قصة قصيرة: النصف الآخر.

latifa_aldlimy

قصة قصيرة: النصف الآخر.
ابتهال الخياط

………………………………………………

خاص بمعارج الفكر / الادب النسوي

………………………………………………..

 

سأروي لكم قصتي، ستجدونها ولاشك غريبة فأغلب الناس يتجنبون الحديث عن الموت والموتى، لا أعلم لماذا فهو الحقيقة الوحيدة رغما عنهم. اني امرأة غريبة الاطوار كما يصفني بعضهم وذلك لسبب أهمس لكم به (منهم الرجال الذين لا يتمكنون من اغرائي ونساء لا أشبههن في مايحبون) ، أجل أيها السادة أنني امرأة غريبة أهوى الوحدة والصمت لكنّ الكلام كله مع نفسي وبمواضيع شتى قد أُوسع الدائرة فأغوص في كتاب أعجبني عنوانه وأستمر بقراءته لمرات إن اعجبني مضمونه . قبل أسبوع فقط شعرت بالكره لكل شيء من حولي، فتحت الباب وناديت على الجميع لكن لم يجبني احد منهم! نومهم عميق، إنها الثانية بعد منتصف الليل، نعم الليل الأسود رغم الاضواء التي كنت أعمد أن أتركها تعمل ليلا ونهارا.. ربما لأنّ الظلمة في داخلي أيضا. عدت لأغلق الباب بالمفتاح ولن أُجيب على أيّ واحد منهم إن طرقها..هكذا أنا مجنونة.. مجنونة بقوة الافكار وقدرتي على الحياة بشكل مختلف واللعنة على كل شيء يكرهني أو يحاول أن يسلبني نفسي، لن يتمكنوا من كسري هؤلاء المثخنون بضياعهم.
لكن ألست نصف أحدهم ؟! أين هو ؟ كيف سيجدني إن كنت في سجني هذا ؟ إن كان نصفي سيأتي… لكن ربما هو ميت!
إحتمال معقول، قد يكون ميتا .. أريده وإن كان ميتا، قالها طفل يوما حين قتلوا أباه، (أريده وإن كان ميتاً).
ساذهب اليه، ليتني أعرف مكانه، آه أيتها الاقدار اللئيمة كم عبثت بي، سأبحث عن كلمات ما أتوسل بها القدر كي يمنحني فرصة اللقاء به وإن كان في عمق الموت.
أيها القدر اغفر لي وقاحتي أنا اعلم أنّك تحبني واذكر لك الكثير من المواقف التي رافقتني بها راعيا ومنقذا، وبالأخص حين كنت يافعة في الثالثة عشر من العمر وكنت أسير بمفردي وتوقفت تلك السيارة ونزل منها ثلاثة رجال، رأوني واستعدوا لخطفي لكنهم ظلوا ينظرون الى ناحيتي دون أن يروني فرحلوا مستغربين ، وأنا ايضا اندهشت كنت أمامهم ولم يروني، فقط لأنّك كنت معي تحميني ، أيها الطيب اغفر لي نكراني وسخفي، لكنه الانتظار والحب .. كن معي كما كنت في تلك اللحظة لأعرف وارتاح وأرضى، ها ..ماقولك؟ سأنتظر منك الجواب والحل ، دعه يراني وإن كان يعيش في الموت. (بقيتُ صامتة لفترة، بلا تفكير، اجتاحتني سكينة غريبة وتلاشيت لأكون بعدها في دهليز مظلم أسير فيه دون أن ألتفت، كان امامي ضوء خافت يقودني الى الطريق الذي لا أعرف نهاية له، انحرافات عدة حتى أصابني الغثيان وهمسٌ من حولي وتساؤلات أثارت فيّ الخوف ، ياااااه إنّهم الموتى ، إنّه القدر قرر أن يمنحني حلاً لأحجيةِ النصف الاخر مني، المفقود هنا في عالم الموتى، هيييي أيها الرفيق القدري، تنازلت عنه أريد العودة ولأبقى نصفا فقط أرجوك لا يبدو الامر جيدا . إن ساقاي تسير بلا أمر مني، وصلت الى نهاية ممر وزال الضوء، فكان أمامي ..إنّه رجل غريب لا أظنّ أنني رأيته سابقا).
قلت: مرحبا ، إن كان ممكنا لك أن ترد عليّ.
قال: يبدو أنّك مرموقة جدا فقد أعادوا لي جسدي مرمما بعناية وكأنني حيّ لأقابلك، فمرحبا بك . قالوا إنّك كنت ستكونين نصفي لو بقيت حيا، ههههه. قلت: هههههه وتضحك وأنت في هذا المكان المظلم والكريه يبدو أنّك معذب، ما فعلت لتكون هنا، وهل من المعقول أن تكون نصفا لي، الحمد لله أنّك هنا ولست معي ، أنّك حتى قبيح الشكل.
قال: شكرا لك، وهل انت جميلة؟
قلت: ومايهمك الان؟
قال: أنا لا أستجوبك، فعلا انه لا يهمني. لاتغضبي مني، من المؤكّد أنّ لك متاعبك الخاصة كي تفكري بي وتجتهدي لمعرفتي. إنّي آسف جدا، لكنني لم أكن هكذا.
قلت: الأسف ممن؟
قال: منكِ…!
قلت بحزن وهمس: لا داعي لذلك.
تكلمَ بصوت عال: أيها القدر يا من سمحت لأجلها ان تُفتح بابي، هل ترضى بأن اكون رقيقا معها؟
قال: هل تظنين أنّك في الطريق الصحيح من الحياة عزيزتي؟
قلت: إنّي لا أظن شيئا.
قال: يا له من خطأ كبير، تحققي من كل شيء قبل فوات الأوان، كنت مثلك، ساكن متحجر يحركون بي كدمية من مكان لآخر ينتفعون بي وبأي طريقة ممكنة وتركت لهم حرية العبث بي وبحياتي حتى انفلت مني زمام الامور وغرقت في الحانات هاربا منهم حتى الموت. ارجوكِ ما تزال الفرصة أمامك، فاعشقي وكوني سعيدة، تزوجي، كثرة الكبت هو موت مضاعف ولا أريدك هنا مستقبلا بحجة النصف الاخر، إنّه شيء سخيف وغير حقيقي ألا ترين أنّ الكثير من الرجال يتزوجون بأكثر من واحدة، فما هم أرباع أم أثلاث، ههههههه.
قلت: ليست كل المتزوجات سعيدات.
قال: طبعا، ولكن حياتهنّ أفضل من وجودهن هنا، الحب يكفي لأن يكون المرء سعيدا، حتى لو كانت سعادة بحزن، لا تطلبي مني تفسير هذه الجملة.. يجب أن تعيشيها. إنّ الحياة حلوة كيفما عاشها الانسان فلاتتخلي عنها.
(أشحت بوجهي عنه في نفور، لم أعقل ما يقوله لي، كنت أود ان أتكلم عن أفكاري التي طالما تأملتها في جُحري الخفي عن الجميع، إنّي بحاجة له، لكنه ما زال يعيش في ما ترك! تأجج شيء ما في داخلي نحوه وهدف ما تربص بي وكأنه الحب!!)
قلت: لا تترك لنفسك العنان لتنصحني، لست قدوتي على أية حال، بل ربما أنا أسوء منك ومن حياة الحانات.
قال: أيتها النصف الحائر لا تتنازلي عن حريتك لتعطي الجميع ما تملكين، كفى تنازلات انظري إليّ أرجوك، ما أتى القدر بك إلى هنا إلّا لتستيقظي قبل فوات الأوان، لا يريدك أن تلعنيه فلا دخل له في الامر إنّه اختيارك. لا تكوني مستعبدة حطمي أغلالك واهربي.
قلت: إلى أين أهرب، إليكَ هنا؟!!
قال: يا للعبودية اللعينة، إن بقيتي في القيود ستأتين اليّ هنا، وربما في نفس الحفرة التي تضيق بي ولن أتمكن من استقبالك.
قلت: أتعلم شيئا يا نصفي؟ إنّك رجل رائع قتلته قيود الارتباط الانساني فنسيّ نفسه وحين كسرها عنه ضاقت نفسه المتعبة بالحب والخير فانتهى به الامر الى تأنيب الذات ومات كرها لها. إنّني أحببتك. لكنني مثلك إن خرجت من ذاتي هلكت بتعذيبها، فما أفعل الان؟ ما أتى بي الى هنا غير الحزن.
قال: أخبريني، هل يطيب لك المكان هنا أنا وانتِ؟ تحدقين فيّ الان، هل أبدو وسيما؟ هل هكذا يلتقي البشر؟ لماذا لم ألتقِ بك هناك، ربما كنا الآن بخير ومعا في سعادة، ماذا فقدتُ، كم انتِ جميلة، هل ممكن ان ألمس وجهكِ؟
قلت: لن أمانع، لكن هل سيوافق القدر أن يلتقي نصفان أحدهما ميت والاخر في الحياة؟
قال: لا ياعزيزتي، ضيعت فرصتي، ولن يكون لي شيئا منك حتى قبلة.
قلت: لقد عذبتني بانتظارك، والان عليّ ان أنسى كل حلم لي معك.
قال: لا تريني دموعك أرجوك، تكفيني الظلمة والصمت وبلا نهاية. عودي الى حيث كنت وتذكري أنكِ كاملة ولاتحتاجين نصفا لك، فالبعض قاتل يعيش كما الحشرات يمتص الدم وينهش الجسد.
(زاد الظلام فجأة ، رحل عني وبقي صوته يدعوني للرحيل، استدرت أبحث عن طريق العودة، ما كان الضوء أمامي يسير .. لم أحتاجه، قادتني أفكاري نحو الحياة، شيء ما تنفس في داخلي، فكنت في غرفتي، كما هي، الأثاث الأبله والكتب البالية والمرآة التي تنتظرني أن أحدق فيها لأرى نفسي، والمفتاح المسكين يطلب الرحمة لأخرجه من الثقب، فأما ان أرميه بعيدا إلى الأبد أو أفتح الباب إلى الأبد ، بقيت بلا قرار ، بانتظار من سيبحث عني ويطرق الباب فأفتحها له، ربما سيكون الموت، لكن هل سيأخذني هناك حيث نصفي ؟!! سأفتح له الباب على أية حال. …)
مازلتُ في غرفتي والمفتاح التصق بثقبه وبدأ يشخر بعد أن ثقل عليه الانتظار، أشعر بالقرف وأحتاج التقيؤ، وألم يتسع في قلبي، ربما من سخونة الجو ! . تُرهبني لسعات البعوض الكثيف وكأنني أعيش في مستعمرة له، ماكل هذا السوء؟!
هل هو ليل أم نهار، العتمة غريبة والصمت من حولي مميت .. ها؟
ماذا قلت الان ” مميت” ربما أنا ميتة !! سأحاول أن أعرف هذا حسنا الموتى لا ظلّ لهم كما سمعت او قرأت.. لأنظر الى المرآة ..ها أنا فيها الآن ، يا مرآتي تحتاجين الى بعض التلميع، أحتاج براهين أخرى سأجرح نفسي قليلا فلا بأس ببعض الألم للتوصل الى حقيقة وجودي ، دبوس يفي بالغرض .. آآه موجع لقد دفعته كثيرا، يبدو أنني قد جننت، على كل حال ما زلت على قيد الحياة ومعناه أنني أمتلك القرار.
أيها القدر الحنون، إنني بحاجة الى الحديث مع أحد ما وأقترح إن لم تمانع العودة حيث نصفي الميت فهو يمنحني شعورًا لم أمتلكه من قبل بالسكون والرضا، أرجوك أيها القدر كما ترى حاجتي إلى جواب لتساؤلات عدة قد تكون غير مهمة لكنه طبع البشر يبقى بحاجة للتواصل مع غيره، ها..امنحني القبول ارجوك. طال جلوسي بانتظار القبول، شعرت بالنعاس والتعب وفوضى أصوات البعوض في أذنيّ ، تسارع النبض في قلبي وشعرت بالاختناق وتلبسني حزن شديد كعباءة ثقيلة أجهزت على جسدي فهويت على الأرض ، سائل لزج صار يسيل من فمي وحشرجة تركبت في صدري وحنجرتي تحولت الى قطعة خشبية منعت أي نطق لي ، ياااااه أني أمووووت ، شكرا أيها القدر إني بحاجة الى الراحة.
لحظات ألم شديد واختناق ورجفة سبقت خروج روحي من جسدي، لكنني الان واقفة أنظر وانتظر الاخرين، جميل إن جعلهم الله يضطرون الى دفن الموتى والا ما كانوا تحركوا أو بذلوا جهداً في البحث عني، ستكون رائحة الجسد قوية للسيطرة على سرعة وصولهم اليّ فالجو ساخن. أردت فتح الباب لأُسهل الأمر فهو مقفل بالمفتاح لكن لم أقدر لأنني انتهيت الى طاقة بلا أداة عمل.
طال انتظاري ويبدو أنهما يومان او ثلاثة، جاء زواري يطرقون الباب وينادونني، لن أجيبهم… ليس بخبث مني طبعا بل بحالي الجديد.
كسروا الباب أخيرا ودفعوها وأرتطم المفتاح المسكين بالحائط لينكسر رأسه ويعلن نهاية غلق الباب إلى الابد. ارتحت كثيرا، رأيتهم يقلبون بجسدي ويبكون، عجبا إنّهم يحبونني !! ربما الان سيندمون على أشياء كثيرة ، إنني احبهم ايضا ولا أظن أن الحزن سيبقى ملازما لهم فتلك سنّة الحياة التي لا تتوقف عند موت أحد.
أيها القدر هل تسمح لي بالرحيل الآن نحو نصفي الاخر، لا أعلم مكانه وإلّا كنت ذهبت فالآن أنا حرة وسأجتاز المسافات والارض والجدران وكل شيء، أريد أن أُجرب الطيران حتى يتم دفني وأُسجن في حفرتي، ها ما قلت؟ أدهشتني نسمة هائلة من هواء عليل بعطر الياسمين الذي أحبه وأخذتني بعيدا عن كل شيء، ياااه إن القدر يحبني وأخذني في رحلة الرضا والجمال، شكرا أيها القدر كم أحبك، ما تركتني يوما وحيدة أعلم ذلك حقيقةً لكنه شيء مخلوق فينا نحن البشر لنحيا مع الاخرين، شكرا لك كنت صبورا معي متفهما لحالي، هذا ما كنت بحاجة له حريتي معك حيث جمال ما صنعت. صرت أطير مع نسمتي وأنظر الى ما في الارض وما تحويه السماء، يا للجمال. أيّ سجن عشت فيه عند جسدي المتعب، وذاك البعوض المزعج والمرايا السخيفة التي تُحصي عبث الأيام والسنين على الوجه والجسد والشعر والقلب وكل ما ينتقم من الروح بقسوته.
لم يعد للزمن وجود الآن، الحرية، أنا حرة الان لا أحتاج لأحد لأشكو له، وذاك نصفي المسكين سيبقى نصفا مكسورا ولن يكتمل بموتي ، فحفرتي ستكون لجسدي فقط أما روحي فمع النسمات تعيش. …..

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *