العراقيون..في المختبر السيكولوجي (الرابعة والأخيرة) الأنتخابات

latifa_aldlimy

أ.د. قاسم حسين صالح

 

في زمن النظام الدكتاتوري،مارس العراقيون الانتخابات باستفتائهم على مبايعة صدام حسين رئيسا لجمهورية العراق.وفيها كان المواطن العراقي يذهب الى المركز الانتخابي فيستلم ورقة تحمل سؤالا واحدا يتضمن اسم مرشح واحد لرئاسة الجمهورية هو صدام حسين، وامامه بديلان: ” نعم ” و ” لا ” . وكانت نتيجة الاستفتاء أن العراقيين اجابوا بـ ” نعم ” بنسبة ” 99 % ” .. واذكر أن السيد ” عزت الدوري ” عّلق على هذه النتيجة بقوله ” ان الذي لم ينتخب صدام حسين اما معادي أو مجنون!

كان العراقيون الـ “99 % ” الذين اجابوا ” بنعم” يتوزعون بين من اراد دفع الشرّ عنه وعن عائلته ، ويائس يعرف أنه حتى لو اجاب بـ ” لا ” ومستعد لتحمّل تبعتها فان صوته لا يغير من واقع الحال شيئا”،وبين من كان يحب صدام فعلا” فكتب ” نعم ” بدمه { حبا” أو نفاقا” }، وأخرى بطريقة صورتها اغنية تقول ( بايعناك مو بس بالورق والله ..احنه قلوب بالصندوق خلينه!).

وكانت آول مرّة يمارس فيها العراقيون الانتخابات بعد( 9 ـ نيسان ـ 2003 )هي تلك التي جاءت بأول برلمان ديمقراطي في (2005).وفي الواقع،فأنه لا يوجد فرق جوهري في العملية العقلية بين الانتخابات التي ثبّتت صدام حسين رئيسا للجمهورية وبين الانتخابات التي جاءت باعضاء ذلك البرلمان، واليك التحليل:

ان الانتخابات من هذا النوع يجب ان يتوافر لها شرطان هما: الحرية والمسؤولية. ونعني بالحرية ان يمارس الناخب حقه في الادلاء بصوته من دون رقيب عليه أو شعور بالخوف أو توقع عقوبة معنوية أو ماديه،فيما تعني المسؤولية ان الناخب اذا اختار البديل ” ع ” من بين عشرة بدائل مثلا” فانه مسؤول عن هذا الاختيار بأن ” ع ” هو الافضل والاكفأ.

ما حصل في انتخابات صدام حسين،ان شرط الحرية كان معدوما”،لأن الناخب العراقي كان مجبرا” ان يضع علامة ” صح أمام” نعم ” وحين ينعدم شرط الحرية في الانتخابات ينتفي شرط المسؤولية بالتبعية.

وما حصل في انتخابات برلمان 2005 فان الناخب العراقي كان يتمتع بالحرية ولكنه ما كان يتمتع بالمسؤولية ” في ختيار البديل الافضل.ولهذا فان النوعين من الانتخابات ( انتخاب صدام حسين،وانتخاب البرلمان الديمقراطي ) لا فرق بينهما في المحصلة النهائية من الناحية العقلية،لأن الناخب العراقي في انتخابات صدام حسين كانت يده قد تلقت امرا” من المركز الدماغي المتخصص بالخوف، فيما تلقت أمرا” من المركز الدماغي المتخصص بالانفعال في انتخابات البرلمان الديمقراطي،وأنه في كلا الحالين لم تتلق يد الناخب أمرا” من المركز الدماغي الخاص ” باتخاذ القرار ” الذي يصدر عن ادراك ووعي ومفاضلة .

وسيكولوجيا،تعزى الحالة الانفعالية التي تحكمت في الجماهير العراقية (البنفسجية) التي جاءت باول برلمان ديمقراطي الى أربعة أمور اساسية:

الاول: ان الشخصية العراقية انفعالية سيكولوجيا” بطبيعتها.

الثاني: ان استجابات العراقيين في الانتخابات كانت رد فعل على ظلم النظام السابق ومن يحسب عليه.

الثالث: ان ثقافة الضحية التي اشاعها السياسيون عملت على تعطيل أو تخدير العمليات العقلية الخاصة بعواقب الأمور.

والرابع: ان القيم الدينية تكون أقوى تأثيرا في الجماهير الشعبية من القيم السياسية في الانتخابات الوطنية.

والدرس الذي نستخلصه هو:

( ان الجماهير الشعبية التي تمارس الانتخابات في اجواء انفعالية بعد
تحررها من نظام استبدادي قد تجني على نفسها بكارثة جديدة تكون
اوجع واشمل من كارثة النظام الدكتاتوري الذي تخلصت منه)..وقد حصل!

برلمان 2010.. لم ينتخبه الشعب!

نشر المحامي طارق حرب مقالا بعنوان(15 نائبا” انتخبهم الشعب والباقي انتخبتهم الكيانات:الصباح، 10 نيسان 2010)، ونشر محمد عبد الجبار الشبوط مقالا بعنوان (لعبة الارقام: الاسبوعية،العدد 116)، كلاهما يشخصّان خللين كبيرين رافقا العملية الانتخابية التي جاءت ببرلمان (2010)،الأول: أن (310) من اعضاء ذلك البرلمان لم ينتخبهم الشعب لعدم حصولهم على الاصوات التي تجعلهم نوابا”،بل صاروا كذلك بأضافة عدد من اصوات الكيانات السياسية التي ينتمون اليها،وان (15) شخصية فقط حصلت على القاسم الانتخابي والعتبه الانتخابية من الاصوات،توزعوا على:(5 للعراقية،4 الائتلاف الوطني،3 دولة القانون، و3 للتحالف الكردستاني والاسلامي) دخلوا البرلمان بأصواتهم هم لا بأصوات كياناتهم، كما الحال مع الـ (310) نائبا” الذين فازوا بما (تصدّقت) عليهم اصوات كياناتهم!. فضلا عن حالة معيبة..اعتباريا وسياسيا ونفسيا!.هي الكوتا النسوية التي جاءت باكثر من 60 عضوة من اصل 81 لسن بمستوى كفاية وفاعلية مرشحين سلبن حقهم ، فيما نريد لها أن تكون ندا ايجابيا للرجل حتى في الميدان السياسي،فقد حصلت نساء على أصوات لم يحصل عليها رجال بشوارب ولحى وعمائم..وفازت بامتياز سيدة نجفيه لم تعلق صورة واحدة لها.

وتحليلنا السيكولوجي لهذه النتائج يفضي الى القول بأن الناخب العراقي ما كان مطمئنا للعملية السياسية،وان هنالك أزمة ثقة بين المرشحين والناخبين نجمت عن طائفية وشيوع فساد وتلكوء حكومة وخبرة سيئة لبرلمان (قضى نحبه) كما وصف في حينه،وأن ثقة الناخبين استقطبت (15) شخصية فقط من بين أكثر من ستة آلاف مرشح!.

وجاءت انتخابات 2014 لتؤكد انه لا سبيل للتغيير الديمقراطي عبر الانتخابات التشريعية، لتوصل الناخب العراقي الى حالة التيئيس في انتخابات 2018 حيث عزف عن المشاركة فيها اكثر من 70% من العراقيين..والمفارقة ان هذه الانتخابات شهدت تسابقا نحو الوصول الى البرلمان بارقام قياسية بلغت 27 تحالفا و 143 حزبا!.والسبب ان السياسيين عاشوا حالة(غزوة بدو) بأن اعتبروا العراق غنيمة لهم وأن عليهم ان يتقاسموه..فتقاسموه!،وبهذه القسمة تحولت السلطة من وظيفتها الرئيسة المتمثلة بأدارة شؤون الناس الى وسيلة لجمع الثروة.ومن هذه الحاضنة السياسية جاء الوليد الاقتصادي بتحديد راتب وامتيازات لعضو البرلمان لا يتمتع بها اي عضو برلمان في العالم.وبمجيء الدورة البرلمانية الأولى، وتمتع اعضائها بالرفاهية،فأنها انجبت الوليد الأخطر والأقبح أخلاقيا ودينيا،ذلك ان النائب أدى اليمين بان اقسم أمام البرلمان والشعب بانه سيحافظ على ثروة البلاد، فتحول الى أكبر سارق بتاريخ برلمانات العالم..وافتضح أمرهم بوصف الناس لهم بأنه (كلهم حرامية)..وبتكرارها فأنهم ما عادوا يخجلون من الفضيحة..ولأنهم خسروا سمعتهم الأخلاقية،فانهم تفننوا وتعفرتوا في الحصول على المزيد من الثروة،كافراد فيما فتحت خزائن احزاب الأسلام السياسي ابوابها لنهب الثروة..بطريقة يسألونها هل امتلئت تقول هل من مزيد!.

بهذا نكون قد وثقنا للتاريخ والأجيال ما حصل بعد( 9 نيسان – ابريل 2003 ) لغاية 2020 التي قد تشهد او تمهد لأنتخابات نزيهة تصنعها انتفاضة تشرين 2019.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *