إختيار الشريك الزوجي (بين النزعة الفردية والنزعة الإجتماعية)

latifa_aldlimy

إختيار الشريك الزوجي (بين النزعة الفردية والنزعة الإجتماعية)
بقلم: سلام شمس الدين

……………………………………………..
خاص بمعارج الفكر / الادب النسوي
………………………………………………

الإختيار الزواجي هو الطريقة التي يعبّر فيها الفردعن وضعه من أعزب إلى متزوج, وهو سلوك إجتماعي يهدف الى تحقيق رغبة نابعة من حاجة أساسية لدى الفرد, حيث ينتقي الفرد من عدد من المعروضين, وجرت العادة أن يبادر الرجل بالتودّد الى المرأة قصد الزواج, وهذا لا ينفي دور المرأة في تطوير هذه العلاقة. وقد أجمعت كل النظريات التي إشترك بها علماء الإجتماع وعلماء النفس في معالجة قضية الإختيار الزواجي, بأن هذه العملية ممارسة نفسية-إجتماعية, تخضع لعوامل متعددة ومتداخلة, ثقافية, إجتماعية, نفسية وإقتصادية, وهذا ما يجعل هذه العملية ميزة من مميزات كل مجتمع وكل عصر. ومن هنا نطرح التساؤل الآتي: هل تحررت المرأة من الإستعباد التقليدي فعلاً, وتمكنت من تخطّي القوالب الجاهزة المتوارثة كما يحددها ويرسمها لها المجتمع سلفاً في مجال إختيار شريك حياتها؟ وما هي الأنماط السائدة والمعايير المتبعة في عملية إختيار الفتاة لشريك حياتها في مجتمعنا اللبناني؟. إن الإجابة على هذا التساؤل تنطلق من دراسة ميدانية أجريتها عام 2015 شملت عينة من النساء المتزوجات في جميع المحافظات اللبنانية والتي أكدّت على حدوث تغيرات بنيوية داخل الأسرة, ترجع إلى الكثير من التغيرات الإجتماعية والإقتصادية التي حدثت في مجتمعاتنا, سيما بعد الثورة التكنولوجية التي شهدها مجتمعنا اللبناني في التسعينات من هذا القرن وبسبب تعليم النساء ودخولهن ميادين العمل, الأمر الذي أثّر في قيم الزواج لديهن جرّاء التغير الحاصل في مركزهن ووضعهن الإجتماعي. فلم تعد عملية إختيار الشريك خاضعة لرغبة الأهل كما كانت سابقاً,حيث تراجع أسلوب الإختيار الوالدي(10.50%) مقارنة بالأسلوب الذاتي(80.88%). فبعد أن كانت حرية الفتاة في إختيار شريك حياتها مقيدة, تخضع أولاً وأخيراً الى رغبة الأهل, نجدها اليوم تخضع لرغبتها الذاتية, ربما لأنها تعتقد أنها الأجدر باتخاذ قرار الإختيار بعد أن تعلمت ونالت قسطاً من المعرفة وبعد أن دخلت ميدان العمل وأصبحت مستقلة مادياً, أو ربما بسبب الإنفتاح والتواصل الذي أحدثته وسائل الإتصال وما حققته بالتالي من وعي لمستقبل حياتها. أو قد يعود الى اعتقادها بفشل هذاالنمط من الزواج الخاضع لرغبة الأهل, وعدم تحقيقه للرضا الزواجي على عكس الإختيار الحرّ أو الذاتي الذي يلقى تقديراً في نظرها. هذا بالإضافة الى عامل الإختلاط بين الجنسين في أماكن الدراسة وأماكن العمل وجميع مؤسسات المجتمع المحلي والذي سهّل بدوره عملية إختيار الشريك. هذا يعني أن الفتاة قد منحت الفرصة الكافية لتعبرعن موافقتها وتبدي رأيها في المواصفات التي ترغب فيها في شريك حياتها. بغض النظر عن المقتضيات الشرعية التي تحتّم توفر الإرادة الحرة في الزواج وعلى ما تؤكده قوانين الأحوال الشخصية من ضرورة موافقة الطرفين وعدم صحة الزواج إلا بإرادتهما. مما يدل على تراجع سلطة الأهل المطلقة في الإختيار عند الزواج. فهي قيمة لا تتجاوب مع النظرية الإجتماعية الشاملة للتحرّر والديمقراطية, قيمة تتعارض مع الإتجاه الجديد للإعتزاز بالفرد وإرادته وسعادته ومصلحته الشخصية. اما عن المعايير التي تتخذها الفتاة حال إختيار الشريك, اتضح لدينا أن هناك إعلاء لمشاعر الحب على ما عداها من الإعتبارات الأخرى ( كالخلق والسلوك, الوضع المالي, الإنسجام الفكري والثقافي, المستوى التعليمي..), ويلفتنا هنا تراجع العامل الإقتصادي الذي كان يعدّ من أهم العوامل في عملية إختيار الشريك سابقاً والذي يعتبر أمراً ملحاً في مجتمع إستهلاكي وأمام قساوة العيش وصعوبة تحقيق مستوى معيشي لائق للأسرة في عصرنا الحالي. لقد أصبح الحب بنظر الفتاة مطلباً ملحاً وأساسياً, إعتقاداً منها بأنها حين تحب يعني أن هناك اعترافاً بالآخر, بكيانه, بإنتمائه, فالحب هنا هو حاجة ملحّة وهو من الحاجات الأساسية لإستمرار الفرد, وهذا ما يتطابق مع نظرية الحاجات الشخصية, أحد أهم نظريات التحليل النفسي, فالفتاة ترغب أن تحبّ وأن تُحبّ وبحاجة الى أن تختبر الحب لإشباع أحد أهم الحاجات لديها. مما تقدم نجد أن التغيرات التي طرأت على مكوّنات البناء الإجتماعي, أدّت الى ظهور مسارات جديدة في ثقافة الإختيار الزواجي. وقد حلّت قيم ومعايير جديدة تدعو الى التمركز حول الذات وظهور زواج الحب, والذي أدّى الى تحرير الرابطة الزوجية من قيودها التقليدية وارتباطاتها الإقتصادية والعشائرية, التي كانت سائدة في السبعينات والثمانينات والتي كانت تعتبر العامل الإقتصادي أساسياً في إختيار الزواج, والإتجاه بها من مؤسسة خاضعة في كل تفاصيلها للعرف الإجتماعي وشريعة الإمتداد الى علاقة لا تقوم إلا على أساس الأبعاد النفسية السيكولوجية والإختيار الحرّ والمتكافئ بين الطرفين, في محاولة إبراز”الأنا “على ال “نحن” وبعدم التعدّي على الكيان الخاص والحاجة الى إعتراف الآخر. وبذلك استطاعت المرأة أن تتخلص من بعض الإرتباطات العائلية وتغليب العوامل الوجدانية حيث سيطرت النزعة الفردية على النزعة الإجتماعية في هذا المجال.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *