رواية (حدث في بغـداد) للدكتور الروائي رسول محمد رسول

latifa_aldlimy

الرواية، هي: ذاكرة تحولات عامة او خاصة، وقراءة ضمنية للماضي والحاضر، واستشراف المستقبل، تنطلق من الخلفية الثقافية والسياسية والاجتماعية للروائي، يجسد كل هذ التحولات عبر تخليق شخصيات واحداث منها حقيقية واقعية ومنها متخيل ولكن له جذر واقعي مهما بدا محلقا في عالم الخيال .

رواية (حدث في بغداد) لا يحتاج عنوانها الى التحليل والتأويل، فهو عنوان مباشر يشير الى ما حدث في بغداد، في زمن الجمهورية الثالثة:  جمهورية البعث وحكمها في العراق.

عبر متابعة حياة (مرهون الشاكر) الروائي والمثقف. هذه الشخصية العاشقة للثقافة والادب والزاهد بكل شيء الا الكتاب والكتابة، وهي احد افراد عائلة كتب عليها القهر والالم والموت. فأخويه(واقد شاكر) و (علي الشاكر) كانا ضحايا حرب الثمانينات في قادسية صدام وحربه ضد ايران، التي دامت اكثر من ثمان سنوات دموية .

أما أخيه الاخر (حسين الشاكر) فقد قطع الإرهابيون رأسه بعد احتلال العراق في 2003.لم يبق من افراد العائلة سوى (مرهون) ووالدته المفجوعة بأولادها وزوجها .

مرهون إسم يدل على الإرتهان والقيود، حيث كان هذا المثقف المبدع  مرتهن لأفكاره وثقافته الداعية للسلام والحرية والرفاه وصيانة كرامة الانسان ، ومرتهن لظروف قاهرة متمثلة في حكم إسلاموي متخلف، ومعارض يلبس نفس الرداء الديني، أشاع الرعب والخراب والقتل على الهوية، متسلحا بفكر طائفي عقائدي متشدد ، يدّعي مقاومة المحتل وطبقته السياسية  الحاكمة وإستبدالها بحكم وشريعة الله على الارض .

حيث أدت الحرب الدولية الاستعمارية والحرب الاهلية في البلاد الى حدوث تغيرات هائلة في طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في العراق ( اخذت الحرب والتغيير السياسي الذي جرى في بلادنا تؤثران في بنية المجتمع المهنية والسكنية والاخلاقية ، فكل شيء أصبح يمضي بطريقة جديدة )، ص154. وجديدة هنا، بالمعنى التخلفي السيء وليس بالمعنى الايجابي الهادف لإستبدال القديم المتهالك المعيق للتقدم والحرية والرفاه، بل جعل التخلف أكثر رسوخا وبأساليب أشد ضراوة ووحشية وقسرية.

ان أول صدمة تلقاها هذا المثقف هي مقتل زوجته (فاطمة البصري) في قصف 1991 الوحشي لمدن العراق، وهي المرأة التي وصفها  (مرهون) بفجره الاول .. فجر العفة والطهارة والحب الصادق والاخلاص للحياة الزوجية وللشريك الحبيب . وهذه اشارة من قبل الروائي الى ان  عام 1991 كان عام موت القيم النبيلة في المجتمع العراقي، وتعرضه للقهر السلطوي الفاشي والتجويع بسبب الحصار الاقتصادي المفروض من قبل أمريكا بدعوى محاصرة النظام، وهي فرية مفضوحة؛ فقد كان المحاصر أولا وآخرا هو الشعب العراقي ، مما أدى الى شرذمة المجتمع العراقي وانتشار ثقافة الثعلبة والفهلوة والقردنة كدوافع لغريزة استمرار الحياة وعدم الموت جوعا، وانتشار ثقافة الخرافة ومظاهر التدين الزائف وهو الملجأ الاخير الذي تلجأ اليه الذوات المستلبة والمقهورة أملا  في  عيش الحرية والرفاه في الحياة الآخرة، والهروب من حياة القهر والجوع والحرمان، في ظل الحكم الديكتاتوري والحروب والحصار  المفروض لتركيع الشعوب وترويضها، للقبول ببدائل الواقع مهما كان هذا البديل؛ أملا في الخلاص .

 هذا (المثقف) المرتهن يقع فريسة هذا الواقع المتردي، فيتزوج من  (فجره) الثاني (نهى) الذي تحول الى ليل بهيم متجسدا بهذه العاهرة المبتذلة، رمز الخيانة وانعدام القيم وغروب عالم العفة والطهارة، هذه اللعوب ابنة الواقع الفاسد القائم ،المستهين بالثقافة والساعي لتحطيم الثقافة والمثقف بمختلف الأساليب. تقع نهى بين مطرقة السلطة مجسدة بضابط الدورية والإرهابي الإسلاموي الداعشي مرتدي لباس المعارضة المسلحة، ولكل من ينتمي للسلطة الحاكمة، وهنا يؤشر الروائي، ببلاغة باهرة، الى واقع حال العراق عبر (نهى ) العاهرة.

ففي الوقت الذي ينشغل (مرهون) بإكمال روايته الجديدة، مسلطاً الضوء  على واقع السلطة والمجتمع وتحولاته الكارثية، على الرغم من اصابته بمرض السرطان الرؤي بسبب ما يعانيه من قهر سلوكيات السلطة والارهاب والمختزل والمجسد بسلوكية (نهى) التي تكشف له حقيقة خيانتها، حينما تعود ثملى، بعد سهرة داعرة مع الضابط والإرهابي وشخص ثالث، تركوا آثارهم وبصمات مخالبهم الوحشية على جسدها، حيث تخاطب مرهون، قائلة: ( هل رأيت يا زوجي المثقف، كيف انا عاهرة بشكل رسمي، زوجة محترفة في الفجور والغرام والخلاعة  لأخونك ليس في النهار فقط بل وفي الليل ايضا ) ص120، و( ان الوطن يريد مني أن أضحي من أجله، أن أكون عاهرة، وهذه  مسؤولية تاريخية  كما يقول رشيد الفار، أما أنت فيريد منك هذا الوطن أن تكون راضخا ومنحنيا حتى يرضى عنك ) ص 129. وهنا تشير بصدق الى ما يريده الوطن حسب رأي السلطة الفاسدة، وما يريده الوطن حسب إرادة المعارض الإرهابي  ألا وهو: امتهان كرامة الانسان، وقتل وتطويع وتركيع المثقف الشريف، وقتل الثقافة المعارضة للقبح والرذيلة .

وهنا تظهر هذه ال(نهى) في حالة من تجلي الوعي بمسخ الذات الانسانية والوطنية، وقتل الثقافة المعارضة تحت سوط الأيدولوجية الارهابية معية مقاومة الاحتلال والكفر والساعية لإقامة حكم الله على الأرض، فيكون النكاح واجبا مشرفا في منطق المقاومة المزيفة، كما أن هذه هي آيدولوجية السلطة الفاسدة ومقاومة افسد، وكلاهما مدّع مزيف للدين والوطنية تفرض على المثقف، حامل رسالة التنوير والتثوير، حامل مشعل القيم النبيلة، الرضوخ والخضوع والسكوت المر، وهو يشهد الخيانة والفجور واللصوصية والزيف الممارس من قبل طرفي النزاع والمتخادم مع العقل الاكبر المحتل وذيوله .

وقد كان هذا الحال  هو احد أهم اسباب اصابة مرهون بالسرطان، ومن ثم موته المفجع في المستشفى، ولم  تزره زوجته الخائنة إلا لسرقة فصول من روايته التي تسلط الضوء الكاشف على هذا الواقع المؤلم  وإحراقها؛ لكي لا تظهر الحقيقة لعامة الناس، متعرفة على اسباب  ضياعها واستغلالها وتخلفها وكشف حقيقة حملة الفضيلة والعفة، كونهم اكثر عهرا وممارسة للرذيلة واللصوصية والتبعية للمحتل، عبر اكثر الوسائل حقارة ودناءة.

على الرغم من كل هذا الواقع المؤلم والظلام الدامس، يشعل الروائي شموع الأمل من خلال الموقف الانساني النبيل لصديق (مرهون) المهندس سعدي وزوجته الرائعة (مريم الشبلي)،والتي تظهر وكأنها النموذج النقيض ل((نهى)) من حيث العفة  والوفاء ومساعدة الغير والأنسانة الواعية  والتي غالبا ما يستعين برأيها زوجها ((سعيد))، والطبيب أحمد عزالدين الجبوري، المشرف على علاج مرهون ، والعامل خليل عبد الله نايف، والصحفية الجريئة (   وفاء السامي  )، من خلال رعايتهم ل (مرهون) ولأمه، ومحاولتهم الشجاعة، على الرغم من المصاعب والمخاطر، لاسترجاع الفصول المسروقة من رواية مرهون؛ لتكتمل رسالته التنويرية (رسالة المثقف ) الواعي. مما عرضهم للملاحقة والتهديد، وأدّى بهم للتشرد او الهجرة، ثمنا لانتصارهم للحقيقة ودفاعهم عن المثقف باعتباره يمثل  الضمير الحي للشعب. وكذلك الموقف الايجابي لاتحاد الأدباء وانتصاره للروائي باعتباره من واجبه كمنظمة مهنية  نقابية يجب أن تدافع عن، وترعى حقوق أعضائها، والموقف الايجابي لوزارة الثقافة بشراء مكتبة مرهون وطباعة مؤلفاته كاملة تحت ضغوط كبيرة من قبل أصدقاء ومعارف مرهون من الأدباء والكتاب والصحفيين.

تلقى العاهرة، الزوج الخائنة، مصيرها المحتوم، حيث يدفعها الارهابي  لتنفيذ عمل إنتحاري إرهابي يودي بحياة العشرات من الأبرياء، لتلتحق بعالم الحور العين، بعد أدائها واجب النكاح، لتطهر جسدها وروحها بهذا العمل الارهابي!! كما  انها ربّما تقوم بهذا العمل الانتحاري للخلاص من واقع الاستلاب والرذيلة والخيانة التي سقطت فيه بفعل وتأثير عوامل  مختلفة.

 كان الروائي متمكنا من السرد المشوق لأحداث الرواية، مرة بلسان أنا المتكلم، وأخرى بلسان الراوي العليم وضمير الغائب. وقد تنقل السرد بشكل رشيق من حدث لآخر، ومن شخصية لأخرى.

ولم يغفل الروائي عن التناص في عملية الابداع الادبي بالنسبة لمرهون  أو لغيره من الادباء، من خلال اهتمامه بمشروع رواية مرهون وعنوانها اللافت ( ينحني الصابر للوجع)، حيث ان العنوان مستوحى من قصيدة للشاعر النمساوي (جورج تراكل) وكما أكد ذلك صديقهم المطلع على  الشعر الاجنبي  (    ).

يروي الكاتب مظاهر ومشاهد الالم لضحايا الارهاب والحرب بعيون سعيد  صديق مرهون، وزيارته للمستشفى بحثا عن الدكتور احمد المشرف على علاج مرهون، محاولة منه للعثور على الفصلين المسروقين من الرواية ، وكيفية تبرعه بالدم لإنقاذ حياة طفل جريح، وهو القائل لتوصيف  المستشفى في ذلك الزمن المشبع  بالموت والبارود :-

((لكي تنتظر في مستشفى، عليك ان تبكي الف مرة، ففي كل خمس دقائق تودع راحلا وتستقبل جريحا )).

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *