادل الشعري لمنطلق الفكرة،  ومن براعة الشاعر توظيف العنوان كثيمة للقصيد ليفتح شهية القارئ لتأويلات رؤياه،  لاستنطاق أبعاد الدلالة فضول تساؤل لمتعة أدبية،  فهل يشي الشاعر لمكان يسكنه أو وطن رحل عنه ..، لربما ما زال يسكنه.. قد يكون البيت يسكن نجوى الشاعر،  فأي مكان يعني..؟،  لربما ما اشتمل على الأحاسيس الدافئة كالعائلة أو الحبيبة فهما الوجدان الحاضر في العقل والقلب،  ولربما جميعهم هم بيته،  فما المقصود بجوهر رؤياه … يستوقف القارئ استفهامه لاستجلاء أبعاده المتوارية،  فيتسلق بقية العتبات؛  لينهل من فحوى الإيحاء ويستنير بباقي القصيد…

– نسترسل لجسد القصيد ونستقرأ بعض رؤى الشاعر لاستكناه مكنوناته

أعودُ إلى بيتي غريباً وما درى     بما كنْتُ ألقاهُ ببُعدي وما جرى

فما مرَّ يومٌ دونَ ذكرى وغصَّةٍ     وما ذقْتُ طعمَ الفرحِ إلَّا تمرمرا

وأنّيَ في بُعدي القريبُ بلهفتي     وما اخترْتُ بُعدي طائعاً كنْتُ مُجبرا

– استهل الشاعر قصيدته بتركيب لفظي لجملة فعلية بالفعل المضارع (أعود) باستمرارية تواجد مقترن بجار ومجرور (بيتي) لأقول بياء الانتماء للشاعر فيعود بعد طول غياب موجها خطاب للبيت،  الا أنه يصف نفسه غريبا،  فلما هذا الشعور..؟، إن للبيت دلالة لإشباع الأنا فاعلة التأثير مرتبط بالأحاسيس الإنسانية وهوية نفسية طبيعية لامتداد الأجيال،  ولنصغِ لهذه المناجاة العذبة الأحاسيس لحبيب يسمعه وينتظر رجوعه بما أضفى عليه من حسية الفعل وأنسنة الحواس كائن واع؛  فينقل له صورة معاناة الماضي في الغربة كما في (بما درى / وما جرى) أفعال خبرية عن لوعة الاشتياق في البعاد، وكأنه يقدم له الأعذار ويلتمس الأسباب،  هي محاكاة الروح للروح الا وهو قوة الارتباط بالمكان وعلاقته ببيته،  وأن ثنائية التضاد الزمني بين الأفعال انعكاسية للشعور كما في  (أعود/ والبعد) تتمثل بما يؤكده الحضور أعود وما يؤكده الغياب البعد،  والذي يدعو القارئ للتساؤل ان الشاعر ما زال في مرارة الغربة وهو في بيته،  لأنه مجبر على الرحيل ؟…

– نتوقف على مقاربة للحواس افصحت عما نزل به من مكروه بتوظيف أفعال حسية  كما في (ما مر/ ما ذقت) استمرارية مرارة الغربة يحيلنا الى ثنائية حسية بليغة التعبير في (غصة / فرح) بتناقض ملموس  فالغصة مرارة التذوق إحالة تأكيد شعور بالحزن وضد الفرح شعور البهجة،  اجاد الشاعر بتكثيف بلاغة  الصورة وجمال التعبير بعمق الإشارة لطعم الغربة باستعارة الشعور بعامل الحواس …

– وما زال الشاعر ينقل احاسيسه ويستمر تأكيد غربته في و(إني) بذاتية الموضوع،  ويستمر بحواره المجروح ومنه يبدو لنا ثنائيات تضادية زمكانية أيضاً ما بين حضور وغياب كما (في بُعدي القريبُ)، وثنائية اخرى تتمظهر في حسية الشعور الإنساني المضطهد في (طائعاً / مُجبرا) تتوهج دلاليا بوجع الذات،  ونستشعر ما بين وجع قسري وحرمان لذة التواجد في الوطن معاناة إنسانية، وإرغامه على الرحيل والاغتراب الذي يتقد باللوعة والحنين لذكريات الطفولة المبنية في تراب الوطن…

– أما حالة الحضور تتمركز بسيمائية عاطفية كما في معجمية (لهفتي) والتي يوكده الضمير المتصل الياء، فهي صيغة جمالية لصفة حسية توحي الى قوة الانتماء لواقعه،  فكلاهما ارتكز عليهم الشاعر كمعادل موضوعي لرصد الزمن المتفاوت بين الماضي والحاضر بعاطفة وجدانية وبصورة فنية التشكيل حماسية  الشعور مؤلمة الدلالة تفتح افق التأويل، ولبث مشاعره الجياشة بالوجع استخدم الشاعر صورة مكثفة بليغة التعبير بتركيبة فنية رائعة النسجة  …

– لنعد الى أبيات أخرى ونستنطق جمال الشعور الدافئ …

فجلْتُ بِهِ عيني أراقِبُ ساحَهُ        وفي الأرضِ بلّورُ الشَّبابيكِ بُعثرا

وفي البابِ مفتاحُ الحنينِ يهزُّني      وقدْ أسقطَ الرُّكنُ العزيزُ وهرهرا

ومِنْ سقفِهِ المودي إلى عرصاتِهِ     رأيْتُ بهِ وجهَ السَّماءِ مُنوّرا

– وتستمر المناجاة بوقفة وجع مرئية ومواجهة فعلية مؤثرة روحياً،  تسرح رؤى القارئ لمتابعة مشهد سينمائي أجاد الشاعر تصويره،  فيراه على شاشة رؤاه بذهنية الذهول،  فبما يجول الشاعر..؟ يجول بروحه في ثنايا البيت ففي (جلتُ) يتراءى للقارئ طواف عينيه وقلبه بشغف ملهوف ليشبع حواسه من بيته بعد فراقه القسري،  فها هو الآن يحتضن كل جزء من أجزاء المكان بروح مشتاق ولا يكتفي ولكن ماذا يرى..؟…

–  لنعير رؤانا لحركية الصورة بتداخل الحواس لنسترسل بدينامية (مفتاح الحنين) بارتجاف كيانه الشعوري،  ليشي بدلالة أول خطوة على تراب الوطن،  فالخشوع في حضرة قبلة البيت إحساس وجداني مقدس،  فكل ذره من جزيئات العمر تبلورت نواة حنين،  ومشاعر الحنين للشاعر هي المعادل الموضوعي للبيت/ الوطن،  وهي الدافع الأول والمحفز الأقوى للرجوع لمسقط جذوره،  فنستذكر قول الشاعر أبي تمام :

(كم منزل في الأرض يألفه الفتى        وحنينه أبداً لأول منزل) 

فالحنين عاطفة انسانية قوية الجذب لأول منزل وهذا ما أوحى به الشاعر …

– فكل من الأجزاء المادية للبيت متهدمة ومخربة ومتكسرة من (ساحة،  الأرض،  بلور، الشبابيك، الباب،  المفتاح، الركن، السقف، العرصات)هي رموز فاعلة نفسيا اشتغل عليها الشاعر بتقنية رائعة لنقل أحاسيسه فأسقط عليها كل مشاعر الشوق والحنين الملبدة بالذكرى فكانت المعادل الموضوعي بتكثيف متسع دافَ احساسه بجزيئات البيت ووظفها بلغة شعرية معبرة تحاور معنويات الروح انسانيا ونفسيا فتزيد الوجدان تعلقا وعشقا لبقعة صغيرة او كبيرة قد تكون بيتا أو وطنا  فكلاهما حبيب واحد …

– وننحو لتكملة بقية الأبيات وما فيها من رموز الطبيعة ونستنطق دلالاتها البعيدة والقريبة… 

وشجرةَ زيتونٍ تسوّدَ جذعُها       وما اخْضرَّ منْ أوراقِها صارَ أصفرا

بكتْنيَ لمَّا أبصرتْني بدهشتي      كأنّيَ أستجدي الدُّخولَ مُحيَّرا

وقفْتُ غريباً إذْ أحاورُ مَنْ سطا       وقدْ بدَّلَ الألوانَ فيهِ وغيّرا

– وبدفقات شعورية تنبض بالألم بتشكيل جمالي لصور شعرية عابقة بخلجات النفس المتلهفة تتجلى استعارة مكانية بلغة رائقة البوح،  تتماهى بعدة دلائل تأويلية يستشفها القارئ بذهنية مستكشف لغائر الدلالة،  من خصوبة رمز شجرة الزيتون الذي يحيلنا الى مفهوم البيت والوطن،  وكما معروف لها قدسية  من ذكرها في الآية الكريمة (التين والزيتون) في القرآن الكريم، واحالة لرمز الأم التي فقدت أبناءها فلبست السواد، يقول الشاعر بودلير: (على أن كل لون أو صوت أو رائحة هو انفعال تحول إلى مفهوم،  وأن لكل صورة بصرية مثيلتها في الحقول الأخر)  ، فنرى ما بنى عليها الشاعر من تاريخ الذكريات تتمثل في البيت الحنين والاحتواء،  وتأويلية عن المرأة العربية المعطاء رغم ما عانت من الاعتداء،   وما للشجرة من دلائل مثيرة لذهن القارئ فهي شجرة السلام وغصن الحرية…

– ثم نجد الشجن والحزن العميق بتحولات الزمن في الصورة المتموجة الألوان التالية (وما اخْضرَّ منْ أوراقِها صارَ أصفرا) منها تتجلى احالة لتغيرات ما يحدث في وطن الشاعر من تدمير وقتل وتخريب،  بصيرورة الحدث من الفعل (صار) نتيجة حتمية لاستمرارية التخريب،  ويبدو من الثنائية التضادية تغير الالوان احتمالات تأويلية مثل (الحرب والسلام،  الحرية والعبودية،  الحياة والموت..) وغيرها،  فمن تعدد الدلالات تفتح شهية التأويل وتنقلنا من تجربة خاصة لذاكرة عامة لعواصف الربيع العربي بانعدام السلام…

– كما منح الشاعر لشجرة الزيتون أحساس أنساني كما في  (بكتْنيَ لمَّا أبصرتْني) فالبكاء انفعال مؤثر والرؤية في البصر والاشجار صديق البشر وتاريخ  ذكرياته،  لذا فالألم ينبجس من أعماق الروح حين فراق فهي مؤرخ تاريخي لعلاقات المحيط والمناخ العائلي،  كما يبدو في الإشارة  لمن تطاولوا في تخريب البيت ب (مًن) دلالة توحي لأشخاص عدة مجهولي ومعروفي الهوية، كما في(مَنْ سطا،  وقدْ بدَّلَ،  وظنَّ بأنَّ) فالغائب هو الذي سطا وبدل وظن،  وهذا المتخفي الحاضر الغائب هو والمسبب لغربته المعتدي على ممتلكاته ،إذ تحول المكان على غير عهده السابق،  فشجرة الزيتون هي المعادل الموضوعي الذي اتخذه الشاعر ليسقط عليه عواطفه المحمومة بالغربة والموجوعة بتخريب بيته…

– ولنتابع بمتعة قارئ لرموز مكتنزة بهية الإيحاء حيوية الدلالات في …

فها هيَ (غفرانٌ) تُضاحكُ لعبةً   وما زالَ منها الرَّسمُ يحضنُ دفترا

وصوتُ أبي في الفجرِ يُسمَع خطوهُ    يقومُ إلى ماءِ الوضوءِ مُشمّرا

–  استشهد الشاعر بماضي ذاكرته لبيته ومرتع شبابه بصورة شعرية رائعة الإيحاء تختزل زمن ماضي وحاضر ومستقبل،  مستهلها (فها هي) باستحضار رؤى بصرية تتجلى وجودها الحقيقي،  واستخدام الأفعال المضارعة (تُضاحكُ/ يحضنُ) استمرارية الزمان والمكان بإشارات حسية،  (وما زال) يشي لذاكرة مخلدة ممتدة عبر عنصر الرمز الذي وشح الصورة بأطر الطفولة وعطر البراءة،  فوظف رمز ابنته (غفران) بفنية التشكيل وجمال التعبير بقصدية بارعة،  احالة نفسية موشية لتاريخ وطن و دلالة تأويلية لأجيال المستقبل تستجلي رؤى القارئ لاستمرارية الحياة…

– بإحالة تأويلية لقوة ارتباطه بتراثه وعقائده وظف رمز (الأب) بدلالات لتاريخ جذوره،  ومدى ارتباطه بمحيطه نلاحظ اشاراته في(وصوتُ أبي في الفجرِ) مستوى صوتي اعتمد فيه على إيقاع حسي في تشكيله الصوري ب (صوت) لينقل للقارئ أجواء الطقوس الدينية،  واستعان بأحد عناصر الطبيعة بمعجمية الفجر لما لها من دلالات ثرية،  و تأويلية فجر الحضارة في وطنه،  وأردفها  بالأفعال المضارعة (يُسمًع، يقوم) لتناغم دلالي للحواس وشعور حركي حسي مستمر الإيقاع،  ليوقد الشعور في ذهن القارئ لاستذكار شعائرية الذات والانتماء الوجداني للوطن،  فيتحول خصوصية الرمز إلى عام من خلال صفة الزمن …

–  نتابع الدلالات العميقة من استعارة رموز مختلفة بمستوى بلاغي ::-

بكى منزلي لمَّا رأى الذَّئبَ حارساً    وأنَّ قُطيطَ الحيّ فيهِ تنمَّرا

وأنَّ شموسَ الأمسِ غيرَ رواجعٍ     وأنَّ سوادَ الَّليلِ أمسى مُقدَّرا

– لما البيت يضج بالبكاء ..؟،  باستذكاره المكاني يضفي الشاعر هالة الشعور الحي بأنسنة المنزل فيقلده إياه شعوره بصورته الحسية وهو مستوى  بدلالة عكسية احالة عن استفزازه النفسي،  نستقرأ مقاربة حسية باستعارة من الطبيعة لرموز حيوانية وتشكيل صورة تجريدية،  عميقة المعنى بتشبيه خصب الدلالة اتقنها الشاعر بتضاد ثنائي ما بين رمز (الذئب) دلالة التيارات الغاصبة لأصول الوطن،  وبين استعارة رمز (القطيط) بتصغير مقصود من الشاعر دلالات تأويلية للتآمر ضد وطنه…

– ويستمر الشاعر باستذكاره الزمني للحدث بصورة استعارية، وإيحاء تشبيهي غائر مكتنز التعبير باستخدام رموز من الطبيعة للتشكيل الصوري،  فيتجلى في (شموس الأمس) هو احالة للوعي الاجتماعي باستقرار الوطن،  أما (سواد الليل) احالة لتفشي الجهل ويشي بالقتامة النفسية والكآبة الروحية،  وبدلالات تأويلية كثيرة تزدحم في ذهن القارئ بتخيله ورؤاه،  إشارة التغير الفجائي لزمن يؤكد فيما بين (الأمس وأمسى) تضاد زمني مستمر،  وكأنه يقول بين ليلة وضحاها تبدل حال الوطن فينبثق شعوره بانفعال عاطفي بيأس وقنوط ينتاب غربته،  فنستقطب من ذاتية الموضوع دلالات عامة عن كل الأوطان حاليا…

  نستوضح  شعور الشاعر بعد ما وقف على خراب وطنه فتدفق احساسه وجعا ::-

فلوَّحْتُ بالكفِّ اليمينِ مُودّعاً    ومسَّحْتُ بالأخرى الدُّموعَ تصبُّرا

وعظَّمْتُ بالإنسانِ يسرقُ أهلَهُ    وأكبرْتُني عمَّا بفعلِهِ صغَّرا

زمانٌ بهِ صارَ الغواةُ هداتُهُ    وفي عرفهِمْ شيخُ المساجدِ كُفّرا

– نلاحظ  زخم التضاد الثنائي بتشكيل مدهش كما في(فلوَّحْتُ بالكفِّ اليمينِ/ ومسَّحْتُ بالأخرى) استعارة حركة الحواس وتوظيفها للتعبير عن مشاعر الحزن ببنية جمالية رائعة،  وبمستوى تركيبي (وأكبرْتُني عمَّا بفعلِهِ صغَّرا)تضاد باختلاف مؤتلف رائع،  ومجازات معبرة وتصوير انشائي جميل في (الغواةُ هداتُهُ/ شيخُ المساجدِ كُفّرا)،  وبإحالات زمنية متوازية ما بين ماضٍ وحاضر،  وغياب وحضور صيرورة التناحر السياسي والاجتماعي تأويلية ازمات…

– ولدفقات ختامية بدلالات متنوعة بشعور وجداني عميق ::-

وكمْ زيَّفَ التَّاريخُ خطَّ كتابِهِ     وغيَّرَ شُهَّاد الرَّواةِ وزوَّرا

فيا وطناً باعَ الجباةُ هواءَهُ    ومَنْ باعَ بالمالِ البلادِ سيُشترى

وراحَتْ بيَ الذّكرى تُردّدُ كالصَّدى   وما انْهدَّ بالجدرانِ بالرُّوحِ عُمّرا

– استأنف الشاعر بدلالة عددية ونوعية في (كم) هي اشارة للكمية احالة لكثرة المخربين وأعداء التاريخ،  وليخبرنا عنهم نتواصل مع بقية الأبيات فنلاحظ ثنائية سلوك نفسي تنم على الرغبات والميول ما بين (باعَ/ يُشترى) إحالة على خونة الوطن ، ونرى رده عليهم باستنتاجية حتمية في (ومَنْ باعَ بالمالِ البلادِ سيُشترى) تأويلية لعبوديتهم للآخر،

وبدفقة شعورية رائعة لخاتمة مكثفة صورة شعرية بانزياح دلالي نستشف منها هتاف حماسي للتصدي للعدوان بإصرار عزيمة؛ لاسترجاع حياة الوطن،  فنستقرأ من رؤى الشاعر استمرار الاستذكار لأزمات سابقة مر بها الوطن وخبر تجربته، فيردد على مسامع بيته حكمة أو مثلا يُطمئنه أملا يرقى بالمشاعر الإنسانية ويسمو بالحب والوفاء لتراب الوطن،  فلا بدَّ أن يُبنى بالفداء والتضحية،  له ترخص الروح ثمناً،  ومهما حصل سيزول العارض وإن تراكمت غيومه، لا خصام ولا انفصام عن البيت والأرض والبيت والوطن…

– خلاصة

– نُلاحظ سياق القصيدة اسلوب السهل الممتنع بعناصر حديثة ومضمون معاصر يشهده تاريخ الشاعر بتجربته الشخصية عن بلده ،  ببنية تركيبية فنية ثرية المعنى مترابطة الأنساق سلسة الانسياب،  تتشكل ما بين صور شعرية بانزياحات دلالية انثيالات جميلة وبين إنشائية التعبير بجمال باذخ لم تخل بمستوى القصيدة،  عميقة الحزن بشعور نفسي،  وإحساس إنساني، أجادها الشاعر بتقنية رؤى فاعلية التأثير تخلق تداولية للحدث وانطباعها في ذهن القارئ ولأنه واقع نقل برؤى التخيل  صور ما يحصل من خراب ..هدم ..كسر ..تشوية.. تشتت.. فهو مضمون تاريخي ..اجتماعي ..انساني ..سياسي ..ثقافي، شملت جانب مهم وحساس من الحياة يعيشه ابناء الوطن العربي قاطبة حاليا،  تميز نقل الحدث ببراعة ما نقش بإحساس باذخ ومناجاة حنين بانفعال سايكولوجي، مع سعة أفق رؤى الشاعر وتعددها ولا ننسى إيقاع القصيد بقافية خفيفة رشيقة اللفظ على لسان القارئ….

– وقد أتقن الشاعر استخدام الحواس كعلامات وإشارات ورموز تشي بباطن الدلالة وميزة اقتناء زمن الأفعال بفاعلية متغيرة ضمن النسق لتشي بحاضر أو ماض وتوظيفها ببعد دلالي مفعم  بإيحاء نوع من الحواس،  وبرع  في اختيار عنصر الرمز وتوظيفه بأسلوب إيحائي متمكن،  ويبقى تهجد العنوان في معظم الأبيات،  وإنْ تغيَّرت المفردة إلى الوطن أو المنزل فهي استعارات موازية للعنوان متسلسلة الفكرة بذاتية شعور وعمومية موضوع بخطاب موجه لكل عربي ….

– القصيدة أقرب ما تكون لقصة وطن بما اشتملت على عناصر مثل (الحدث.. الحوار.. وعنصري المكان والزمان..)  وهي سمة تثري الشعر بصيغة فنية،  تبدو صرخة تاريخ مدوية من حناجر الروح وضمير الإنسانية فنجدها قضية عامة وخطاب لكل الشعوب

– يستنتج القارئ دلالات قَيمة من موضوع القصيدة أن المستوى الفكري للشعوب أساس التحرر،  والطموح المعرفي غذاء التوحد لازدهار الوطن ورفاه الشعوب، وبقاء الوجود الإنساني المرتبط بالجذور في وطنه الأم،  بيته وشغاف قلبه بضمير واع.

قراءة: إنعام كمونة

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *