ـ إعدام”فهد”والمخابرات الغربية والازدواج/ ملحق أ

latifa_aldlimy

عبدالاميرالركابي

ثمة مثل تونسي يقول:”اللي يحسب لوحده يفضل له”، المثل ينطبق تماما على الحزب الشيوعي العراقي، وجملة أحزاب وتيارات الحداثية الايديلوجية الحزبية، الليبرالية، والقومية وبمقدمها التي تعتبر نفسها ماركسية، بالذات حين تتحدث عن “تاريخها” المجيد. معتبرة وجودها وبنائها الداخلي مادة القياس والفحص الأساسي، أي مع اقتطاع الحزب عن اصله ومصدر تشكله ووجوده مجتمعيا، فاذا حدث شيء من هذا، فهو يحدث من زاوية تغليب نظرة الحزب وكيفية حكمه على الواقع وتقييمه، بمعنى اصطناعه له، ذلك من دون أي تصور “وطني” سابق، او خارج دائرة الكيان المعني باعتباره وكما هو مفترض، وسيله تبررها حاجة، ما يؤدي الى نوع من النظرالمقلوب، فبدل ان يؤخذ الحزب على انه ظاهرة مجتمعية تحكمها ضرورات ومحركات تاريخة، يصير المجتمع خاضعا للحزب، ولمنظومة أفكاره، وما ينجم عن ذلك من بنية تصورية، تخالف حتى وبالاساس النظرية التي يدعي الايمان بها، والاستناد لاحكامها.
انشيئ الحزب الشيوعي العراقي من دون أسباب موجبه ذاتيا، أي وطنيا، وهو قد تاسس في الثلاثينات من القرن العشرين، بعد محاولات أولى عشرينية فاشله، تدخلت المخابرات البريطانية في تحفيزها (1)، ولم يكن من الوارد او الممكن، او المبرر موضوعيا ولا تاريخيا نشوء حزب كهذا، لولا الحضور الاستعماري وحملته الاحتلاليه عام 1914 لحين إعلان الاحتلال عام 1917، قبل ذلك كان العراق قد مر بحقبتين من التشكل الحديث غير الناطق بالذاتية، بداتا في جنوب العراق، وفي ارض سومر، أي ذات ارض سومر الأولى منبعثة، بقيام “اتحاد قبائل المنتفك” قبل انتهاء الثلث الأول من القرن السادس عشر، وقتها وخلال قرابة أربعة قرون، كان الغرب هو الاخر في حالة تشكل حديث، من نوع وسياقات مختلفة، انتهت بالثورة البرجوازيه الاليه، بينما كان العراق ينتقل بين القبلية، والدينية الانتظارية، لم بعرف خلالهما أي شكل من اشكال التاثر، او المحاكاة، او التفاعل الإيجابي مع الظاهرة الغربية الصاعده، وهو ما تختلف سياقاته في مصر، او ساحل الشام، حيث قوة مبررات التاثر بالظاهرة المستجده الغربية، وتضاؤل اوانعدام الاليات الذاتية الحداثية، ماكان من شانه ان أدى بداهة لمحاكاة للظاهرة الغربية سواء على يد المصريين من أصول اوربية في مصر، والإسكندرية منها بالذات حيث التجمعات الغربية المنحدر، او في ساحل الشام بفعل التغلغل الغربي بدءا من التبشري المسيحي العريق والممتد زمنيا الى بضعة قرون*.
هذا في وقت كان العراق يترسم مسارتشكله الخاص المتكرر وفقا لالياته وطبيعته البنيوية التاريخيه في دورة ثالثة، أعقبت دورتين سالفتين، انتهيتا بانقطاعين تاريخيين حضاريين هما من خاصيات تاريخ هذا الموضع من العالم، ومع عودة ارض مابين النهرين للتشكل الحالي الحديث، فانها تكون قد بدات الخروج من طور الانقطاع الثاني المستمر من عام 1258 مع سقوط بغداد عاصمه الدورة الإمبراطورية الثانية، ومركز الثورة البرجوازيه التجارية الريعية الأعلى، الممهدة للثورة البرجوازية الاليه الاوربية ( لاشك ان مثل هذا التقرير يناقض كليا التصور الراسخ في الاذهان والمكرس اوربيا على الصعيد العالمي بخصوص الثورة الصناعية البرجوازية الاوربية و”اوربيتها” الحصرية، الامر الذي سنعود اليه تخصيصا في موضع اخرلاحق).
لكل هذا ظلت ارض الرافدين ومابين النهرين حصرا حيث بدايات التشكل الحديث، خاضعة لقوانين تشكلها التاريخي، فلم تعرف أي شكل من اشكال المحاكاة للغرب، بغض النظر عن بعض الاضطرارات الحكومية خارج ساحة التشكل الوطني الحديث( مثال المملوك الأخير داود باشا)، وفي الجزء العائد الى الطور الثاني المنتهي ومتبقياته، بالاخص في بغداد عاصمة الطور الثاني الإمبراطورية المنهارة، الامر الذي جعل من ظهور التشكلات الحديثة مرهونا بالمخطط الاستعماري ومستوياته وتدرجاته، مع تعاكساته، فاقامة او فبركة الكيان والدولة من خارج النصاب المجتمعي، وقبل اكتمال عملية التشكل الوطني، ناهيك عن بلوغها طور النطق عن الذات وتوليد أسس الاطار السياسي ( الدولة /الامه)، هو مامنح الأحزاب المذكورة المبرر كي تجد لنفسها تعبيرا “وطنيا” زائفا مقابلا، ركب على كيانية وطنية مفبركة.
واهم ماكان ومايزال على المرء ان يبحث عنه ويقف عنده هو التساؤل عن: ماذا لو ان الغرب وحداثته لم تكن ازدواجية، ولم تنقسم مع احتلال الغرب للعراق، لتصبح عالمين متصارعين متناحرين، الامر الذي هيأ لكيانية الازدواج المجتمعي المقابل الرافديني التاريخي نمطا من التفاعل والتعاطي مع الغرب وظاهرته، ملائم لكينونته وطبيعة بنيته الازدواجية التاريخية، فتوفرت وقتها أسباب الانشطار الى نوعين من الفبركة، من الأسفل مقابل تلك التي سعى الإنكليز الى ارسائها من دون نجاح من الأعلى، باقامتهم الكيان والدولة المقامة من خارج النصاب المجتمعي، وقبل، وبخلاف مقتضيات اكتمال التشكل الوطني، لتتكرر من جديد ظاهرة الدولة اللادولة، المتحررة غير المستقله، كما كان عليه الامر من القرن السادس عشر ابان ماعرف بالاحتلال العثماني الشكلي والكاذب. (3) وبهذا يكون العراق قد تحقق ووجد مزدوجا، اليوم أيضا، حتى في حالة الفبركة والاستعاره المفهومية والنموذجية، وكانما الصدف او ماقد يعتبره البعض من هذا القبيل، كانت تصر على تكريس حقيقته، لصالح الحقيقة الكونية الكبرى المضمرة بين تضاعيفه، فكان اليوم كما هو على مر التاريخ، دولتان، ومجتمعان احداهما تتعذر على التحقق الارضوي، لتترك توهما مفهوميا ونموذجيا مستمرا، بينما يظل الأصل منهما، ازدواجهما البنيوي التاريخي، أي كينونته التي تعدت في العصر الحديث اليات الهيمنه الغربية والاستعارة الأحادية المفترضة المتولدة عنها، الى الازدواج.
ـ يتبع ملحق ب ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) احتلت بريطانيا العراق بالتزامن مع ثورة أكتوبر الروسيه، ولقرب العراق من روسيا وعلو درجة المقاومة العراقية التي وضعت الاحتلال الإنكليزي امام خيار الانسحاب جديا اثر ثورة 1920، أي بعد الثورة الروسيه باقل من ثلاث سنوات، كان من المتوقع ان يخطر على بال الاجهزه المخابراتية الإنكليزية المحتله، تدارك الموقف والاحتياط بمحاولة تأسيس حزب ماركسي مستوعب ومتحكم به من قبلها، الامر الذي لم يتحقق لها، وفشل فشلا ذريعا ليضيف الى هزائم البريطانيين هزيمة أخرى، ستدقع بهم لاتخاذ اجراء اخرق تمثل بعد وثبة كانون 1948 في الإصرار على اعدام سكرتير الحزب الذي تاسس من اسفل، وبقوة دفع مجتمع اللادولة، وموضع التشكل الوطني الازدواجي الحديث، في المنتفك / الناصرية، حين توافق حضور مبعوث روسي من “الكومنترن”، وبالطبع الكي جي بي، الى الناصرية هو فاسيلي المسيحي العراقي من عائلة مسيحية عراقية مهاجرة الى روسيا كان يعمل متخفيا في المدينة كخياط، ولقائه بمسيحي من مذهبه وديانته، ومن شمال العراق مثله انحدارا في صدفة غير عادية، افضت لتاسيس ماعرف بالحزب الشيوعي الخاضع والمتاثر بايقاع مجتمع اللادولة الأسفل، بحسب إيقاع وبنية الازدواج المجتمعي العراقي، ابان تعرض مجتمع اللادولة المشاعي لاعنف هجوم اقتلاعي إنكليزي قائم على تغيير نمط ملكية الأرض، واحتداماته تحت طائلة الحرب الاقسى من تلك التي اججت أصلا ثورة العشرين، مادفع بالمجتمع المشاعي الجنوبي لقبول، لابل وتزكية حالة من الفبركة من الأسفل، مضادة للفبركة من اعلى، وان ارتكزت لنفس بنية وقواعد المشروع الإنكليزي.
(2) حتى التجارة او التبادل بين العراق والغرب، لم تعرف الا متاخرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفي ستيناته، يراجع محمد سلمان الحسن : “التطور الاقتصادي في العراق: التجارة الخارجية والتطور الاقتصادي 1864/ 1958 ) ج1/ المكتبه العصرية للطباعه والنشر/ صيدا بيروت 728 ص مرقمه.
(3) عرف العراق خلال ثلاثة قرون ونصف أيام العثمانين 150 معركة،او تمردا، على قوات الاحتلال المتمركزة في عاصمة الإمبراطورية المهنارة، مايجعل من مسالة احتلال العثمانيين للعراق بمثابة كذبه مفهومية ووقائعية تاريخية، لا أساس لها، ويجعل ارض السواد موئل التشكل الرافديني الحديث مكانا ومجالا متحررا، وان كان غير مستقل، والا فمالذي يمكن ان يطلق على مجال مجتمعي يثور ويدخل في معارك طاحنه مع من يحاولون احتلاله، كل سنتين على مدى ثلاثة قرون ونصف القرن،مع توفره على هيكليه كيانيه، واماره مرتكزة لاتحاد قبلي ضخم، الامر الذي يستحق وقفات امام تفاصيله ومايؤيد حضوره كظاهرة مميزه وخاصة. .يراجع: ” انتفاضات عشائر جنوب العراق في العهد العثماني”/ ميثاق خير الله جلود/ مركز الدراسات الإقليمية/ صص 257 ـ 281

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *