البيان التحولي:لأنظار ثورة تشرين/1

latifa_aldlimy

عبدالامير الركابي

( هذه افتتاحية تنويهية مختصرة عن البيان التحولي وقران العراق قيد التحضير لعل أبناء الثورة وشبيبتها الحية يجدون فيه بداية وموطيء قدم عليه تضبط البوصلة)
أسست الجولة الأولى، والانطلاقة الاستهلاله العفوية التشرينية عام 2019 للمسار التحولي الانقلابي على مستوى العراق والمنطقة والعالم. ومع الهبة الكبرى بدا الصراع الأهم والحاسم الضروري، بين الانطلاق الانقلابي الأكبر وسرديته وتعريفه للاشياء والتواريخ، ووطاة وبقايا منظور ومفاهيم ومقاييس ماقبلها، بما فيها، بل وفي مقدمها تلك التي تدعي او توحي بالانتساب الى عالمها، او تريد ان تضع لها اصبعا في عجلتها من البقايا البالية من أفكار ورؤى زمن الفبركة والتماهي مع الاخر المهيمن، على حساب الحقيقة التاريخية الوطن/ كونية، وفي زمن ولحظة بدء عصر”الوطنية التحولية العراق/ كونية”.
وبالعودة الواجبه لثورة 31 حزيران 1920 و14 تموز 1958 تتجدد اليوم معضلة “الثورة التي تفتقر للرؤية المطابقة” وهو ماكان السبب الأساس، وماقد أدى الى عجز المناسبتين الكبريين التحوليتين الحديثتين عن بلوغ مقصدهما، وسمح لاشكال التماهي مع الغرب، والانصياع لنموذجه باسم الحداثة ان تصادرهما، وتشوه دلالتهما التاريخية الكونية، بما هما كثورتين تحوليتين ابتدائيتين بحسب النمط والخاصيات التاريخية العراقية لارض مابين النهرين ومهامها الكوكبية.
واخطر واسوأ ماقد مر به العراق الازدواجي التحولي، هو حالة الأحادية المفهومية وطغيانها، وهو ما تولد عن صعود الغرب وظاهرته، ومن ثم حضوره الاستعماري المباشر، عندما جرت وبالتزامن مع حالة فبركة الدولة البرانية عام 1921 وكلزوم لها من صلبها، عملية تكريس رؤية اخضعت العراق وتاريخه وواقعه الراهن لما ليس منه، ولايتفق مع بنيته ووجوده التاريخي، ولا المضمر في تكوينه، تبنتها النخبة العاجزة، أي تلك الفئات ممن تعرفوا على الظاهرة الغربية مع مطلع القرن المنصرم، اسما وسماعا، بلا أي اطلاع او تمحيص فعلي، ومن دون تعرف على خصوصيات واقعها هي، خارج العموميات والتداول الشائع، ماقد اوجد مايمكن ان يطلق عليه طور الوطنية المفبركة، التي تطمس الذات، وتحيلها الى حكم الاخر ومنظوره ونموذجه في الحياة والدولة.
وبعكس مايذهب له هذا النمط من الأفكار والتصورات الأحادية، كان العراق قد شهد واقعا، حالة اصطراع ميزت تاريخيه المعروف بالحديث، طرفه الظاهر والمنظور هو كل كتلة الفبركة على مستويي الدولة البرانية المركبة من خارج النصاب المجتمعي، وتلك التي اتخذت موقع معارضتها من موقع الفبركة ذاته، انما من اسفل، وطرفه الاخر الأساسي غير المنظور، ممثلا بالوطنية الكونية التحولية العراقية الرافدينية، والذي اليه تعود من حيث الخلفية والمحرك، كل مسارات وتعرجات التاريخ العراقي الحديث، ومجمل الاستحالات التي لحقت بكل مابعرف بتجربة الحداثة الأحادية الواحدية، المعاكسه والمضادة للواقع التحولي الازدواجي العراقي.
ويبدا الصراع المنوه عنه بين وجهتين من زمن ليس بالقصير، يعود الى النصف الثاني من الالفية الثانية، ويتمثل ببدء انتقال الغرب الى الالية المصنعية، والحداثة المعروفة في اوربا والعالم، يقابلها بدء الدورة التحولية العراقية الثالثة، مع تبلور مقدمات التشكل الراهن عند القرن السادس عشر في ارض سومر الحديثة في المنتفك، مع “اتحاد قبائل المنتفك”، وبدء الفصل القبلي من التشكل الحديث، قبل ان يحضر الفصل الثاني الديني التجديدي الانتظاري، بصعود موقع “دولة اللادولة ” النجفية، وحلولها محل القيادة القبلية الأولى، مباشرة بعد الثورة الثلاثية عام 1787 وماآلت اليه وتضمنته من احتدام التناقض بين القبلية المشاعية ومفهومها للادولة، والنزوع التغلبي االقبلي المستعار أصلا من خارج البنية المشاعية( ال شبيب).
وليست ظاهرة التواقت الزمني بين ظاهرتي الغرب وحداثته وثورته الالية الراسمالية، وبدء الدورة التحولية الرافدينية الثالثة المعاشة، من قبيل الصدفة، او مما يمكن ان يوضع خارج نوع الاليات المستجده الناظمة لحركة تصير التاريخ الإنساني عند نهاياته، ومن هنا وفي هذا السياق، يدخل التقاء هاتين الظاهرتين وتصادمهما مع بداية القرن العشرين، وتعرض ارض الرافدين لحالة الغلبة والسيطرة المفهومية، وعلى صعيد استلاب الذاتيه والحاقها بالغرب، الامر الذي سيكرسه العجز الذاتي العراقي، عند لحظة الانتقال الى الطور الثالث من مسارات التشكل الوطني الازدواجي، ومع اكتمال التشكل المذكور وشموله كل منطقة ارض السواد، وحضور الانكليز والظاهرة الغربية عند المنعطف المذكور، والذي هو عادة، وفي موضع محكوم تاريخيا لقانون التشكل من اسفل (1) الأكثر حساسية وصعوبه، بالاخص وانه قد حل اوانه في حينه، مع ظهور متغيرات ذات اثر قد يكون بنيويا، مع ماكانت اوحت به الاله ودورها في العملية الإنتاجية، وانعكاس ذلك المفترض على الاليات التاريخية التقليدية الموكولة للزراعية والعمل اليدوي في الأرض.
كل هذا بالإضافة لعوامل قصور ذاتي تقليدية، سهل وقتها مهمة تكريس الفبركة، في حين بدت هذه من قبيل الضرورة، والحالة التي يتوجب على العراق وينيته خوض غمارها، بما يشبه الاشتراط لاجل وقبل مقاربة الذات، والانتقال الى الحقيقة التاريخية المضمرة والمؤجلة غير القابلة للادراك تاريخيا وعلى مدى دورتين تحوليتين، هما السومرية البابلية الابراهيمية، والعباسية القرمطية الانتظارية، مر بهما العراق من دون ان يتمكن من اماطة اللثام عن ذاتيته وعما مضمر فيها، ومودع بين تضاعيفها من حقائق كبرى تخص المجتمعية والوجود البشري ومآلاته، خارج الاستلابية الموضوعية الأولى الأحادية المجتمعية، التي تترك الظاهرة المجتمعية بلا نهاية، ومن دون هدف ولا غاية مقدرة ومصصمه حتميا من “الغائية الكونية العليا”.
منذ ثورة تموز 1958 ،صارت التحولية ووعي الذاتيه الرافدينيه المتعذرة والمطموسة، هي الأفق الشاخص امام العقل، ومع انهيار وسقوط الفبركة من اسفل، ووطنيتها الحزبيه الايديلوجية الماركسية والقومية والليبرالية امام الحدث الثوري الكوني والتحولي الثاني، حل على العراق زمن، من اهم خاصياته، حضور حالة من المجهولية الالحاحية، فماحدث وقتها مع انهيار الدولة المفبركة البرانية، وسحقها واكلها من قبل العراقيين في الشوارع، لم يكن انهيارا لطرف واحد بذاته من عناصر الفبركة دون الاخر الذي تبدا من يومها ازمته الطاحنة، ويفقد اية أسباب موجبه تبيح استمراره او ماكان يتمتع به من حضور تطلبته اشتراطات الفترة مابين 1921/1958 تحوليا ،وليس كما يظن ممثلي هذه الظاهرة ويروجون مدعين نسبة وجودهم ودورهم لاسباب ودواعي مختلقة لاوجود لها، من نوع الطبقات وصراعها، او الشعور القومي ومااليه.
ويمكن لاي كان ان يتوقع او يحاول تخيل كيفيات ومسارات تشكل الرؤية التحولية الإمبراطورية الازدواجية ضمن الاشتراطات المنوه عن بعض ملامحها، مضافا اليها حالة اساسيه تكوينية متاتية من ظاهرة تأخر الادراك العقلي بإزاء الظاهرة المجتمعية ومنطوياتها والحقيقة الكامنه فيها، عدا عن الالية المفضية اليها على مستوى المعمورة، بما يضع مثل هذا الإنجاز بخانة العجز العقلي والمفهومي الإنساني قياسا لكل الفعل العقلي المجتمعي التاريخي على مستوى المعمورة، بالمقابل لابد من احتساب تمخضات النصف قرن الأخير، وصولا لبدايات القرن الحالي، والى اللحظة الراهنه، على مستوى العالم والعراق والمنطقة، وحجم الانقلابة المتراكمه أسبابها ودواعيها ، بعد الانتقال من المصنعية الغربية الى التكنولوجيا المؤجله المستوعبه، وانتهاء دور الغرب الأوربي كفعالية الية ومجتمعية لصالح الإمبراطورية المفقسه خارج رحم التاريخ، و اختفاء النموذج الغربي الانتاجوي العملي على صعيد التنطيم المجتمعي والدولة، وانهيار التوازن الغربي الصراعي مع غياب الاتحاد السوفياتي، واختفاء الفعالية الطبقية لصالح الالية وراس المال الربحي، الميال للاستقلال عن المجتمعي، وذهاب هذا بالاشتراطات الوجودية البشرية الى التدمير الكلي، والى دخول البشرية زمن “العيش على حافة الفناء” فوق كوكب تزداد أسباب عدم صلاحيته للحياة كما كان مقررا له سلفا، على اعتباره محطة مؤقته، بين المجتمعية والانسايوانية، واللامجتمعية الكونية، التي يغادر عندها العقل بقايا الحيوانيه الجسدية، كما هو محسوب ومقرر بالاصل، وعند بدء الحياة و وحضور قانون التحولية المجتمعية، التي ينتقل العقل بموجبها بين مسار ارتقائه وتصيره من ماقبل مجتمعية الى مابعدها، عبر قانون “العيش على حافة الفناء”، اللاارضوي، والذي كان بالاصل سائدا في ارض سومر ابان دورتيها الاولى والثانية ومايزال السابقتين على زمن التحولية وتحققها.
يدخل العراق منذ الثمانينات من القرنالماضي، حمأة التحولات الكبرى التي تسجل غياب الظاهرة الغربية، بينما يدخل هو الطور الثاتي من اطوار “العيش على حافة الفناء” بالتواقت مع بدء شمول العالم برمته ينفس القانون، فبعد ان كانت هذه ارض مابين النهرين، صارت الان ارض مابعد النهرين، بينما حلت عليها دوامة لاتنتهي ولاتتوقف من الحروب والاستحالات المتوالية، الحياتيه والوجودية، بما في ذلك ماعرف من غزو امريكي وحصار هو الاقسى المضروب على دولة في التاريخ قبل تنصيب مجموعة اللصوص باسم الدولة التي ماعاد لها من وجود، لافي العراق ولا على مستوى المعمورة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لمجتمع الازدواج التحولي الامبراطوري قانون تشكل ثابت، يغفله وينفيه الاحاديون ومن يهمهم اخضاع انفسهم للرؤية المستعارة المنسوخة من الغرب، هو قانون النمو والتشكل من اسفل، سومر في الدورة الأولى، والكوفة والبصرة اللتان انتجتا بغداد، في الدورة الثانية، بعد تحرر الاليات التاريخية المتوقفه بفعل وطاة الاحتلال الفارسي واشتراطات خاصة، بالفتح الجزيري.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *