(حياة)

latifa_aldlimy
…………………………
معارج الفكر / المانيا / برلين
…………………………..


(حياة)

مصطفى داود كاظم

تَنَحّ أيّها النهر واتركْ فُسْحةَ تأمّلٍ لـ بزيبز كيما ينفض الغبار العالق في أقدام العابرين أو أن يرسم مشاهدَ بانورامية ليوم الحشر المعقود عنده قيامةً أرضيةً…. الأجساد المترنحة فرط التعب والعقول المسلوب لبّها بسطوة الهلع والدمع السخين لأُمهات لامس الجزع أفئدتهن فأفرغنه عبرات فوق المعبر…حشرٌ أرضي بلا شفقة سماوية….. عيسى لَبسَ طاقية الإخفاء رغم انّه تمنى أن يدّخر طلبه للمائدة السماوية ليوم كهذا تصطرخ فيه بطون الأطفال سغباً،،، موسى فقد الألواح عند سيطرة مشتركة جردته من كل شي ومضى يذكر محاسن قومه لان فيها بقية خير يطارح فيها الأمم يوم الحساب .. النبي الأمي أشاح بصره عن كُلّ جهات الأرض ورفع عينيه للسماء وتذكر انه للشيطان قرن يخرج من ها هنا …من هذه الأرض العقور ..لم يرق الميدان سوى لـ زارا الذي حمل مشعل ناره ليحرق به الأجساد ودراكولا ليستزيد من الدم المسفوح عبّا …حتى الجنود الذين كانوا يمسكون بالمعبر مادت بهم الأرض وفقدوا بوصلة حواسهم ..فمنهم من يبكي لبكاء الأطفال وبعضهم سقى العطشى من النساء وآخرين كانوا يركلون ببساطيرهم الرجال الذين تدافعوا للعبور..حشر لم يألفه الجمع المحتشد عند المعبر ..كان الهروب عنوانهم العريض دون ان يحملوا لافتاته وكان الجوع والعطش دربا افعوانيا امتد من منازلهم المهجورة ليفرغ هواءه عند تخوم النهر..بزبير لم يكن ليحلم بواقعة كهذه لولا الحرب التي سقطت في كف طفلة ظلت عالقة فيها لوحدها في منزل مهجور …والحرب هنا غيرت قوانينها..تركت الحدود والسواتر والخنادق لتشتعل في الثكنات والمدن الصغيرة والكبيرة …نزعت قيافتها وغيرت نشيدها…ولم يعد اسم الله فيها مستهل أذان أو تكبيرة إحرام ..صار النزوح فيها يساوي إزاحة بشرية إن لم يسبقه الفناء…بزيبر لم يغنم شيئا من الجموع المكتظة بالعوائل… كان ظهره ينوء بثقل العابرين لكن قلبه ناء بحمل سؤال ضارع سؤال أبي الهول لمن أراد المرور :
هل فيكم حياة أيّها العابرون؟
هل تركتم حياة ،،ولمن تركتموها ؟
جميع العوائل النازحة لم يكن السؤال المضمر تحت عباءة الهجرة القسرية ليعني لهم شيئا سوى عائلة واحدة كبيرة التحمت أطرافها عند المعبر وبدأت تتفقد أطفالها ….صرخت الأم:
حياة …أين حياة ؟
ذهل الجميع… لم تكن فيهم حياة وفقدت الأم إحساسها بالمعبر وبمن حولها وسقطت مغشياً عليها لا من هول الحشر ولا من الجوع والعطش …سقطت لفقد ابنتها حياة كانت الوجوه يضرب بعضها بعضا وعلامات الاستفهام أخرست الألسن …
كيف حصل هذا؟
اختنق السؤال في صدر والد حياة وحبس دمعة دمويه كادت ان تنفجر بها عيناه ….. أيكون الخوف سببا لنسيانه قطعة من جوهر روحه ،،،هل يمكن للرعب الذي خلفه اشتداد القصف وقسوة المعارك والهلع من القادم المجهول أن يكون عذرا كافيا لتبلد الإحساس باختزال نسيج حيوي من تكوينك .???… وحياة أغنية تبرعمت في جسد الحرب ،،أغنية محرمة في عقيدة المتحاربين كان بزبير يومئ للأب،، أن عُدْ من حيث أتيت واكتب عند خاصرة المعبر أن لا حياة بلا حياة حتى لو كانت جثة هامدة …. في الطريق السالبة حيث الحرائق والقرى والمدن المهجورة والسبل التي تقطعت برغبة المتحاربين امتثل والد حياة لإشارة أضلاعه قبل أضلاع المعبر وعاد القهقرى ليبحث عن حياة كان عليه أن يخوض في حقول ملأى بالمجاهيل بين من يلبسون الخوذ وآخرين تلتف الخرق السوداء حول رؤوسهم فاصطدم أولا بحاجز عسكري…. قال : تركت ابنتي هناك …..لم يصدقه أحد،،، حتى إنّ بعضهم غَضِبَ من نكتته السمجة في جو مشحون بالعصف والقصف لكن عيونه دلّت على عِظَمِ مصيبته قال لهم اقتلوني إن لم تسمحوا لي العبور… أريد ابنتي ….
حياة لم تبلغ عمر الكلام ….أربع سنوات فقط،، قالوا له : إنك في طريقك للانتحار أيها الرجل فكيف تخاطر بحياتك بهذه الطريقة المجنونة ؟ قال :
لا أريد حياتي ..أريد حياة فقط .. بهذه الطريقة كسب تعاطف الضابط المسؤول عن الحاجز فسمحوا له بالمرور إلى وجهة غير آمنة بالمرّة …. الطريق طويل ،،،طويل جدا لكنه يختزل حرقة قلب من ضَيّعَ وديعةً لا يناظرها شيء. كم من الوقت يتعين عليه أن ينفقه حتى يصل الى هناك..الى الدار الذي شهد أكبر غفلة قلب وغياب انتباه بحجم كارثة النزوح أو أكثر… ماذا لو تعرّض الدار الى قصف بقذيفة مدفع أو قنبرة هاون ..تَخيّلَ أن طائرة حربية أفرغت حمولتها عليه ،،ولربما قام مسلحون بتفخيخ المنزل دون أن يلحظوا وجود حياة في زاوية من زواياه…ستكون حينها جزءاً من حطام أو جثة تحت الركام… احتمالات مرعبة ساورت ظنونه وهو يقطع المسافة الصعبة باتجاه حياة ،،المسافة المُلَغَّمة بكل ما هو مؤدٍ إليها. بقيَ احتمال أن يجدها هناك بانتظاره ،لكنّ هذا الاحتمال سرعان ماتبخّر من مخيلته حين أحاطت به مجموعة مسلحة…كمين شبحي لان الوجوه ليست قابلة للظهور كائنات مبهمة كلّ شيء غامض فيها ماخلا أسلحتها… مثل صاعقة وقع عليه الارتباك، جحظت عيناه ،لم يعرف ماذا يقول..تحشرجت عبارة مرتبكة في فمه دون رغبة منه:
– من أنتم ؟
* سؤال صفيق لمتسلل وقح…بل من أنت ومن أرسلك؟…ستكون وجبة عشاء فخمة لضواري الليل ،لكن ليس قبل ان تدلوا بكل ما عندك. أوثقوا يديه خلف ظهره وعصبوا عينيه..أيقن أنهم سينفذون عملية إعدام سريعة له،، لاجدوى من المقاومة ولابدّ أن القدر رسم له نهاية مماثلة لنهاية إبنته حياة ..سمع صوت حركة أقسام لسلاحهم ،،تمتم بكلمات فلم يبق متسع من الوقت ..حينما أرعدت البنادق صرخ مذعورا من غفوة صغيرة غافلته وهو مستلقٍ ليريح جسده من تعب الرحلة… كل شيء قابل للتأجيل سوى تلكم الرحلة المقدسة ..كان يقترب من داره التي تركها أمس برغبة الفرار ..هاهو يعود بلهفة طافحة على جناح أمنية واحدة ..الظفر بحياة وليكن بعدها ما يكون ..العودة أو اللاعودة لـ بزيبز .. في الباب دكة وفي الدكة شعاع انبثق ليصل الى قلبه وفي الشعاع عيون تترقب ..أنفاس تصادت ،،وايقاع قدميه ريح مستوفزة…على الدكة رداء أحمر اتضحت معالمه وأنفتحت له ذراعان وصوت بكاء كان يتقاطع عند أغنية من أغاني الفجر …
كانت حياة.

من مجموعتي القصصية

“ليست من نسج الخيال

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *