كوردستان كأفق للتفكير

latifa_aldlimy

ريناس بنافي – باحث في الفكر السياسي والاستراتيجي – لندن

كوردستان كأفق للتفكير يعني أفقا واسعا للتفكير وعميقا عمق الزمان والتاريخ يهندسه الاستراتيجيون متحررا من كل قيد ليس فيه مكان لضيق الافق او للفكر السطحي.
حينما نتلفظ كلمة كوردستان فإننا لا نستحضر فقط جغرافية معينة أو انتماء مجردا، أو هوية مكتفية الذات.
بل نقصد تاريخا متجذرا في الماضي والحاضر ومنفتح على المستقبل غير المكتمل، يتضمن الإنسان والزمان والمكان.
مع كل الأعياد والمناسبات الوطنية ظلت كوردستان حاضرة في فكرنا وخيالنا.
ان العلاقة بين تحرير كوردستان، وتحرر الشعب الكوردي من أنظمة استعمارية حكمتها بالنار والحديد هي علاقة تفكير ابدية مادامت كوردستان في اذهاننا وحرية الشعب والتحرر هي غايتنا فهي معركة قوية ورحلة طويلة النفس.
ان الافق الممكن في ميلاد الفكر الهادف والفعال في انتشال كوردستان من ويلات الاحتلال، يعتمد اليوم على مشاريع التجديد والتغيير وبناء الاستراتيجيات في فكر ووجدان الشعب الكوردي والسعي نحو تحرير الفرد من عقدة النقص والانحطاط الفكري من خلال تفكيك البنى وترسيخ ثقافة النقد والاختلاف، واعادة الاعتبار للجسد المنسي والمهمش، وهنا نعثر على جانب اخر من فسيفساء الافكار التي تشكل اللحمة الوطنية والمشروع الوطني الموحد.
كوردستان كأفق للتفكير يعني عالم لازال في طور التشكل والبناء، وعالم يحتاج للدراسات العلمية الموضوعية، في مجال العلاقة بين السياسة والدين والمجتمع، ان مشكلة كوردستان الكبرى في العبور نحو تجارب ممكنة وتحقيق الاجتماع وبلورة مشروع حداثي يواكب العصر، والتحرير تعاقد صريح ينهي الصراعات والتناقضات ويذيب الفوارق الاجتماعية، ويقلل من الاحتقان ويرسم معالم المستقبل البعيد في وحدة متكاملة بين الشعوب الكوردستانية.
ان تحليل المجتمع لفهم أعراض التخلف الفكري في السلوك الفردي والجمعي، وأعراض الانحطاط الحضاري يقوم بالمنهج النقدي ذات العمق الاستراتيجي وعندها يبنى الخطاب الذي يوفر القوة لكوردستان مدججة بالعلم والتقنية. ​
المجتمع الكوردي يعاني من ازمة متشعبة تجلياتها في الفرد والمجتمع، سياسية في الفعل ومرامي الفاعل السياسي، في قدرته على تجديد اليات العمل والخطاب فهناك مؤشرات للسلوك السياسي للمنخرطين في السياسة لأجل مكاسب مادية وشخصية على قاعدة غير نزيهة، فقاعدة العمل الكفاءة والقدرة في تحويل المستحيل الى ممكن، ومن تجليات الازمة كذلك الصراعات الاجتماعية التي تتخذ احيانا طابعا هوياتيا ويؤدي ذلك لاختلال التوازن بين المناطق الجغرافية في التوجهات الاقتصادية والتنموية. ​
كوردستان أفقا للتفكير يعني التفكير في كوردستان ككيان بمقومات حضارية وغنى الطبيعة والموروث الثقافي لإعادة النظر في ملامح كوردستان كأفق يتحقق من تجاوز الماضي نحو فهم ارهاصات وأزمات الحاضر، والنظر في المستقبل البعيد ودورنا هنا هو رسم الممكنات للمرحلة وازالة عوائق التنمية وتحقيق المجتمع الحداثي بقيمنا الاصيلة، وانفتاح الانا على الاخر والاعتراف بقيم التسامح يزيل الخوف المستبطن في اللاشعور بين المكونات والاحزاب السياسية، وينقلنا من الضعف الى القوة.
وحينها يمكننا ان نجعل من القضية الكوردية أفقا للتفكير فبوسعنا إعمال العقل بعد كل هذه العقود من المزايدات اللفظية والحسابات الضيقة والضجيج المفتعل فمازال التفكير الإيجابي ممكنا في قضية أضحت مجالا لتأجيج الانفعالات وتعطيل الحس النّقدي. ​
فالتفكير ممكن بل التفكير واجب وطني وأخلاقي، وهو ضرورة من ضرورات البقاء على قيد الحياة فبدون العقل لا يمكن للإنسان أن يستمرّ طويلا على قيد الحياة ويصدق هذا على الأفراد كما يصدق على الشعوب وبدون العقل لا يمكننا أن ننهض او نمارس حقنا في التفكير.
لكن من أين نبدأ؟ وكيف. ​
ان المعارك الكبرى تحدث في مستوى المفاهيم والتصورات والافكار ثم تتحول إلى مجال الممارسات والأفعال، سواء في إطارها المدني أو في إطارها المسلح وإذا ما اغفلنا هذه المستويات لا يبقى أمامنا غير التسطيح والغوغاء، والذي يقودنا إلى التخلف والهزائم.
ولهذا يجب إخراج القضية الكوردية من الأبعاد الحزبية والايديولوجية واعتبارها قضية إنسانية.
فالأبعاد الحزبية والايديولوجية للقضية الكوردية يجعل منها قضية خاسرة غير قابلة للترويج لها أمام الرأي العام الدولي والرأي العام الدولي عامل حاسم، ولا يكفي أن نلومه ما دمنا نصوغ قضايانا بلغة حزبية وايديولوجية إن إضفاء الطابع الإنساني على المعاناة هو ما يجعلها قضية رأي عالمي.
فطريق الابتكار يمر بين المعرفة النظرية وفنون التطبيق ومنها فنون النقد ومن النقد إلى بناء المشاريع والتي تعد ابداعا والنقد ذاته يتوفر على جانب من الإبداع يتمثل في القدرة على خلق المفاهيم والأفكار الجديدة فعلينا التفكير للخروج من ضيق اللحظة الي أفق الفرصة.
كوردستان أفقا للتفكير يعبر عن القناعة ببدء مستقبل جديد الوعي يكون فيه حاضرا ويختلف كليا عن الماضي، لأنه زمن حديث في مقابل الزمن القديم الأول.
والعبور الى المستقبل بالنسبة لنا أصبح حتمياً لأنه لم يعد هناك خيارا نعبر إليه وهذا العبور يستوجب منا أدوات ورؤى واضحة.
والعبور إلى المستقبل ينطلق من اعتقاد راسخ بأهمية وحدتنا واتحادنا لان التجزئة هي العامل الأخطر في إضعافنا والإبقاء على عجزنا في مواجهة التحديات.
ان إنجاز عملية العبور إلى المستقبل هي عملية إنجاز المشروع النهضوي التحرري والديمقراطي وهو أمر ممكن.
إن تحقيق الحلم الوطني يتطلب توجهات ومفاهيم استراتيجية جديدة فضلاً عن حتمية إجراء تغيير استراتيجي مناسب، والتعامل معها بمسار استراتيجي طويل يكون اطول من عمر الحكومات وهذا الشيء الذي يقتضي استدعاء فقه وثقافة وسلوك الدولة وعلى أهمية تأسيس مفاهيم جديدة تحكم الاستراتيجية فضلاً عن أهمية إنتاج فكر استراتيجي وطني مساند للتخطيط الاستراتيجي القومي، يتناسب مع التعقيدات والتحديات الوطنية الآنية والمستقبلية.
وعندما تغيب الاستراتيجية ينتكس العمل وتستنزف الجهود دون معنى او تتحول الى نجاحات تكتيكية تعطي النشوة المخدرة لكن دون وجهة.
فنحن بحاجة ماسة لإعادة البناء والتشكُّل والعودة للوجود من جديد، ولن يكون ذلك إلا بالحرية الباعثة على الرؤية والنقد الفاعل والارادة الحقيقية للبناء والاصلاح فتحريك وتغيير الخريطة الذهنية التي لا تتغير تضاريسها حتى في لحظات الأزمات التي تمثل تهديداً مباشراً للتاريخ والجغرافيا والثقافة والاقتصاد والمبادئ.
والسؤال هنا الم تحن اللحظة التاريخية التي يمكن فيها رسم مستقبل أفضل ننعم فيها بالسعادة والاستقرار ويشعر الانسان فيها بوجوده وينعم فيها ينتقل فيها من مرحلة السبات الى مرحلة الحركة والتغيير والنمو لان حتمية التاريخ تخبرنا ان الحياة لا يمكن لها السكون فأما ان نكون في حالة حركة الى الامام او الى الخلف؟
فالتاريخ ليس سردا، بقدر ما هو تأمل وعبرة، واستنطاق للمستقبل، التاريخ كاشف لآثار مضت، مخلدا لحراك شعوبا وأمم، بعض من حوادث التاريخ حركها قادة افذاذ وأصحاب جرأة واقدام، وبعضها كان محورها جماعات اصرت على ان تضع بصمتها على تاريخها ليكون عابرا لأجيالها.
ان جزءا من التاريخ ساكن أو يتحرك ببطء، وآخر منه ثائر كأمواج البحر العاتية، مراحل مشتعلة، ومراحل ميتة ساكنة، بعضها مثير وأخرى مؤلمة قاسية، لكن من يحرك الحدث ومن يصنعه؟؟
ان البحث في التاريخ هو للوقوف على مرحلة جديدة ننتقل فيها من مرحلة الضعف والعدم إلى مرحلة القوة والوجود، وبفضل الحركة والاقدام يمكن لنا العبور نحو عصر جديد من الحداثة والتنظيم والتطور، فالعبور نحو الدولة الحديثة هو عبور تاريخي ننتقل فيه من حالة الضعف الى حالة القوة ذات المؤسسات الرسمية.
ان التفكير في عصر جديد يعني التفكير في
الحدث؟ والحل؟، وفهم متغيرات العصر؟
وهناك قوانين عامة تحكم أي عبور بشري، وعلينا أن ننظر في الكون لنستخلص هذه القوانين.
أن الإشكاليات الموجودة في المنطقة والتي نراها هي في الاصل اشكالية لمنظومات الأفكار التي أدت بطبيعتها إلى اتخاذ قرارات أفضت بنا إلى هذا الواقع، علينا أن نفهم هذا الواقع ليكون دورنا بعد ذلك أن نحسن اللعب في ظل المتغيرات المتاحة لنؤثر في واقعنا ومستقبلنا دون أن يعوقَنا عن ذلك حجم المتغيرات المتاحة لنؤثر فيما حولنا، وأن الإجابات التي طرحناها في مائة عام سابقة اتضح أنها غير نافعة لأنها لم تشكل حلولًا حقيقية؛ بدليل أننا لا نزال نراوح مكاننا إن لم يكن الحال أشدّ تراجعًا.
أننا الآن أمام فرصة للاطلاع على تجارب سابقة عاشت ما يشبه الحالة الموجودة عندنا ومنها التجربة الأوروبية، وتجربة نمور اسيا وغيرها من الدول التي كانت في يوم من الايام متخلفة وانتقلت الى عصر جديد من التقدم والنهضة وعليه فان اي فعل ايجابي واستراتيجي مدروس سلفا يحقق للمستقبل غدا أفضل يكون له أثر في تحقيق تغيرات كبرى، فنحن الآن بمقدورنا أن نعقد المقارنة مع الدول المتقدمة لنستفيد ونخرج منها بحلول مجدية لواقعنا.
أن ظاهرة تأثير الفكر بالواقع وعلى راسها الفكر الناقد تتسع الآن، لأن الإنسان يود فهم ما يدور حوله بشكل يجيب عن أسئلته، هذه التغيرات الفكرية في العمق تدفع ضريبتها على السطح الأحداث المؤلمة ويصحبها غالبًا الكثير من العنف.
ونحن هنا يجب ان نعترف بالمأساة الموجودة حاليًا لكننا في الوقت نفسه ندرك الفرص التي تنمو تحت السطح، فوسط هذا الركام هناك العديد من الأفكار الموجودة التي تبحث عن تربة وزراع.
وكل شبر من أرض كوردستان تبقى كوردستانية إلى الأبد، و تقادم حيازة غيرهم لبعض من أجزائها لا يجعلها غنيمة لا تسترد، بل إن الاكراد مدعوون لاستردادها و هذا الأمر يعتبر فرض كل كوردي ، ولهذا يجب الالتفات أولا و قبل كل شيء في الوقت الراهن إلى التحصيل المعرفي و الثقافي وبناء القوة ورص الصفوف وبناء رؤية للمستقبل و تلك هي أول الخطوات التي تقوم عليها دولة كوردستان المستقلة .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *