الفساد..بين تجربة سنغافورة وتحديات الكاظمي(2)

latifa_aldlimy

أ.د.قاسم حسين صالح

أشرس المعارك واعقدها هي المعركة ضد الفساد، ولهذا اضطر السيد العبادي أن يتجنها مع انه وعد العراقيين بضرب الفاسدين بيد من حديد،ولم يستثمر في حينها فرصة تاريخية كانت ستجعل منه رجل دولة وبطلا شعبيا يوم ايدته المرجعية وجماهير الفقراء ،لأنه ادرك ان المسؤولين الكبار باجهزة الدولة وقيادات الكتل السياسية متورطة كلها بالفساد،واستحالة تشكيل حكومته اذا تضمن برنامجها الكشف عن الفاسدين، وانه ربما التقط العبرة من سلفه السيد نوري المالكي الذي صرّح بأن( لديه ملفات عن الفساد لو كشفها لانقلب عاليها سافلها)..فاسكت صوتا في داخله يدعوه الى فضحهم وقلب عاليها سافلها،مبررا خذلانه بخطاب له بجامعة بغداد في 27 / 11/ 2017 بأن (الفساد مافيا، يملكون المال، فضائيات، قدرات، يستطيعون ان يثبتوا انهم الحريصون على المجتمع، وهم الذين يحاربون الفساد، ولكنهم آباء الفساد وزعماء الفساد)،مع ان وثيقة الاتفاق السياسي بين الكتل السياسية المشاركة بحكومة الوحدة الوطنية 2014 تضمنت بندا صريحا ينص على (محاربة الفساد المالي والاداري ومحاسبة المفسدين واجراء الاصلاحات اللازمة في الجهاز الاداري للدولة واعتماد اسس وستراتيجيات جديدة بما في ذلك مراجعة واقعية لمنظومة مكافحة الفساد وتجاوز الثغرات القائمة)..فضلا عن ان البرنامج الحكومي تضمن في ( خامسا: الاصلاح الاداري والمالي للمؤسسات الحكومية) فقرة خاصة بمكافحة الفساد تضمنت اربع نقاط بينها: (انجاز الستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد (2014 ـ 2017) بالاشتراك مع الاجهزة المعنية، ودعم استقلالية ومهنية الاجهزة المعنية بمكافحة الفساد واجهزة انفاذ القوانين)..ما يعني ان على اصحاب وجهة النظر هذه ان يراقبوا اداء الحكومة في تنفيذ برنامجها الخاص بمكافحة الفساد بانواعه الثلاثة:المالي والاداري والسياسي،ثم يقرروا ويحكموا.

وموضوعيا،ينبغي ان لا نطلب من السيد مصطفى الكاظمي،وليس صحيحا ان يطلب منه العراقيون ضرب الفاسدين في اول شهر لتوليه المهمة،لأن محاربة الفساد تحتاج إلى”النضال الطويل والمكلف والمؤلم من أجل النجاح”،وفق ما يرى برتراند دو سبيفيل صاحب كتاب”OVERCOMING CORRUPTION”الذي يعدّ مرجعا أساسيا في مجال محاربة الفساد..بمعنى أنه لا يمكن الحصول على نتائج ذات أهمية دون”تحمّل وصبر” من مختلف المتدخلين خاصة المواطنين الذين يشكلون الضحية الأولى للفساد.

والفساد برؤية(دو سبيفيل) داء مزمن ومستفحل يحتاج علاجه إلى تضحيات جسام،وتتطلب مكافحته استراتيجية وطنية ذات أهداف واضحة وقابلة للتحقيق تتأسس على ثلاثة مرتكزات تسند بعضها بعضا هي”التحقيق والملاحقة،والوقاية عبر تطوير المساطر والأنظمة،ثم التربية والتوعية باعتبارهما ضروريين لمحاربة الفساد لدى الأجيال الناشئة،وتغيير النظرة المجتمعية المتسامحة معه أو التي تجعل منه شراً لا بد منه. ما يعني أن الفساد لم يفقر الناس فقط بل افسد القيم ايضا وهرّأ الضمير الأخلاقي بتحويله من فعل كان يعدّ خزيا الى”شطارة”..وبتبادل التهم بين معممين انتهكوا قدسية الدين..ولهذا ينبغي على السيد الكاظمي ان يحيط نفسه بمستشارين في العلوم التربوية والنفسية من المستقلين تحديدا ليضعوا استراتيجية علمية لأعادة بناء المنظومات القيمية.

الكاظمي والمتظاهرين

أكيد أن السيد الكاظمي يتذكر تظاهرات (شباط 2011) وتظاهرات المحافظات في( 31 آب 2013 )التي طالبت بالغاء الرواتب التقاعدية لأعضاء البرلمان والدرجات الخاصة التي ينفرد بها العراق من حيث ان عضو البرلمان في بلدان العالم،يعود الى سابق وظيفته حين انتهاء عضويته ،وان هذه الرواتب هي الأضخم عالميا التي شكلت ( 40% ) من ميزانية الدولة التي تعادل ميزانيات ست دول عربية مجتمعة.

ويتذكر ايضا تظاهرات( 2014) يوم هتف المتظاهرون (نواب الشعب كلهم حرامية)،وهو أحد أهم مطالب انتفاضة تشرين(2019)..وان السيد الكاظمي صريح في موقفه بأنه مع المتظاهرين وسيعمل على تحقيق مطالبهم.

تجربة سنغافورة

تعدّ سنغافورة أنموذج الدولة الخالية من الفساد باعتمادها إجراءات حددها “سوه كيى هيين” مدير مكتب التحقيق السنغافوري بعشرة يبدأ اولها:بـ (عدم السماح للمفسدين بالتمتع بما حصلوا عليه من مكاسب غير مشروعة،وفضحهم بجعل الناس تنظر لهم بوصفهم عارا على المجتمع).

فهل يمكن لحكومة السيد الكاظمي اعتماد هذا الأجراء؟

الجواب الموضوعي..كلا ،ليس فقط كونها انتقالية بل انه لو بدأ فأن حيتان الفساد ستبتلعه وحكومته قبل ان يطيح بهم.

ثلاثة اجراءات

في ضوء تحديات المحنة التي تواجه السيد الكاظمي ،فانه يمكنه اتخاذ ثلاثة اجراءات:

الأول:اصلاح النظام القضائي بما يولّد الثقة عند العراقيين بانه قد اتخذ الاجراء العملي لمكافحة الفساد،تبدأ بتعديل المادة 136 من قانون المحاكمات الجزائية التي منحت الوزير صلاحية ايقاف الاجراءات القضائية بحق من يشغل منصبا ادنى من الوزير والتي تعني عدم امكانية استدعاء وكيل الوزير او المدير العام حتى لو كانت عليه قضية فساد مالي.

الثاني:تشكيل لجنة من مستشارين سيكولوجيين وتربويين وقضاة واعلاميين مستقيلن سياسيا،تكون مهمتها فضح الفساد والفاسدين أخلاقيا باعتماد استراتيجية تستقطب رجال دين وخبراء اقتصاديين تستهدف احياء الشعور بالمواطنة،وتنشيط الضمير الاخلاقي،واحياء الشعور بالذمّة التي تعني العهد والكفالة حين يكون الشخص مسؤولا عن الرعية.

الثالث:ضمان اجراء انتخابات نزيهة باشراف دولي تضمن وجود مراقبين من القيادات التنسيقية للمتظاهرين.

وتبقى قضية غاية في الأهمية لصالح السيد مصطفى الكاظمي،هي ان هنالك قرارا غاية في الاهمية صادر من المحكمة الدستورية في العراق يقضي (بالغاء المحاصصة) حصل عليه المحامي شوكت سامي السامرائي، ويمكن للسيد الكاظمي استثماره ،راجين من مكتبه الأعلامي التواصل معنا لتزويده بصورة القرار وارقام هواتف السيد شوكت.

ختاما.

ان الحاكم الذي يعمل فعلا على مكافحة افسد حكومات العراق من يوم اصبح دولة،سيدخل التاريخ من أوسع ابوابه..فهل سيفعلها الكاظمي؟

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *