الحاكم والمحكوم في العالم العربي – تحليل سيكوبولتك (1-3)

latifa_aldlimy

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

علاقة الحاكم بالمحكوم تحكمها ما اصطلح عليه بـ( السلطة Authority) وتعني باللغة الانجليزية التأثير باستخدام القوة على مجموعة من الأفراد او الجهات من خلال التحكم باصدار القرارات النهائية على وفق مجموعة من القواعد القانونية.وقد شغل موضوع السلطة علماء النفس والاجتماع والسياسة،نوجز اهم ما توصلوا اليه بما يمهد لفهم مشترك عن واقع حالها في العالم العربي.

يعرّف ماكس فيبر (السلطة) بأنها الفرصة المتاحة للقادة حتى تخضع لهم مجموعة معينة من الناس،وان ما يميز السلطة عن القسر والأجبار..هو الشرعية ،ويصف السلطة الشرعية بأنها تلك التي يرى الحاكم والمحكوم أنها مشروعة ومبررة،ويقسّمها على ثلاثة:

السلطة العقلية القانونية التي تستمد شرعيتها من القواعد الرسمية والقوانين المعمول بها في الدولة وتمارس صلاحياتها وفق الدستور،والسلطة التقليدية وتستمد قوتها من التقاليد الراسخة والهياكل الاجتماعية،والسلطة الكارزمية وتستمدها من قائد بقدرات استثنائية يضفي على نفسه صفات التفرد والألهام والموهبة الألهية،ويضفي عليه الآخرون صفات البطل فيطيعونه ويتبعونه تماهيا به او خوفا منه لتمتعه بصلاحيات تفوق صلاحية السلطتين التقليدية والعقلية القانونية..ويدخل ضمنها سلطة الأمير بمفهوم ميكافيللي الذي يبيح لنفسه استخدام المكر والخديعة.

ويتفق المفكرون(ميشيل فوكو،توماس هوبز، جون لوك، جون جاك روسو…)،على ان السبب الرئيس لضرورة السلطة هي حاجة الناس إلى قوة يخضع لها الجميع تكون المرجع والحكم الذي يفصل بينهم ويضمن حقوقهم ويقر لهم بالواجبات،ويجنبهم الصراعات القائمة على التصفية والإقصاء للتفرد بملكية شيء ما.ويخالفهم الرأي كارل ماركس الذي يرى أن جوهر ظهور السلطة اقتصادي خالص ناجم عن انقسام المجتمع إلى طبقات،فيما يرى ابن خلدون ان (العصبية) في العلاقات الاجتماعية هي اساس قيام السلطة،وأنّ القوانين السياسيّة الدينيّة أكثر نفعًا؛لأنّها الأحرص على تسيير أمور الناس الدنيويّة والأخرويّة كما يرى.

وفي كتابه” تاريخ العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيّام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”،يقسّم بن خلدون القوانين السياسية التي تحكم الناس على ثلاثة:

1 ـــ قوانين تعتمد السياسة العقليّة: يكون اهتمامها أمور الدنيا..تخضع لغايات الحاكم المستبدّ،وتقدّم مصلحته على مصالح العامّة.

2 ــــ قوانين تعتمد السياسة المدنيّة: وهي ما يطلق عليه الحكماء(المدينة الفاضلة)،لكنّها سياسة خياليّة بعيدة المنال ومذمومة عنده؛لأنّها تعتمد على الفرد،وتبتعد عن إرادة الحاكم صاحب السلطة.

3 ــــ قوانين سياسيّة دينيّة: أي الحكم بشرع الله (الإمامة والخلافة).

وتُعدّ السلطة غير مشروعة في حال استخدامها للإجبار،والإكراه،والعنف أثناء تعاملها مع الناس،وخصوصاً في حالات الحروب التي تسيطر فيها السلطة العسكرية على المجتمع الذي تحتله،فتخضع الأفراد والمؤسسات لسلطتها،وهذا ما يُخالف القانون الدولي العام؛لأنّ أساس السلطة هو وجود شرعية لها يقرّها دستور يوجب عليها احترام الحقوق الإنسانيّة لجميع أفراد الشعب.

السلطة في العالم العربي ..مؤشرات لدلالات

كان العرب قبل الأسلام دولا ومماليك ممتدة في الشام والعراق واليمن،ويعدّ الأسلام بداية تحول كبرى في العالم العربي الذي كان موزعا بين دولتي الروم والفرس،لكنه شهد حروبا وصراعات نقدم عنها مؤشرات بايجاز عبر اهم عصورها.

العهد الراشدي (632- 661م)

في الخلافة الراشدية كان انتقال السلطة يتم بالتشاور وان كانت في عدد منها معقدة (ابو بكر) او خلافية(عثمان)..ومع ذلك انتهت حياة ثلاثة منهم بالقتل (عمر،عثمان،علي)..وانتهى الصراع المسلح على السلطة بمبادرة من الحسن بن علي الذي تولى الخلافة بعد والده،ثم تنازل لمعاوية،ليتولى الأمويون الحكم.

العهد الأموي (661- 750م)

يعدّ معاوية بن أبي سفيان هو اول من جعل الحكم وراثيا في تاريخ السلطة العربية والاسلامية،واستمرت الدولة الأموية تسعين عاما حكم فيه 14 خليفة بدأت بمعاوية (21سنة) وانتهت بمروان الثاني بن محمد الذي قتل عام 750م.

العهد العباسي (750 -1258م)

بدأت الخلافة العباسية بأبي العباس السفاح،وانتقلت لأخيه أبو جعفر المنصور،ومضت في ذريته،واستمرت دولة العباسيين خمسمائة سنة،في عصرين (الأول) ويبدأ بأبي العباس السفاح (749م) وينتهي بالمتوكل (847م) ومعظم خلفائه الأحد عشر ماتوا قتلا بضمنهم المتوكل الذي قتله أبنه!،وفيه قتل معظم أبناء البيت الأموي وكثير من قادة الأمويين وأنصارهم..والعصر الثاني ويبدأ بالمنتصر بالله ابن المتوكل( 847م) وينتهي بالمستعصم بالله (1258م)،حكم فيه 29 خليفة معظمهم انتهى قتلا او خلعا آخرهم قتله المغول.

العهد العثماني (1281-1924م)

كانت الخلافة في الدولة العثمانية وراثية في خط الأبناء،ويطبّق فيها حالة غريبة إذ كان يقتل جميع إخوان السلطان أو يسجنون في أقفاص في القصر حتى يموتوا أو يخرج أحدهم من القفص ليصبح سلطانا إذا دعت الحاجة لذلك.واستمرت الخلافة العثمانية إلى سنة 1924م وفيها ألغيت الخلافة وأقيم بدلا عنها النظام الجمهوري العلماني..وكان آخر السلاطين العثمانيين هو السلطان عبد المجيد الثاني.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *