المشكلة الاقتصادية والحاجات الاقتصادية

latifa_aldlimy

حمزة الشافعي
ماجيستير في الدراسات المقارنة
مستشار في التوجيه التربوي
تنغير /المغرب

يندرج الاقتصاد ضمن العلوم الاجتماعية، ويبحث في إدارة الموارد النادرة، كما يدرس المشكلة الاقتصادية المتمثلة في الندرة النسبية للموارد القابلة لإشباع الحاجات المتعددة للإنسان، وكيفية استخدام هذه الموارد المحدودة على أفضل نحو مستطاع، للوصول إلي أقصى إشباع ممكن لتلك الحاجات. ويهدف هذا المقال إلى تعريف المشكلة الاقتصادية والبحث في أسبابها، وطرح بعض الحلول الكفيلة بتجاوزها. كما يهدف كذلك إلى تعريف الحاجات الاقتصادية، تحديد خصائصها وكشف تداخلاتها مع الموارد المتاحة، العائدة من العملية الإنتاجية.

I. المشكلة الاقتصادية: تعريفها، أسبابها وطرق معالجتها
1 .تعريف المشكلة الاقتصادية:
تعتبر المشكلة الاقتصادية أحد أهم محاور علم الاقتصاد الأساسية. فنذرة الموارد الاقتصادية وتعدد الحاجات الاقتصادية وتزايدها المستمر هي جوهر علم الاقتصاد. كما أن السعي نحو حل مشاكل وتداعيات تزايد الحاجات الاقتصادية هي بمثابة أهم الرهانات التي تواجه المجتمعات الإنسانية، مهما كانت درجة تقدمها أو تطورها الاقتصادي والتكنولوجي .
وتتمثل المشكلة الاقتصادية في أي مجتمع، مهما كان نظامه الاقتصادي أو السياسي، في كيفية توزيع الموارد الناذرة بين الاستعمالات المختلفة، ذلك أن الموارد المتاحة في أي مجتمع لن تكفي باستمرار لتلبية وإشباع الاحتياجات البشرية المتعددة. ويمكن تقسيم عناصر المشكلة الاقتصادية إلى ثلاثة عناصر كبرى:
النذرة النسبية للموارد الاقتصادية
تعدد الحاجات الاقتصادية للإنسان
مسألة اختيار تلك الحاجات حسب الأولوية
وتتسم المشكلة الاقتصادية بصفة العمومية لأنها تواجه الفرد والجماعة معا. كما أنها تواجه كل المجتمعات سواء كانت متخلفة أو متقدمة، رأسمالية أم اشتراكية، زراعية أم صناعية. ويمكن القول أن المشكلة الاقتصادية لا تختلف في أسبابها ولا في عناصرها بين المجتمعات، بينما تختلف في طريقة معالجتها من مجتمع لآخر.
.2 أسباب المشكلة الاقتصادية:
يمكن حصر أسباب المشكلة الاقتصادية في ثلاثة أسباب مهمة، وهي:
النذرة النسبية للموارد الاقتصادية: النذرة هو سبب ظهور المشكلة الاقتصادية في المقام الأول. فالإنسان عندما يشعر بالحاجة ويفتقد في الوقت نفسه وسيلة لإشباعها، فإنه سيعتقد أن سبب مشكلته هو النذرة. وللوصول إلى ما يحتاجه من سلع وخدمات، فيجب عليه التوفر وخلق عوامل تتعلق التي تتميز بدورها بالنذرة. وكنتيجة لذلك، تبرز المشكلة الاقتصادية نتيجة نذرة عوامل الإنتاج الطبيعية (مواد أولية) أو الناتجة عن جهود الإنسان (الرأسمال البشري المؤهل)، وكلاهما ضروريان لإشباع رغبات الإنسان الاقتصادية.
وجود الموارد الاقتصادية لكن بشكل ناذر أو سوء استغلالها أو القابلية للنفاذ نظرا لاستغلالها المفرط.
تزايد عدد السكان بنسبة أكبر من حجم الإنتاج، مما يؤدي إلى نذرة وتناقص للموارد المستخدمة باعتبارها وسيلة لإشباع الحاجات الاقتصادية الإنسانية.
.3طرق معالجة المشكلة الاقتصادية:
إن التفكير في معالجة المشكلة الاقتصادية يجب أن يراعي ما يلي:
أولا: إقامة توازن بين نذرة الموارد وتعدد الحاجات الاقتصادية وتزايدها.
ثانيا: إشباع الحاجات الاقتصادية الإنسانية يتطلب وجود إنتاج مسبق للمواد لتحقيق هذا الإشباع عن طريق تحويل تلك المواد إلى سلع نصف مصنعة أو كاملة الصنع صالحة للاستعمال، من شأنها إشباع تلك الحاجات.
ثالثا: استمرار العملية الإنتاجية اللازمة لمواجهة الحاجات الاقتصادية المتزايدة للأفراد قصد إشباعها يستلزم تحفيز وتشجيع العناصر المتدخلة والمساهمة في عملية الإنتاج .

.II الحاجات الاقتصادية: تعريفها و أقسامها
.1تعريف الحاجات الاقتصادية:
الحاجة هي الرغبة، وهي ناشئة عن شعور شخصي بالميل للحصول على شيء من الأشياء. وتختلف درجة هذا الشعور باختلاف مدى أهمية هذا الشيء في نظر صاحب الرغبة.1 كما أنها الشعور بالحرمان يدفع الفرد إلى معرفة الوسيلة الملائمة والكفيلة بالقضاء على هذا الشعور، لإشباع حاجته. وفي معناها الاقتصادي، فالحاجة هي كل رغبة تجد ما يشبعها في مورد من الموارد الاقتصادية.2
.2أقسام الحاجات الاقتصادية:
تنقسم الحاجات الاقتصادية إلى أقسام مختلفة وفقا لمعايير متعددة، وهي كما يلي:
الحاجات الضرورية والحاجات الكمالية: فالحاجات الضرورية هي التي تتوقف حياة الإنسان على إشباعها مثل الغذاء والكساء والمسكن، أي أنها لازمة لحفظ وجود الإنسان. أما الحاجات الكمالية فإنها تزيد متعة العيش ولا تمس الحياة نفسها كاللهو، المرح، الاستمتاع، الترفيه والسياحة.
الحاجات الفردية والحاجات الجماعية: فالحاجات الفردية تهم الفرد نفسه، وتمس بحياته الخاصة بصفه مباشرة كالغذاء واللباس، أما الحاجات الجماعية فهي كل ما يرتبط بالجماعة ككل، كالصحة والأمن والتعليم.
الحاجات الآنية والحاجات المستقبلية: معيار التمييز بين هذه الحاجات في هذه الحالة هو الزمن. فكل حاجة تتطلب إشباعا دون تأخير أو تأجيل، فهي من الحاجات الآنية أو الحالية. أما ما يتطلب إشباعا في فترة زمنية لاحقة أو مستقبلية فتندرج ضمن الحاجات المستقبلية.
الحاجات الدورية والحاجات العرضية: الحاجات الدورية هي الحاجات التي تتجدد من وقت الآخر بصفة دورية كالحاجة إلى الطعام والشراب واللباس. وأما الحاجات العرضية فإنها لا تأخذ صفة الانتظام ، بل تظهر بشكل مفاجئ أو متقطع أو غير منتظم كالترفية والسياحة الخ.

.IIIالحاجات الاقتصادية بين الموارد المتاحة والعائد من العملية الإنتاجية ونمط توزيعه واستخدامه:
.1حجم الحاجات الاقتصادية:
يتوقف حجم الحاجات الاقتصادية على العديد من العوامل الطبيعية والاجتماعية والسياسية، بالإضافة إلى الأسباب الاقتصادية. ويتضح هنا أن هناك بعض العوامل التي لا يمكن التحكم فيها (العوامل الطبيعية مثلاً)، وبعض العوامل الأخرى من صنع المجتمع وأفراده، ويمكن التحكم فيها (مع اختلاف في مدى سهولة أو صعوبة التحكم من مجتمع لأخر). أما مشكلة النذرة كإحدى تجليات المشكلة الاقتصادية الرئيسية فيمكن تدبيرها، شريطة التحكم في العوامل المحددة للحاجات لتتوافق مع مستوى الموارد المحدودة، وبشرط تحقيق مستوى معيشي مقبول اجتماعياً (لصالح غالبية الساكنة على الأقل).
.2حجم الموارد المتاحة:
يتوقف حجم الموارد المتاحة على العديد من العوامل أبرزها:
العوامل الطبيعية التي تتحكم في المناخ، التربة، الثروات فوق الأرض، في باطن الأرض، في البحار وفي الأنهار.
القدرة على اكتشاف هذه الموارد واستغلالها عند اكتشافها.
درجة التطور العلمي بما يتيحه الآن من إمكانيات لا محدودة في اكتشاف العديد من الموارد وإطالة عمر وتنمية الموارد المحدودة الموجودة .
مدى السيطرة على الموارد المحلية وتوجيهها لصالح المجتمع. بمعنى عدم وجود قوى خارجية تستغل تلك الموارد لصالحها، أو قوى داخلية تحتكر استغلالها لنفسها .
مدى نجاعة وحكامة استخدام الموارد الموجودة (والمكتشفة)، ومواجهة مشكلة استنزافها.
.3حجم الناتج والعائد من عملية الإنتاج:
يظل حجم الناتج والعائد من عملية الإنتاج رهينا بعدة عوامل أهمها:
تأثير العوامل الطبيعية المختلفة على الناتج كماً وكيفاً، خاصة في القطاع الزراعي (الذي يشمل الصيد وتربية الحيوان) .
مدى الكفاءة التنظيمية في إدارة عملية الإنتاج لتقوية وتعزيز العائد.
مدى سيطرة المجتمع على الشروط الضرورية لعملية الإنتاج (خاصة ملكية وسائل الإنتاج)، ومدى قدرته على توجيهها لصالح غالبية أفراده.
مستوى التطور العلمي والتكنولوجي السائد، وقدرته على الرفع من الناتج من الموارد المتاحة.
مدى أهمية الروح الإنتاجية، كقيمة في نسق القيم السائد داخل المجتمع.
مدى قدرة القوى الخارجية وتأثيرها على قدرة المجتمع في تقوية العائد الأكبر من عملية الإنتاج، بطريقة أفضل وأنجع .
.4نمط توزيع العائد واستخدامه:
يرتبط نمط توزيع واستخدام العائد بإعداد وإشباع عملية النمو، وكذا بتجدد الإنتاج في المستقبل. كما يتوقف على العديد من العوامل، أبرزها ما يلي:
التركيب الطبقى للمجتمع ودور الطبقات المسيطرة، وما تتمتع به من نفوذ يتيح لها نصيباً من ناتج لا يتناسب مع عملها، أو حجم ملكيتها لوسائل الإنتاج .
طبيعة العمل، انتاجيته، حجم عرضه والطلب عليه.
نصيب الفرد في ملكية عناصر الإنتاج التي تتيح له الحصول على جزء من الناتج . وزيادة ما تحت سيطرة فرد أو مجموعة من الأفراد من وسائل الإنتاج عن حد معين تعطيهم قوة اقتصادية إضافية تمكنهم من الحصول على جزء أكبر من الناتج الصافي بالنسبة للحصص/للأنصبة التي تحصل عليها الطبقات أو الفئات الاجتماعية الأخرى .
السياسة المالية للدولة وما تؤدي إليه من إعادة توزيع الدخل من ناحية السياسة المتبعة في الاستيراد والإنفاق (النفقات).
القدرة التي تستأثر به القوة الخارجية عن عائد الإنتاج في المجتمع.
مدى توافر الوعي التنموي الادخاري والاستثماري في المجتمع على مستوى الأفراد والقيادة .
مدى سيطرة المجتمع على شروط تجدد الإنتاج والنمو، خاصة في مواجهة القوى الخارجية.
خاتمة؛
تظهر المشكلة الاقتصادية في كل المجتمعات مهما كان نظامها الاقتصادي والسياسي. وتتعدد أوجه المشكلة الاقتصادية وتتشابك أبعادها، مما يستوجب البحث عن البدائل الكفيلة بتجاوزها أو التخفيف من حدة تداعياتها المتعددة. وهذا يجعل منها ركيزة علم الاقتصاد ككل. و تعتبر مسألة الحاجات الاقتصادية من بين أبرز تجليات المشكلة الاقتصادية لكون تلك الحاجات الاقتصادية للأفراد متعددة وغير محدودة ( ولكونها أيضا متجددة)، في مقابل محدودية الموارد المتاحة لإشباع تلك الحاجات.
المراجع:

-ماجد بن عبد الله المنيف, مبادئ الاقتصاد التحليل الجزئي, الرياض ,جامعة الملك سعود,1418هـ.
-إسماعيل محمد هاشم, مبادئ الاقتصاد والتحليل, بيروت ,جامعة بيروت العربية,1978م.
-علي حافظ منصور,د/محمد عبد المنعم عفر، مبادئ الاقتصاد الجزئي، جامعة الملك سعود,1399هـ.
-عبدالله غانم، المشكلة الاقتصادية في الإسلام، ص206 وما بعدها، المكتب الجامعي الحديث، الأسكندرية 1987.
-اﻟﺴﻴﺪ ﻋﺒﺪ اﻟﻤﻮﻟﻲ : أﺻﻮل اﻻﻗﺘﺼﺎد ، دار اﻟﻨﻬﻀﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ، ١٩٩٨.
-Moon, B. E. and Dixon, W. J. “Basic needs and growth-welfare trade-offs”, International Studies Quarterly vol. 36. 1992.
-Beinhocker, E. The Origin of Wealth: Evolution, Complexity and the Remaking of Economics. Harvard Business-, The past as the present, by Galbraith, First published in great Britain by Hamesh Hamilton. 1987.
-Lipsey, R.G.A. Introduction to positive Economics, London, 1973.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *