قواعد الاصلاح من منظور ابن خلدون

latifa_aldlimy

ريناس بنافي – باحث في الفكر السياسي والاستراتيجي – لندن

 

اسباب نهضة وانهيار الامم من منظور ابن خلدون
ذكر ابن خلدون في مقدمته
نصيحة الموبذان إلى بهرام بن بهرام:
يقول أرنولد توينبي وهو من كبار فلاسفة التاريخ في القرن العشرين في كتابه الذي بذل على كتابته في اثنتين وأربعين سنة – لم يشهد البشر في كل العصور وفي كل عبقرية كابن خلدون، توينبي رجل درس الحضارات والتاريخ البشرية في اثنتين وأربعين سنة ودرس حوالي سبع وعشرين حضارة يقول أعظم فكر على الإطلاق أنجبه الجنس البشري في هذا الباب ابن خلدون، لماذا؟ ابن خلدون جعل اَلْمُقَدَّمَة شرحاً لنصيحة بسيطة تُقَدَّم بها رجل دين زرادشتي اسمه الموبذان، إلى بهرام بن بهرام قال فيها.
اعلم أيها المَلك أنه لا يتم عز المُلك إلا بالشريعة أو بالشرع، ولا قوام للشريعة إلا بالمُلك، ولا عز للمُلك إلا بالرجال، ولا عز للرجال الا بالمال، والمال لا يأتي إلا بالعمارة، والعمارة لا يستقيم أمرها إلا بالعدل، والعدل نصبه الله بين خلقه، وجعل عليه قيّماً وهو المَلك، أي اَلسُّلْطَة السياسية، فإذا زال العدل انهارت العمارة وتوقف الإنتاج، فافتقر الناس، واستمرت سلسلة التساقط حتى ينهار المُلك.
وهذا الكلام بلغة العصر يعني:
– المُلك لا يتم عزه إلا بالشريعة وهي تساوي في الوقت الحاضر (معايير السلوك والأخلاق + الرؤية الكونية)
– ولا قوام للشريعة إلا بالملك، وهي اليوم تعني السلطة وتعني الأمن القومي وَالسُّلْطَة الحاكمة، والنظام السياسي، وإذا غابت اَلسُّلْطَة التي تفرض هيبة القوانين وهيبة المعايير يصبح الناس في فوضى، والشريعة لا تعمل في فراغ، بل تعمل في مُجتمَع، والمُجتمَع لا يكون مُجتمَعاً إلا إذا كان مُنَظَّمًا، وفي رأس التنظيم أن تُديره سُلطة سياسية.
– ولا عز للمَلِك إلا بالرجال، وهم رجال الدولة والجيش والأمن وكل من له دور في إدارة الدولة والأمة، والجمهور والناس.
– ولا قوام للرجال إلا بالمال، وهي اليوم الاقتصاد وموارد الدولة.
– ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة وهي تعني اليوم والتنمية والتحديث والصناعة والزراعة وما شابه ذلك من أوجه التكسُّب.
– ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل.
فإذا زال العدل انهارت العمارة وتوقف الإنتاج، فافتقر الناس، واستمرت سلسلة التساقط حتى ينهار المُلك.
وقد يتعجب البعض ويتساءل عن العلاقة بين العدل والعمارة والإنتاج، وجواب ذلك:
إن اَلْمَلِك متى ظلم الرعية وانتزع الصناعات من أيديهم ليجعلها في يد حاشيته الذين هم من أهل البطالة، فقد سلك طريق انهيار ملكه من خلال أمرين:
1- أن الصناعة أو الزراعة متى كانت في يد الحاشية انعدمت التنافس في الصناعة والإنتاج، ومتى احتكر السلعة رجلٌ واحدٌ ولم يجد منافسًا له لم يهتم بجودة ما ينتجه أولاً، ثم يتحكم في الأسعار كيف شاء حيث لا منافس.
2- أن الصناعات متى كانت بيد الحاشية وسمحوا فيما يؤخذ منهم من ضرائب ومصاريف متعلِّقة بما ينتجونه، وعند الحاجة يقوم الملك بتعويض ذلك بالإثقال على عوامِّ الناس وتكليفهم بما لا يطيقون من دفع الضرائب، هذا بالإضافة إلى أنهم سُلبوا العمل الشريف لاحتكار الحاشية لها، فتبدأ الجريمة في الانتشار، وهذه أولى خطوات الانهيار.
فالعدل أساس الملك، فبهرام هذا كان ظالما، ويُروَى أنه بعد أن نبَّهَه الموبذان على ذلك أقبل على النظر في ملكه، وانتزع الأراضي والصناعات من أيدي حاشيته وردها إلى أربابها وأهل الخبرة بها، فعمرت الأرض، وأخصبت الأرض، وكثرت الأموال، وانتظم ملك بهرام.
ما صَرَّحَ به ابن خلدون كان شرحاً لجُملة واحدة.
بهذه الطريقة في التفكير الدائري الجدلي، توصل ابن خلدون عِبَر هذا التحليل إلى نتائج مبهرة في الثقافة الحديثة وفي علم الاجتماع وفي الفلسفة السياسية ماذا يُسمى هذا؟ يُسمى عوامل الإطلاق، شيء يُفضي إلى شيء أي عامل التحفيز، عامل الإشعال أو عامل التشغيل.
فالموضوع جدلي، والموضوع اعتمادي وتبادلي، وهذه سببية دائرية! فالحكم السياسي أو النظام السياسي مع الشريعة والتي تعني اليوم معايير السلوك والرؤية الكونية مُهِمة جداً مع وجود الناس والجمهور وبالذات طبعاً القوة العسكرية زائد الاقتصاد زائد التنمية زائد العدل أو العدالة.
هذه العوامل الستة تعمل بطريقة الاعتمادية المُتبادَلة – اعتماد مُتبادَل، ويُمكِن أن نُسميها طريقة تأثرية، كل عامل يُؤْثِر وَيَتَأَثَّر بالعوامل الأُخرى بشكل دائم ويحدث التغير في المواقع وفي النسب، أي في نسب التأثير والتأثر، فهذه الأسباب هي عوامل الانطلاق من السكون والجمود إلى الحركة والتقدم.
ولكل حضارة ولكل أُمة عامل إطلاق وأيضاً عامل انحطاط وذبول وَتَلَاشِي، ابن خلدون اقترح أمراً، وهو يعيش غروب الحضارة الإسلامية، وهو في القرن الثامن، طبعاً الحضارة الإسلامية جف عودها وزوت وذبلت وَتَجَمَّدْت وَتَحَجَّرْت من بعد القرن الخامس، فقد أصابها حالة من الجمود والدوغمائية، فقدت الدينامية كما يُقال.
لا نستطيع أن نعطي تحليلاً ولا نموذجاً تفسيرياً حتى لأي حالة حتى نقف على تفاصيلها، ولأن الحالات لها خصوصيات، ما يُعَد عامل إطلاق هنا لا يُعَد هناك، ضمن الزمان والمكان، وكما يُقال في علم الاجتماع، مُستحيل الحديث عن عوامل ثابتة، فكل ما نظنه ثابتاً يأتي عليه حين ويُصبِح مُتَغَيِّرًا باستمرار.
يقول ابن خلدون لا يجوز ولا يصح أن تختزل أي نموذج تفسيري في عامل واحد، ما يحدث حين ينطلق عامل انحطاط للحضارة ويبدأ يشتغل، مثلاً كالانحطاط الأخلاقي؟ في موضوع الشريعة، معايير السلوك والرؤية الكونية، فبعض معايير السلوك والرؤية الكونية مأزوم.
وهذا يجعلنا في بؤس فحين ينطلق هذا العامل ننظر إلى بقية العوامل، إن سارت في الاتجاه نفسه فالانحطاط يأتي مُتسارِعاً جداً، أما إن قاومته وحافظت على فاعليتها الحضارية ضده فَسَتُؤَخِّرُ الانحطاط إن قليلاً أو كثيراً بحسب النسب.
وعندنا بدأ عامل اَلسُّلْطَة الحاكمة، أي اَلسُّلْطَة السياسية، إطلاق انحطاط المُسلِمين وحضارتهم، وفي حضارة أُخرى قد تكون مع شيء آخر مع الرؤية الكونية أو مع التنمية أو مع العدل، لكن هنا بالذات في الحالة الإسلامية آلية إطلاق الانحطاط كانت مع اَلسُّلْطَة السياسية، مع نظام الحُكم، مع الشأن السياسي والشأن العام بشتى صور الانحطاط الفساد السياسي الذي سَبَب الانحطاط الاقتصادي والفساد السياسي، والاستبداد السياسي، وغياب المُحاسَبة السياسية والشفافية، وهذا الانحطاط المُتراكِم عبر القرون، وبسبب غياب المُحاسَبة، يَتَصَرَّف السلطان في المال العام بلا رقيب وبلا حسيب بحسب الأهواء والأغراض والنزوات، كيف تم إهدار الملايين من الأموال على مُتع السلطان وَالنُّخْبَة اَلْمُتَمَلِّقَة المُحيطة به والبطانة الفاسدة والأمة مُلقاة في الفقر كيف كان يتم تعديل المُوازَنة ومُعالَجة الأعباء المالية إذن بهذا الصرف والإنفاق؟ بفرض مزيد من الضرائب الباهظة على الناس، وهذا دمر أخلاق الناس، وَدَمَّرَ الازدهار الريفي، فالفلاح يشتغل سنة كاملة ويدفع زكاة، ثم تأتي الضرائب الباهظة لتأخذ منه، وطبعاً هذه الضرائب كان لها اسم، يُسمونها القبالة، نظام القبالة، وهذا دمر الازدهار الريفي، فالازدهار الريفي كان قاطرة للازدهار الحضري الصناعي، وهناك ضرائب أُخرى يُسمونها المكوس، هذه على المُزارِعين وهذه على التجّار والحرفيين، طبعاً تقلص حجم الإنفاق، وتقلص حجم الادخار، وبالتالي تقلصت عملية إنتاج المال وتداول المال، وظل الوضع هكذا.
هناك نظام الإقطاعات، يأتي اَلسُّلْطَان وَيُقَطِّع مَن شاء من اَلْمُتَمَلِّقِينَ المُنافِقين كالشعراء الكذّابين والأوغاد اَلْمُتَلَصِّصِينَ اَلنَّهَارَيْنِ، يُقَطِّعهُمْ أراضي طويلة عريضة للأسف الشديد وهي حق الأُمة، فنشأ شبه نظام إقطاعي لا يُقْدِم شيئاً، يأخذ الأراضي بلهفها ودخلها له ولا يُقدِّم شيئاً للأُمة، لكن بعد حين لم يطل طويلاً اختلف الأمر، صارت تُنقَل وتُباع وتُشترى وكل دخولها لمالكها الحقيقي والدولة محرومة من هذا تماماً، لذلك من أكبر أسباب تدهور الدولة العثمانية انه لم تعد الضراب الباهظة تنفع، وبعدها أتت الديون الخارجية، صار العثمانيون يستدينون، استدانوا بالذات بالإسترليني الملايين، فجعل هزيمة العثمانيين في هذا الباب أسوأ من الهزيمة حتى في جبهات القتال لأنهم فقدوا الاستقلالية، ففقدوا استقلاليتهم!
وفي ختام هذا الكلام نقول.
ان الملك لا يتم عزه الا بالشريعة ولا قوامة للشريعة الا بالملك ولا عز للملك الا بالرجال ولا قوامة للرجال الا بالمال ولا سبيل للمال الا بالعمارة ولا سبيل للعمارة الا بالعدل.
فالملك بالجند والجند بالمال والمال بالخراج والخراج بالعمارة والعمارة بالعدل والعدل بالإصلاح واستقامة القائمين على الامر وراس الكل الملك.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *