زهرة الثالوث

ابراهيم يوسف

* زهرة الثالوث

إبراهيم يوسف – لبنان

المسلسلات التركية معظمها دراما يعشقها الأتراك
وكثير من العرب
زوجتي تواظب على العناية بها وتتابعها بشغف
حينما لم يبق لديها إلاّ مسؤولية التدبير المنزلي

يتولى السوريون ترجمتها في الغالب
وهم بحق رواد المسلسلات والمسرح!

أما زهرة الثالوث؟ هذا المسلسل المتحكمة فيه
قناعات وعقلية القرن السادس عشر
لا يختلف كثيرا عن مسلسلات الأتراك الأخرى
التي تدور في معظمها
حول الحب والعشق والخديعة والحقد
والعنف والخيانه والهروب
والتوغل في متاهات النفوس المضطربة القلقة

كالحَبَل وإجهاض الفقراء والأغنياء
وسلطة حاكمة.. وعصابات
ورئيس ومرؤوس وسلاح في متناول اليد
والسبابة حاضرة دوما على الزناد

ولو كان الماضي البعيد قاتما وحافلا بالمظالم والحروب
ويفتقر إلى كثير من العلوم الإنسانية والفنون.. والآداب
وقد نالنا في الحرب العالمية الأولى
النصيب الأوفر من ويلات المجاعة والمظالم والحصار
ومن الفتن الطائفية وانتشار الجراد
لكنني لا أحملُ ضغينة أو غلا في داخلي على التاريخ

فتركيا اليوم بلد راقٍ ومضياف
مزدهر فعلا.. وجميل بلا ريب
يؤمه سائر الجوار
للسياحة والتسوق وشم الهوا والترفيه

وقبل فساد البلاد وخراب اقتصاد العباد
رحنا واحتفلنا بزواج ابنتي في استمبول

أما هذه الدراما التي نشاهدها
ونسمع بها في كل يوم؟
يعيشها الناس يوميا على الشاشات
في تركيا كما في قبرص.. ولبنان

بينما “زهرة الثالوث” الساحرة
كأنها وجه قطة وديعة.. أو إنسان

يتردد لونها ما بين
الأحمر الخمري
إلى الكحلي الراقي الأنيق
والأبيض الطاهر العفيف
ثم الأزرق الصافي
والليلكي الفاتن بلون الخزامى
فالأصفر الحاسد.. الغيور

تَمَجَّدَ “الثالوث” المقدس… في الأب
والإبن.. والروح القدس
لأناقة هذه الزهرة العطرية الفاتنة

أما زهرة الثالوث؟ المسلسل التركي؛ فلم أتحمل الصبر وإضاعة الوقت الطويل في مواكبته. وما تحصّل عندي من خلال الانطباع ومتابعة بعض أجزاء الحلقات؟ كان كافيا لإبداء رأي متواضع بالمسلسل، والقول إنه لا يستحق عناء المتابعة، أو تكاليف الدبلجة المتعثرة.. وهدر الوقت.

فآغا أوغلو زعيم العائلة هذا الممثل المتعالي، المنفِّر بأدائه وشخصيته وإرثه العائلي؛ وشاربيه. حينما لم يجد له كاتب المسلسل أو المخرج، دورا استثنائيا بسيطا ولطيفا لائقا في التماهي مع مشاعر المهتمين من مشاهدي هذا المسلسل المنكود، ولو ببعض اللقطات الإيجابية المعبِّرة.

حتى صور الكرتون المتحركة، تلعب أحيانا أدوارا مؤئرة، جديرة بالتعاطف معها، تتجاوز بحق ما فعله آغا أوغلو في مسلسله. هذا الكائن المستبد وصاحب الكلمة الفصل، يجاهر بميله لحفيدته جيهان على حساب الإساءة لريان حفيدته غير البيولوجية، التي تهوى الفروسية وركوب الخيل.

تسقط ريان وهي تمارس هواية الفروسية، عندما يشعر الجواد بالخوف من سيارة مقبلة نحوه يقودها ميران، الذي يبادر إلى مساعفتها ويعيدها لأهلها، ويكتشف لاحقا أنها ابنة العائلة التي قتلت أبويه كما أخبرته جدته. ليعيدنا إلى الثأر بين عشائر شمال البقاع في منطقة بعلبك الهرمل بأداء سيء، تعوزه البراعة وبعض اللقطات الإيجابية، ويبقى أدنى كفاءة من مسلسل “الهيبة”.

وجدة ميران حرضته على الثأر، فاتخذ قرارا بالانتقام من عائلة ريان. لكن صراعا داخليا عنيفا كان يعانيه بين الثأر، ونداء القلب. كما في مقتطف من قصيدة “عليا وعصام” لقيصر المعلوف:

“بثأرِ أبيكَ خُذْ من قاتليهِ ********* وإلاّ عابَكَ العربُ الكِرامُ
أبو عليا الغريمُ بُنَيَّ فانهضْ * فهذي الدِّرعُ دِرعُكَ والحسامُ

ولمَّا شاهَدَتْهُ عليا في هواها ***** قتيلاً يستقي دمُهُ الرّغامُ
نَضَتْ من صدرِهِ الهندِيَّ حالاً ** وقالتْ لا تَمُتْ قبلي عِصامُ
وأغمدتِ الحسامَ في حشاها وقالتْ: على الدّنيا ومن فيها السلامُ”
وقصيدة “عليا وعصام” طواها الزمن، فلم يرحم قيصر المعلوف، وسهره وتعبه في نظم القصيدة، التي تداولتها المدارس والطلاب، وقد حفظتها في طفولتي بكاملها من ألفها حتى يائها.

ولئن ابتعدنا قليلا إلى فرنسا والسَيِّدْ “لكورناي” ؟؟ تَذَكَّرْنا Chimène و Rodrigue؛ الحكايات إياها التي تكررت ملايين المرات عبر الزمن. لكن حلقات هذا المسلسل تتشابك بفوضى، وتدور بوتيرة تنتهي من حيث تبدأ، لتعيدنا إلى المعلوف والعشائر وكورناي في القرن السادس عشر.

شخصيات أخرى متفاوتة، تتفق أو تتنافر في عداوة وعنف متبادل. والبطلة التي لم تحظَ بفرصة قصيرة واحدة في الحلقات التي شاهدتها؟ لكي أتعاطف معها لو توقفت مرة عن الشكوى والبكاء.

في الواقع أنا أكثر من يعشقون الانفعال، عندما يبدو معبرا في العيون وعلى الوجوه الصادقة الجميلة. لكن الحوارات تكاد تكون نكدا، وغضبا وصراخا متواصلا، ودموعا لا تتوقف، والممثلة البطلة هذه في اعتقادي، كانت أجمل من أن تغضب أو تلجأ للنكد، ناهيك عن أسرار عميقة عصية على الاكتشاف، وغرق في فيض من العواطف المستهلكة المبتذلة المستفزة من التكرار.

ويبقى الملفت الحقيقي في المسلسل؟ الدهشة تنعكس في عيون الإناث ولو بلا مبرر يستحق، بالإضافة لجمال المرأة التركية الطبيعي وأناقة الثياب، والأمكنة الخلابة المختارة للمسلسل.

شر البلية ما يضحك

في مشهد من المسلسل، كانت ريان في فترة من الصفاء الوجداني مع ميران، وهما يتنزهان ويتناجيان على طريق الغابة، دون أن تكون قد حسمت موقفها منه أو اتخذت قرارا نهائيا بعد.

حينما تعثرت بحجر في الطريق وكادت تتهاوى إلى الأرض. ما استفزه ودفعه أن يمسك الحجر بغضب بلغ حدود الحقد، وراح يفكر أمامها بصوت عال، كيف يبتدع طريقة للانتقام من الحجر، الذي تسبب في إزعاج قدميّ حبيبته، التي احتفظت لاحقا بالحجر وحرصت عليه كأغلى الذكريات.

المهم عملوا قضية عاطفية من الحجر. ذكرتني بالحسن بن هانىء “أبو نواس” أحسن الله إليه وطيب مثواه، لشاعريته المتدفقة بالإبداع، وهو يقول عاتبا بلا نقمة متهكما على الحجر.. إيّاه.

عاجَ الشّقيُّ على رسمٍ يسائِله***** وعجتُ أسألُ عن خمّارةِ البلدِ
فلا جَفَّ دمعُ من يبكي على حجرٍ* ولا صفا قلبُ من يبكي على وتدِ

(*) بنفسج الثالوث – أو زهرة الثالوث – وتعني بالفرنسية…. (La pensée)
وقد تراءى لي بالخطأ من خلال عنوان المسلسل؟ أن زهرة الثالوث – الممثلة
قد أوقعت بحبها اثنين، وأن التسمية إنما كانت بوحي من الأب والإبن والروح القدس

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد