محبرة الخليقة (14)

latifa_aldlimy

————————
تحليل ديوان “المحبرة” للمبدع الكبير “جوزف حرب”
   د. حسين سرمك حسن
      بغداد المحروسة
      2012 – 2013
ملاحظة : حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً .  
هذه الأم الحبيبة يجب أن تبقى عذراء أبداً لأن لا دليل على دور الأب في التخصيب ثبت إلا قبل “مائتي سنة” بعد اكتشاف المجهر ، كما أنها ، بإسقاط دورها على الطبيعة من خلال تخييلات الأبناء المعصوبين ، لا بدّ أن تتجدّد مثل تجدّد الربيع الإبن والاشجار والمطر ودورة القمح . إن حلاً شافياً لإحباطات الإبن يُمرّر بإلغاء دور الأب الفاعل من خلال عذرية متجددة لا يضيرها دور أبوي ولا اختراق جنسي . هذه العذرية المستعادة والمتكرّرة هي التي تحفظ الخصب ودورة الطبيعة لا العكس كما يتصوّر الكثير من الباحثين . هنا يُسقط الذاتي على الموضوعي وينتفخ بفعله الراجع .. وهكذا :
(من بِكرٍ
إلى امرأةٍ .
من امرأةٍ
إلى بِكرٍ .
عروسٌ دائماً عذراءُ .
                                          أمٌّ دائماً حُبلى .
                           ولولاها فلا خِصبٌ كأعظمِ ما
بخصبِ الكونِ .

ما منْ كائنٍ : منْ نملِ سنبلةِ
الحصادِ إلى المحيطِ ، ولا يناديها كطفلِ البيتِ :
أمّي .
أو يناديها :
حبيبي .
أو يصلّي
مثلَ صوفيٍّ لها . – ص 91 و92) .
ومن وجهة نظري أفسّر هذه الربكة بخلخلة اجتاحت اللاشعور السادر في طمأنينته إلى ديمومته ومناعته ؛ هي ربكة سبّبها الإحساس بالفناء ، إشتعال قلق الموت في ذات المبدع . ففي نصّ الشمس كان هناك نورٌ وانكشاف وحركة حياةٍ صاخبة توزّع فيها الشمس أباريق ألوانها على الكلّ كي يسكر الكل ويرقص . وفي نصّ القمر كانت هناك حياة نورٍ أخرى ، وُلد كمن يهفو على ورق الغصن أو ينسج غيم قميص الهواء .. قمرٌ (له هالةٌ من لُجينٍ ، كشمسٍ على القمح بعد المطر) (ص 81) . وكان من عطايا هذا الكائن المنير الجديد هو إطفاء نيران قلق الشعور بالذنب المتأجج في أعماق الشاعر . وعموماً ، وبسبب تركيبة كلّ من العنصرين : الشمس والقمر ، لم تكن هناك فسحة لإحالات تذكّر بهشاشة وجود الشاعر وانجراحيته الموجعة . ولكن مع اقتراب نصّ الأرض ، مع اقتراب الأم التي منها نأتي وإليها نعود ، مع اقتراب الشاعر من التعامل مع المكان الذي سيُنصب فيه قبره .. الرحم الذي سيلتهمه برغم أنه هو الذي أنجبه ، فقد طفحت كل مخاوف الشاعر اللاشعورية من المثكل ، وانفلتت مكبوتاته ، فأربكت عالمه الداخلي الذي أربك قدراته الإدراكية والتصويرية . كان يبغي الوصول سريعاً إلى بيت الداء على طريقة علي بن ابي طالب وبجسارة الشعراء : “إذا هبتَ أمراً فقعْ فيه” ، ولهذا تجد الشاعرية تتألّق حين ينهي الشاعر استعراض عطايا الأرض من أمومة وخصب وعذرية دائمة وكونها “دواةٌ كُوّنت فيها الخلائقُ كالكلامِ وإنّما قبل الكتابهْ” ، ليهتف في وجهها : “يا قاتلتي” :
(كلّ شيءٍ أنتِ .
خالقتي ،
وسيّدتي ،
  وعاهرتي ،
وقاتلتي ،
وواهبتي السنينَ
وإنّما أيضاً يدُ اللصّ الذي يأتي
ويسرقها .
وكيفَ ، وأنتِ أمّي تطلبينَ من
الخريفِ تسلّمَ الأوراقِ
من اشجارِ عمري ؟!
وكيفَ تذرذرينَ على اخضراري السُّكريّ
رمادّ جمري ؟!
وكيفَ يدُ التي قدْ زيّنت أرجوحتي ،
هي ذاتها من عمّرتْ
يا أرضُ
قبريْ ؟! – ص 93 و94 ) .
وهي حيرة مدوّية أن يكون خالقك قاتلك ، وواهبك الحياة هو اللص الذي سيسلبها منك ، ومن يبني عمرك هو حفّار قبرك ، لكن هذا ” التضاد الوجداني – ambivalence ” هو سرّ وجودنا ، وهو قوّة أصيلة من قوى الإبداع والخلق ، مثلما هو – وفي ذات الوقت – العامل الأساسي في التمزّق النفسي الموصل إلى التصدّع العقلي والهذيان والجنون . هنا تتصارع الشحنات السالبة والموجبة داخل البنية النفسية الواحدة ، وتجاه الموضوع نفسه :
(يا لطبعِ الأرضِ !
من لفحِ النسيمِ ، إلى الزلازلِ .
واحتفالاتِ الكرومِ إلى الجفافِ ، ورقصة العصفورِ حتى
لسعةِ الأفعى . تلينُ .
تُجنُّ .
لا تبكي .
تخونُ .
تحبُّ .
تكره .
ليس تُهزمُ .
لا تُحاكمُ .
يستوي تاجانِ فوقَ جبينها : تاجُ
الندى ، تاجُ المجاعةِ .
وهيَ لا تُصغي إذا صليتَ .
لا تهتمُّ إنْ مرّتْ بها اللعناتُ . – ص 94 و93) .
والمشكلة الكبرى التي تسعّر تمزّقات روح الشاعر ، وتشوّش موقفه المزدوَج ، هي إحساسه بأنه كلّما أوغل موضوع حبّه في قهره ، اشتدت قوّة اندفاعته نحوه ، وضغط الحاجة للتعلّق به حدّ الذوبان فيه ، بدلاً من أن ينبذه ويجعل مصيره الهجر النهائي . كلّما اشتدت ضراوة الشحنة السالبة ، اشتعل توهّج الشحنة الموجبة . والتحليل النفسي هو صاحب قصب السبق في فتح عيوننا على الحقيقة النائمة والمفزعة ، وهي أن الكره هو بطانة الحبّ :
(يا
للأرضِ ! رغم القسوةِ السوداءِ فيها ،
والفُتاتِ المرّ ، والصدأ الذي بين الدقائقِ ، والجنازةِ ،
والخرابِ ، وكلّ أقبيةِ الرّمادِ ، وما على حدّ المقاصلِ
منْ دمِ القنديلِ ،
  نعبدها . – ص 95) .
ولكن نحن لا نتسامح مع أيّ قاتلٍ يحاول قتلنا ، ولا مع أي لصّ يسرق سنوات عمرنا .، موقفنا المتسامح الغريب في معضلة “التضاد العاطفي” تمتد جذوره عميقاً في تربة العلاقة الأمومية :
(أنتِ أمّي ، قلتُ ، عذرائي ، وربّتيَ
التي آتي إليها بالنذورِ ،
وبالأضاحي
إنكِ الرحمُ ،
المقدّسةُ ،
الخصوبةُ ،
والهوى ،
والسرّ ،
والينبوعُ ،
لستُ سوى جنينكِ ،
فلأمجدْكِ لأنّي لم أكنْ لولاكِ ،
لم أولدْ ،
ولم أوجدْ .
وهذا الكونُ ظلّ بلا
يدٍ ،
موصّدْ . – ص 101 و102) .
إنّ لبّ الموقف الأوديبي يصابُ بالتعتيم والتسطيح حين يُطرح كعلاقات تنافسيّة وحبّية مفردة بين أطراف المثلث الأوديبي . يحصل هذا حتى لدى المختصين بالتحليل النفسي بسبب حساسياتهم هم أنفسهم ومقاوماتهم . إنّه في الواقع مركّب ، وتجاه كل طرف من طرفي المثلث فيه تفور مشاعر متضادة حارقة في لاشعور الإبن المغدور من قبل الأم . الأم التي هي سبب وجوده ، تهبه الحياة ، لكنها تهب ولاءها لرجل آخر . وهي إذ تخرجه للحياة كعطيّة رحمها المنعمة ، فإنها – في وجدان الإبن – مستعدة لنبذه والتخلي عنه من جانب أو لالتهامه واستعادته عقابا على تخييلاته المعادية على الأكثر من جانب آخر . وكلّ مهابة الأرض وحضورها الأسطوري الباذخ وألقابها الخرافية الرفيعة لا قيمة لها إن لم تحمل في بطانتها مهابة وحضور وألقاب الأم (العامل الذاتي قبل الموضوعي) . الأب في وجدان الطفل الإبن هو كائن دخيل ، وهو – أي الإبن – والأم ملتحمان من طينة واحدة . ويظل طول عمره تعتمل في داخله تلك الرغبة الحارقة للعودة إلى حالة الإلتحام تلك .. للتوحّد العارم الذي سيوفّر له المستحيل :
(إنّنا
من طينةٍ يا أرضُ واحدةٍ .
وما عقلي سوى هبةٍ لأعرفَ أنّنا
من طينةٍ يا أرضُ
واحدةٍ ،
فأفرحُ فيكِ ممتلئاً بعشقِ بقائي
الأبديّ فيكِ . نعيشُ منطلقينِ نحو الكونِ في عرباتنا ،
حيثُ المسارجُ والنجومُ تصيرُ منْ بلداننا الأخرى . – ص 96 و97) .
وهذا الخوف الكامن من النبذ والهجر يكافيء في وجدان الإبن حضور الموت الذي يسلب أياً من طرفي العلاقة الحبّية مرّة واحدة وإلى الأبد . إنه خائف من الأرض الأم ، لكنه يريد البقاء عليها إلى الأبد . هذا الخوف يُشعل التعلق بالأمل والشعر ، وحتى الفلسفة من خلال التفكير في “الما بعد” .. والما وراء .. وما الفلسفة – في جانبها الميتافيزيقي خصوصا – غير هذا البحث المُهلك والمعقّد الذي يصل حدّ السخف أحيانا للإمساك بمعنى الموت .. الموجود في وجوده .. والوجود واللاوجود .. والوجود والعدم .. والمحايثة والمعايثة ..  وغيرها من تفاصيل مغثية أحياناً ، وكل شيء سينتهي إذا اطمأن الإنسان إلى أنه لن يموت :
(خوفي
قدّسَ الاشياءَ .
عِشقي
قدّسَ الاشياءَ .
إنّي خائفٌ منكِ ، وأعشقُ أن
أظلّ بلا رحيلٍ . ليس عندي قوّةٌ إلاّ التمنّي أن
اظلّ
بغير موتٍ .
واكتشافُ البَعْدِ
ليس سوى توهّمِ خائفٍ من موتهِ .
ماذا سأفعلُ كيْ أظلّ عليكِ حيّاً ؟ – ص 96) .
إنّ هذا البعد الأمومي في رمزية الأرض ، هو الذي يصعّد كلّ قيمتها العاطفيّة والإنفعالية في الوجدان الإنساني ، وهو الذي بلور معانيها الرمزية والأسطوريّة . فالتراب هو التراب ، والشجر هو الشجر ، والقمح هو القمح ، يمكن أن نكتب بكائيّات عن القمح بفعل الجوع الذي يسببه نقصه ويهدّد حيواتنا ، ولكن لأننا نُسقط عليه خلجات دورة حياة الإبن يبدأ الشعراء بتمثيله في صورة إله يُختطف إلى أعماق الأرض ليكمن مدة معينة ثم ينبعث وينضج ليحصد ونبكي عليه وهكذا .. وهي توسيعات درامية لللسيرة الخفيّة . وهذا هو المبرّر لإحدى انقلابات فورة مشاعر الإبن الشاعر :
(لستِ شيئاً عاقلاً كي تسمعيني .
 أو تُحبّيني .
فإنّ البحرَ بحرٌ ، ليس أكثر ، والجبالُ
فقط جبالٌ ، لستِ في معنى التوالدِ غيرَ أنّ العشبَ
لا يُعطي سوى عشبٍ ، وهذي الريحُ ليست غير ريحٍ .
ليسَ من أحدٍ سوايَ يُضيفُ ، ينفخُ فيكِ من روحِ ،
فيغدو البحرُ قدّيسَ البراري ، والجبالُ سلالةُ الحكماءِ ،
والأعشابُ في لغةِ الثرى خطَ الفواصلِ ، أو علامات
التعجّبِ . – ص 99 و100) .    
لكن ، ولأنّ لاشعور الإبن الشاعر ، يعلم ما الذي تعنيه الأرض بالنسبة له ، وما تنطوي عليه من دلالات وبقايا أمومية مقدّسة ، وتوسّلات إنقاذية ، وتخوّفات نبذ وهجران ، صارت تأثيراتها في الوجدان بسعة الأرض .. بل بسعة الكون ، فإنه سرعان ما يعود نادماً ، كسيرا مجروحاً ، طالباً الغفران ، فلا قوّة قادرة على توفير المنعة له بوجه المثكل غير أمٍ حفظت سحرها التجارب الطفلية الفعلية ، وقد تأسطرت الآن :
(ربّما يا
أرضُ ، كنتِ أخفّ همّاً
لو أنا ما جئتُ ،
لكنّا معاً
في الكونِ ،
فلأحببكِ
كي أبقى ،
وكوني ،
لا زلازلَ . لا بحارَ بغيرِ ملحٍ ،
كي أظلَّ عليكِ مفتوناً بقامتكِ التي لا شيءَ
يبكيني سوى أني سأرحلُ ليس عنها ،
بل وعنّا ، عندما يأتي
ضريحي . – ص 100) .
في غضبته وانقلابه عليها (الوجه السلبي من شحنتي التضاد الوجداني) جرّد الأرض الأم من كل امتيازاتها حتى من الأمومة والخصوبة ، ووصمها باللاعقل والصمم ، وأنه هو الذي يضفي عليها سماتها الكونية من خصب وقداسة وتجدّد أبدي ، وهو الذي يُنطقها ، بل يجعلها نصّاً وكتابة . أمّا حين يتأكّد من هشاشته وقابلية وجوده للإنجراح ، فإنه يعود (الوجه الموجب من شحنتي التضاد الوجداني) ليضعها في موضعها المبجّل من العالم الحياتي والأسطوري فهي الرحم المقدّس ، وبيت الخصوبة ، والسرّ ، والينبوع . وخلف استار الحاجة الوجوديّة الملتهبة للأم ، وتحت أغطية ملاعبة مشاعرها النرجسية وتوسعتها لأبعاد مؤسطرة تتسع للكون والحياة كلّها ، تنسرب المشاعر الأوديبية المتأججة من التقرّب البريء إلى الإستعراض المُغوي ، وصولاً إلى الإلتحام الماكر والذروة الجنسية العاصفة ، وما أسطرة الأرض ، في جانب مضلّل منها ، إلاّ تعبير عن ضغط النزوع المحارمي :
(بيتكِ العالي ،
……………
أدخلُ بابهُ ،
ويدايَ حاملتانِ ورديْ ، لا خيانةَ بي ،
فتيّاً ،
عاصفاً ،
صَلباً ،
ومصقولاً كأنّ بقامتي صوّانَ صبحٍ ، أبعدي
عنّي
تجاعيدي ،
خريفي ،
والمرائي اللابساتِ سوادهنّ ،
عليّ ،
واعريْ مثل ماءٍ .
لا قميصَ
لأيّ ماءٍ .
فتّحي يا
أرضُ لي ما شئتِ من نهدٍ ، فمٍ ،
كتِفينِ إن طارتْ لخصركِ منهما شفتيْ سنونوةٍ ، لدارتْ
مثلَ زنّارٍ ،
وحامتْ
على الليلِ الذي ما تحتَ
مغربِ بطنكِ المحفوفِ ياقوتاً
ونامت .
تعاليْ ، أرضُ ، كي نتبادلَ الأشكالَ .
ولأرسلْ بشيئكِ
 سرَّ روحيْ . – ص 97 و98 و99) .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *