بالفكر الراقي واللفظ المستنير تشيد الصروح

latifa_aldlimy

ماجستر: أحمد إبراهيم مرعوه

 

إن الشعرَ مَوهبةُ نادِرةُ الحُدوثِ .. لا يُلقاهَا إلا القليلُ من الناسِ، فَمَنْ أُوتِيَ حَظَها فقد أُوتِيَ حَظًا عظيمًا، وبَلَغَ مقامًا مرموقًا، وأصبحَ موضعَ الإعجابِ والتقديِر مِنَ الناسِ، لأنهُ وُهِبَ ما ليسَ عِندَ غيرهِ ـ فالشعرُ منحةُ من اللهِ لِمَنْ استخدَمَهَا في الفكرِ الراقي واللفظِ المستنيرِ النابعِ من الخلقِ والأدبِ العظيمِ ـ أدبُ المعنَى النبيلِ والهدفِ المنشودِ في تبليغِ الرسالةِ الساميةِ التي تَحُثُ الناسَ على التخلقِ بالأخلاقِ الحميدةِ، ووضعِهِمْ في الإطارِ الصحيحِ كي يفهَموا الأدبَ من الكلمةِ النبيلةِ، والحكمةِ الأصيلةِ، والقصةِ المأثورةِ من التاريخِ والسيرةِ وأخذِ العبرِ والحكمِ والمآثرِ الجميلةِ، لا الكلمةُ المبتذلةُ الرخيصةُ، كالتغزلِ بأعضاءِ الجسدِ البالِي الفانِي الذي يَفنَى وتَبقى الكلمةُ السيئةُ حملاً ثقيلاً، ورصيداً متبقيًا لكاتِبهَا يومَ الحسابِ على كُلِ كبيرةٍ وصغيرةٍ فلا تنفعَهُ كلماتُ الغزِلِ ولحنُ الفشلِ، ولا صاحبةُ الجسدِ المُسجَى، ولا عَقْلَهُ الذي مَالَ فأَمَالَهُ في الشقاءِ والعذابِ!
فكيفَ يكتُبَهَا وأولُ مَنْ يقرأُها أقربُ الناسِ إليْهِ إِنْ كانَ لا يَهًمًهُ غَيْرَهُم وقبلَ ذلكَ اللهُ الذي عَلَمَ بالقلمِ؟
ألاَ مِنْ عقلٍ رشيدٍ لمثلِ هؤلاءِ ــ أَلاَ يعي كُلُ منهُم الحكمةَ والوعيَ الذي يُنْجِي صَاحِبَهُ مِنْ عذابِ النارِ؟
إِنها نكبةٌ كُبرَى في أيامِ كَثُرَتْ فيها النكباتُ والأزماتُ وتحللَ البعضُ مِنَ القيم والأخلاقِ بحجةِ مسايرةِ العصرِ الذي نعيشُ فيهِ؛ فما مِنْ فُحْشٍ إلا وارتكبُوهُ وما مِنْ رقصٍ إلا ورقصُوهُ، وما مِنْ كتابةٍ عن الفجرِ والعِريِ إلا وكتبُوها، ونسوا أَنها دخيلةٌ علينا بعد بُعدِنا عن الدينِ، والتحللِ والانسلاخِ مما هُو دينيٌ جَميلْ!
لقد هدمُوا كُلَ ما هو جميلٌ بحجةِ حريةِ التعبيرِ، بل إِنْ شئتَ .. فقلْ بحجةِ تحسينِ المدينةِ ـ ألا مِنْ مراجعةٍ  ألا مِنْ محاسبةٍ ـ أَينَ مخافةُ اللهِ؟
اتقوُا اللهَ يا مَنْ ضللتُمُ الطريقَ وارتميتمُ في أحضانِ الفكرِ الغريقِ لا العَريقِ. إِنَ الأديبَ الذي يمتلكُ الكلمةَ الجميلةَ، لا بُدَ أَنْ يكونَ لديْهِ القدرةُ الفائقةُ والإدراكُ الجيدُ، وأَنْ يكونَ على قدرٍ كبيرٍ من البيانِ اللُغَويِ والأدبيِ حتى يُعَبِرَ عَمْا يَجُولُ بخاطرهِ بلغةٍ سليمةٍ، وبطرقٍ مؤثرةٍ كي تُؤثرَ تأثيراً كبيراً في وجدانِ وعقلِ القارئِ والسامعِ والمتلقِي والمتذوقِ للأدبِ والفكرِ، وحتى تُحركَ المشاعرَ فتتفاعلُ مَعَ الكلمةِ، مع المعنَى، فترتقِي النفسُ وترتقِي !
وربما تتحركُ الكلماتُ بداخلِهِ فيكتبَ أيضاً نبضاتٍ وأحاسيسَ ومشاعرَ كامنةً في خيالِهِ، أتتها اللحظةُ المناسبةُ لتنسابَ في معينٍ لا يَنْضُبُ من العطاءِ، وفي ذلكَ يكونُ قد وجدَ من استنشقَ من رحيقِ كلماتِهِ، فصَارَ شاعراً متذوقاً للكلماتِ الجميلةِ.
والأديبُ الذِي يَعِي معنَى الكلمةِ بحقٍ، لا يحقُ لهُ أَنْ يصفَ اللهُ الحقَ بأوصافٍ متدنيةٍ أو غَيرَ واعيةٍ.
وأما التعاملُ مع الخلقِ يتطلبُ من الأديبِ امتلاكَهُ للوازعِ الدينِي والثقافِي الجيدِ المنبعِ العذبِ المنهلِ، فلا يتعاملُ من منطقِ العصبيةِ والانفعالاتِ، فإنَ الشعرَ تحفهُ الفتنُ من كُلِ جَانبٍ، وعليهِ تحفُ صاحبَهُ، إلا مَنْ خَشِي اللهَ وتذكرَ لقائَهُ يومَ لا ينفعُ الابتذالُ في اللفظِ أو الخروجِ عن المعنَى صاحبَهُ شيئا.
والكاتبُ والشاعرُ الحصيفُ هو الذي يتجنبُ الكلماتُ المهجورةُ والغريبةُ التي لا تَزِيدُ المعنى إلا غموضًا وإبهامًا، فهي غريبةُ على السامعِ، ثقيلةُ على اللسانِ لاتصلُ إلى ألأذهانِ ولا الوجدانِ، فلا تأثيرَ لها ولا أثرَ يُذكَرُ إلا غَرابَتَهَا فيهجُرُهَا الناسُ وبالتالي يُهَاجِرُوا ويَهْجُرُوا الأدبَ لما فيهِ مِنْ صُعُوبَةٍ وغرابةٍ، فلا أذواقَهُمْ ارتقتْ ولا مشاعِرُهُم تهذبتْ بل تَشَتَتْ أَفْكَارُهُمْ.
وماذا يفعلُ الأديبُ إِذا لمْ يكُن دورُهُ الرئيسيُ هو تثقيفُ الناسِ وتحويلُ مشاعِرهِم نحوَ الأدبِ الجيدِ، والنقدِ البناءِ الذي ينفعُهُم في الحياةِ، ولا بُدَ لهُ أَنْ يبحثَ عن مواطنِ الجمالِ في الطبيعةِ، فيضيفُ إلى الجمالِ جمالاً بكتاباتِهِ الجميلةِ، ولا بُدَ لهُ أَنْ يجوبَ حُقُولُ الأدبِ ليستنشقَ مِنْ رحيقِهَا، ويلقحُ زهورُهَا، ويذيبُ وجدانًهَا كالفراشةِ التي تجولُ عندما يلوحُ في الأفقِ البعيدِ، قُرصُ الشمسِ الأحمرُ الدائِرِيُ، في لقاءِ جديدِ لبناءِ يومٍ جديدٍ، كما تبنِي الكلماتُ الجميلةُ النفوسَ الطيبةَ.
فالكلمةُ الراقيةُ عندما تُكَوِنُ القصيدةُ الراقيةُ تغمرُ نَاظِمُهَا بالسعادةِ وخصوصًا عندما تًكُونُ تَجْرِبَةً ذاتيةً، فتغمرهُ الفرحةُ بما أَفَاءَ اللهُ عليهِ من نِعَمِ الكَلِمِ، وما أُوتِيَ مِنْ قُدرةٍ على التعبيرِ عما يَدوُرُ بداخِلِهِ، وعما يَدُور مِنْ حَوْلِهِ في الحياةِ .
لذا تعودتُ دائما أَنْ أسألَ ربي أَنْ يُلْهِمَنِي الإلهامَ الطيبَ فأنهلُ من مَعِينٍ طيبٍ وأخُطُ الكلماتِ الطيبةِ لتصلَ إلى القلوبِ الطيبةِ، فتطيرُ بها فوقَ السحابِ فلا حُدودَ للفكرِ والخيالِ، ولا حواجزَ هُناكَ!
وأخراً لا بُدَ للغةِ أَنْ تكونَ لغةُ حِوارٍ بناءٍ لتبنِيَ الصروحَ الشامخةَ فتعلوُا وتعلوُا حيثُ يذوبُ على جوانِبَها السَحَابُ، فبالحوارِ والفكرِ الجيدِ تَبْنَي الأُمَمُ الأَجْيَالَ!
وبالعلمِ والإيمانِ ترتقِي النفوسُ وتسموُ الأخلاقُ!

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

  1. avatar
    محمد بن يوسف كرزون

    مقالة ممتازة تحدّد بدقة الغاية من الشعر وأهم أنواع الشعر الذي يرضي الله ويرتقي بالإنسان… شكرا للقلم الجميل والشكر لصاحب القلم على ما سطّر

    الرد

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *