التحريرالثاني:و”التفارقية الرباعية”ب/9

latifa_aldlimy

عبدالامير الركابي

تتوافق التحريرية الثانية مع زمن انتهاء المجتمعية ودورها، وانتهاء صلاحيتها، مايعطي للحدث المقصود طابعا رئيسيا وواقع تحقق كوكبي، شامل ومتجاوز لايه فواصل او حدود، فلا اوربا وامريكا اللاتينية، ومعظم القارة الافريقية، ولا الصين وغالبية الهند وشرق اسيا، كما كان عليه الحال في التحريرية الأولى الجزيرية، ستكون خارج فعل التحولية الانقلابية في اللحظة الاخيره، والدورة النهائية من دوراتها، فهي تاتي أصلا وتتبلور ضمن سياقات وحدة الفعالية على مستوى الكوكب، الامر الذي يصير واقعا مع مطالع النصف الثاني من الالفية الثانية، بوصول المجتمعات في بؤرة الفعالية الرئيسية على ضفتي المتوسط لحظة “التفارق الرباعي” مع دلالة : أولا بدء تراجع بقايا الدورة الثانية كما ممثلة في السلطنة العثمانية، وصعود الغرب الأوربي الحداثي، بمقابل عودة انبعاث التشكل الوطني الرافديني في دورة ثالثة بعد الانقطاع الثاني المستمر من عام 1258، وأخيرا اكتشاف القارة الامريكية. بينما يغدو العالم وحدة فعل بمحطات متتابعة متتالية ومتداخلة ضمن زمن واحد، بعد ان كانت من قبل محكومة للتعاقبية الزمنية بين مراكز التفاعل.
كل هذا سيغير الاطار المحيط بالدورة الثالثة الحالية من صعود الازدواج الامبراطوري الرافديني، ليضعه للمرة الأولى امام حالة انغلاق من حهة، والتحقق و “فك الازدواج التاريخي”من جهةاخرى، وبينما يتعذر ويكون من المستحيل توفر شروط اكتمال بنية الازدواج بالامبراطورية، باعتبارها ضرورة وحتمية موافقة لطبيعة الكيان والمجتمع الازدواجي، ونتيجة طبيعية لدفع تشكله المتاتي من صراعيته الثنائية، يصل الصراع المزدوج ذروة تفجره المكبوت والمقموع، الممتنع، والممنوع من اية إمكانية تنفيس خارج الكيانية المفبركة المحسوبة مسبقا، والمرسومه والمقررة المقحمه من خارج التشكل الازدواجي.
بهذا تكون الدورة الراهنه مباينة ومختلفة عن الدورتين السالفتين مبتءا وانتهاء، سواء الأولى المتحققة ضمن ظروف الاسبقية الزمنيه وانعدام المنافس الأحادي، أوالثانية التي نجمت عن تحرير الفتح الجزيري للاليات الرافدينية المعطله، وانبعاثها في دورة ثانية اعلى واوسع حضورا لجهة الشرق والغرب، ذلك بينما توجد الدورة الثالثة الراهنه ضمن اشتراطات التفارقية الرباعية مابين حضور السلطنة العثمانية المنحسرة الايلة للاختفاء، وصعود الغرب بنموذجه في ( الدولة/ الامة) وحزمة مفهومه للعالم وتحقيقة العتبة الأولى وأول ارتقاء على سلم ادراك الخفي المجتمعي وامتناعة على العقل، ب” علم الاجتماع”، بجانب مقاربة النشوئية الارتقائية للكائنات الحية، وان بصيغتها او طبعتها الحيوانية القاصرة، دون مقاربة اشتراطات التحولية، مع القفزة الهائلة في القدرات، وجانب القوة وشتى اشكال الاختصارية الزمنية، وتعظيم القدرات، بفعل الانقلاب الآلي التقني ومغادرة المنتجية اليدوية، ماقد منح الغرب الأوربي ممكنات تكريس مركزيتة، والهيمنه المباشره المفهومية والعسكرية ابتداء، والاقتصادية السياسية لاحقا ودائما، ماكان سيؤدي وادى الى منع التشكل الازدواجي “الوطني العراقي” من تحقيق ذاته، واضطراره للانحباس داخل كيانية أحادية مقررة ومفروضه اكراها واعتباطا على نمط وشكل اجتماع ازدواجي الطبيعة لايتلائم معها، ويخالفها بنيويا مخالفة كليه.
وجدت الدورة الأولى وبدا نموها من اسفل عند ارض سومر، قبل ان تحضر الدولة الأحادية من اعلى ارض الرافدين وتبدا اليات استحالة هيمنة الدولة الأحادية القهرية، وياخذ قانون الازدواج بالسريان عليها بحكم استحالة تفردها، وقوة وصلابة حضور غريمها، مجتمع اللادولة غير القابل للمحو ولا للاخضاع، وتبدا بالتاقلم مع اشتراطات الازدواج وقانون العيش على حافة الفناء، النافي للاحادية المجتمعية وعلى مستوى الدولة، فلم يكن هنالك من عامل او عنصر إضافي، او قوة تدخل تؤثر على مجريات واليات الازدواج، او تحد من ذهابها الى الصيغة المطابقة لبنيتها، فتمكنت من الاكتمال وصولا الى الصيغة البابلية الحامورابية، بعد نموذج بكر اكدي، ماقد امتد لالاف السنين، الى ان نمت الكيانات والامبراطوريات المجاور ه والمقابلة، وبالأخص الفارسية والرومانية، وبدات عملية الاختناق وراحت الدائرة تضيق على البنية الإمبراطورية الازدواجية، المرنه والهشه تكونيا بسبب الازدواج مقابل الأحادية وغلظتها القهرية، ماقد افضى بسبب الاختلال الذي طرا على اشتراطات تحقق واستمرارية الكيان الازدواجي، وبدء اختناقة، وضيق الأفق المتاح له، الى اختلال توازنه الداخلي الناظم لاستمراره، فعادت قوانين الاستحالة للاحتدام مع اشتداد حاجة الدولة الإمبراطورية الأحادية لما كان قد امتنع من ريع داخلي بالاصل، وسبق ان استعيض عنه بطلب الريع من خارج الدائرة الكيانية، الامر الذي عرض أساس البنية الحضارية الإنتاجية، ووحدة بنائها المترابطة، للانهيار.
فالانتاج الرافديني الزراعي، محكوم بسبب الاشتراطات البيئية المعاكسة والمخالفة، وبالأخص مخالفة النهرين وفيضانهما عكس الدورة الزراعية وتدمديريتهما القصوى، وغدرهما، الى لازمتين وعنصرين أساسيين، الأول هو الشبكه المحكمه المعقدة من النواظم والسدود والسواقي وما يرافقها من التنظيم التقني الأعلى ضمن اشتراطات الانتاج الزراعي المعروفة على مستوى الكرة الارضية، مع يقظة دائمه مستمرة، ورقابة لضفاف الأنهار القابله في اية لحظة للانفلات والتسبب بالكارثة، مايوجب نوعا من التوضع السكاني المحسوب للمجموعات القبلية المشاعية المنتجه، يجعل من وجودها وطريفة توزعها ويقظتها الدائمه التي لاتكل، عنصرا انتاجيا أساسيا، فان اختل تعرضت بنية العملية للخراب، واضيرت البنية المادية من اشكال التصريف والسقاية، ومنظومتها شديدة التعقيد والصرامه، وخرجت عن السيطرة، وعمت الفوضى التي لاقبل لاحد، ولا لمجموعة مهما بلغت قدراتها، على درئها، فلاضمان لعدم حدوث الكارثة والدخول بحالة الانقطاع، الا بديمومة حالة التوازن بين الدولتين والمجتمعين: الامبراطوري الأعلى، ودولة المنتجين المشاعيىه غير القابلة للتجسد ارضويا.
يتمدد كيان الازدواج كشرط لضمان وجوده واكتمال بنيته، خارج حدوده فيرسي باكتماله ماقد اوجده وجعله ممكنا، من اشكال تنظيم وتوزع سكاني، ونظام ارواء وسقاية ودرء للخطر المحدق بالعملية الإنتاجية ضمن شروط العيش على حافة الفناء، وهو مالايمكن او يجوز استدراكه او العودة عنه على بدء رجوعا، لان البناء الحضاري المرتكز لاشتراطات البنية والادوار، مترابط ومعرض للاختلال الأقصى غير القابل للاستدراك او اعادة الضبط لان العوامل المجافية وقتها تصبح اعلى حضورا وفعالية من الطاقة البشرية والإمكانات المتاحة، والمتناسبة أصلا مع اشتراطات مختلفة غير تلك العكسية الارتدادية الناشئة والمستجدة، المؤدية للاختلال، وهذا ماكان قد حدث لدورتين في تاريخ العراق، الأولى السومرية البابلية الابراهيمية، والثانية العباسية القرمطية الانتظاريه.
بالمقارنة ومقابل ماقد سلف قامت الدورة الحالية الثالثه ضمن اشتراطات مجافية أصلا، ومخالفة للقاعدة الميسرة للازدواج واكتماله، فالافق الامبراطوري كان مغلقا أصلا، وحين بدات عملية التشكل الحالية قامت كمنطلق بينما ارض الرافدين واقعه تحت وطاة الطرف التفارقي الايل للزوال المتبقي من الدورة الثانية المنقضية، ومع وجود العثمانيين ومن سبقهم، فلقد تسنى للمجتمعية التحولية العراقية ان تعود للحياة بطاقتها وامكاناتها الذاتية، الامر الذي لم يكن قد حدث مايشبهه من قبل، فالدورة الأولى بدات من دون منافس، والثانية لم تحدث الا بمساعدة الفتح الجزيري العربي الإسلامي في طور دولة اللادولة الأحادية الراشدية، ولم يحدث ماحدث اليوم، يوم كان العراق تحت وطاة الاحتلال الفارسي بعد انهيار بابل، الامر الذي توفرت أسبابه اليوم بمخالفة تامه لكل تاريخ ارض الرافدين بدورتيه الكبريين اللاتحققيتين، وحين جاء العثمانيون الى بغداد كمثال دال، وجدوا مغامس المانع شيخ مشايخ المنتفك حاكما للبصرة، فابقوه في مركزه ولم يغيروه، أي ان مجيء العثمانيين للعراق كان لاحقا على بدء تشكله الحديث وشروعه بدورته الثالثة الحالية.
وفي حين مارس العثمانيون المبدأ ذاته الذي اعتمده من حكموا قبلهممنذ سقوط بغداد على يد هولاكو، بالتوطن في عاصمة الدورة الثانية الإمبراطورية المنهاره ( ليست بغداد عاصمة العراق، بالاخص بعد انهيارها على يد المغول والى اليوم، فبغداد بغدادان، الاولى عاصمة امبراطورية ازودواجية اختفت من الوجود عام 1258، والثاتية عاشت عصرها الراهن اثناء زمن استحالة الإمبراطورية، وظلت وماتزال تحاول ان تكون عاصمة لدولة أحادية مفبركه) فانهم انما كانوا يؤكدو حقيقة هامه طرات على الكيانية الازدواجيه ابان الدورة الثانيه مقارنة بالدورة الأولى، اذ اتسع مجال ومدى الدولة السفلي غير القابلة للتجسد ارضويا مساحة وسكانا، ومع إقامة بغداد على يد العباسيين، انتقل المركز الامبراطوري شمالا عن اعلى مركز سبقه، في حين صارت ارض بابل عاصمة امبراطورية الدورة الأولى باعلى اشكالها، مشموله ابان الدورة الثانية باليات مجتمع اللادولة الأسفل، الامر الذي كان له اثر هام في عودة انبعاث العراق الجنوبي بعكس ماكان عليه الحال ابان السيطرة الفارسية التي عمدت الى اختراق عالم اللادولة الأسفل، ببنيتها وتنظيمها الاقطاعي العبودي، معتمدة على ضعفه ومحدوديته سكانيا ومساحة، وتلوح هنا ملامح قانون تصاعدي، يجعل المجال الأسفل في حالة اتساع يصل حد الاحتفاظ بالاستقلالية تحت طائلة الفوضى الممتنعة على الاختراق والسيطرة، الى ان توفرت الأسباب لانبعاث عملية التشكل الراهنه ذاتيا.
ومعلوم ان مركز الامبراطورية سار صعدا من اكد جنوبا، الى بابل، ثم وفي الدرورة الثانيه ابعد شمالا بما يقارب المائة كيلومترا، الى حيث بغداد، الأقرب موقعا لان تكون مركزا شاملا لمساحة مابين النهرين بعراقيها الجزيرة، وعراق السواد.
ـ يتبع ـ

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *