صفاء السراي.. هذه قِبْلَتنا

latifa_aldlimy

أحمد الشيخ ماجد

في بداية تشرين الأول/أكتوبر، كانت لغة المنتقم هي السائدة في الشارع العراقي. بقع الدماء على أسفلت الشوارع الملتهبة، أجساد الشباب يراقصها “القنّاص” بعد أن يضع رصاصته في الرأس، لم تكن المستشفيات تكفي لكل هذا العدد من المتظاهرين المصابين، كانت السلطة هي المنتقم وهؤلاء الشباب، بينهم المسجى على قارعة الطريق مثقوب الرأس أو الصدر، وبينهم النائم في المستشفى وقد أصيب بإعاقة دائمة، كانوا “إرهابًا” بالنسبة للنظام السياسي في العراق. لقد رأيت شبابًا واجهوا القنّاص وماتوا، ورأيت غيرهم هربوا من الموت، لكن “القنّاص” ضربهم على ظهورهم وهم يركضون. لم يمنحهم فرصة الحياة مرة أخرى.

ولاستمرار الانتقام من الشباب الذين اخترقوا 16 عامًا من الركود السياسي في النظام الذي شكلته أمريكا، قطعت السلطات الإنترنت تمامًا، وأغلقت القنوات الفضائية، ونشرت عناصرها في كل زقاق لتعقب الهواتف وإذا كان فيها مقاطع فيديوية توثق مجزرة المنتقم في شوارع بغداد، لكن شبابًا في بغداد لم يكتفوا بتوثيق عيون الله والناس للجريمة، كان بين الشباب صفاء السرّاي، الشاعر والمتظاهر الذي أوقفت السلطة قلبه في 28 تشرين الأول/أكتوبر بقنبلة غازية في رأسه.

بعد تصاعد حدة الاحتجاجات في بداية تشرين، استعانت السلطة العراقية بسلاح “القنّاص” لتفريد المتظاهرين، ولأن الأخيرين يسيرون محتجين في قلب واحد، فلا بدّ من معاملتهم كأفراد لتبرير ما يسميه فواز طرابلسي العقاب الجماعي، وهو الأمر الذي يعني أن قتل واحد منهم يعني قتلهم جميعًا. كان القنّاص وقتها راميًا حرًا، أكثر حرية من قوات الشغب ومن يضربون الرصاص الحي في الخطوط الممنوعة على المحتجين، إذ يمنحه “القنّاص” سلطة فردية واستثنائية على رؤوس الآلاف من المحتجين، وهنا ينبغي أن يكون “صيّاد الرؤوس” حرًا ليس في الانتقام والدفاع عن السلطة وحسب، إنما لا بدّ من عدم إزعاجه بتوثيق فعل الانتقام للسلطة، تصويره يعني تحديه وهو صاحب السلطة على “قطف” الرؤوس.

لكن هذا التحدي، كان لا بدّ من ثائر مثل صفاء السراي وأصدقائه أن يقدموا عليه، كان يتخطى جموع المحتجين الذين ستخترق رصاص القنّاص أجسادهم بعد ساعات، فيوثّق مجزرة العقاب الجماعي التي قال رئيس الوزراء عنها إنه دفاع عن الدولة أمام اللادولة. تتكدس في هاتف السرّاي عشرات المقاطع التي يوزعها على الإعلام، ثم يجلس ليلًا، يبكي، ثمّ يعود لتوثيق جرائم القنّاص الذي كان يقتل الأحياء والموتى معًا.

لم يكن صفاء السراي موثقًا أمينًا فقط، كان متظاهرًا يسيل الدم من كلماته حين يتحدث عن القنّاص. يخشى على من يعرفهم، ومن لا يعرفهم أيضًا، من غدر السلطة ورجالها في أيام التظاهرات. حين كنّا نحاول أن ننقل للعالم عمليات الانتقام من العراقيين الجارية لأيام، دخل علينا السرّاي في مقهى بالكرّادة، صاح علينا بصوته وعاتبنا على وجودنا في مكان خطر، قال اذهبوا إلى مكان آمن، بينما هو، يقترب من خطوط التماس، يتحدى القنّاص، يتلاعب مع الموت مثل طفل يجهل النهاية الحتمية للإنسان. صفاء مثال الثائر الذي يُنكر لذاته كرمى لقضيته الكبرى، للوطن الذي أراده.

في وصف السراي الكل يجمعون على أنه كان احتجاجًا متنقلًا، يتظاهر منذ 2011، واعيًا بحقوقه وحقوق جيله، يصرّح حزنًا وفرحًا بحبه للبلاد. لم يكن الكثير يعلنون الحب للعراق بفعل آثار الاستبداد والاحتلال. هذا ضربٌ من الجنون في حفلات جلد الذات والتغني بالهجرة وشتم الوطن أو الاصطفاف في خطوط الهويات الطائفية والقبلية. السراي استثناء فريد في هذا الأمر. شكا لصديقه مرة قائلًا “لماذا ينظرون إليّ هكذا، هل لأني أحب العراق لهذه الدرجة؟”.

وحتى يكمل السرّاي احتجاجه المتنقل في كل مكان، كان صوته عاليًا في المقاهي التي يجلس فيها “المثقفون”. يحزن من إهمالهم للقضايا الوطنية الكبرى، وتجاهلهم للدم النازف في ساحات الاحتجاج، وتقبلهم للمسؤولين الفاسدين في هذه الأماكن، كان السراي من الحالمين باللحظة الوطنية التي تجاهلها الجميع، مفضلًا عليها الرغائب المؤقتة والمميزات الشخصية، وهي اللحظة التي استشهد صفاء السراي ولم يكمل مشاهدها جميعًا.

رمزية السراي

ولأن من مثله لا يمكن أن يكون في الهامش أو يسكن قبرًا، أخذ السراي مكانه رمزًا وصار اسمه مُعبّرًا عن أحلام الشباب كما ينبغي لثائر عظيم أن يكون. حين تقول صفاء السراي فهذا يعني أنك قلت نريد بلادنا بلا فساد أو هيمنة خارجية أو ثروات تتوزع على أمراء الطوائف، اسم هذا الثائر صار معنى يؤدي مباشرةً للكشف عن تطلعات الشباب بالوطن الذي عبّروا عنه بشعار “نريد وطنًا”.

كان إعلان خبر استشهاده هو “الصدمة الوطنية” التي وصلت إلى حدود الفجيعة، الحزن الذي يكون عابرًا للخاص ويتوجه للرثاء العام نحو بطل يشكل مفهومًا وطنيًا متفقًا عليه، وهو الأمر الذي يخرج صفاء السراي من موضع الرثاء بين الأصدقاء إلى مساحة الرمز للانتفاضة التي لا بدّ لها من رموز بحجمها.

هل يصح القول إننا شعب بلا أبطال من هذا النوع؟ لا يمكن الإجابة على سؤال كهذا لصعوبته وحساسيته، لكن في مرحلة صدام حسين لم يكن البطل غيره وغير أولاده “سادة الشباب” بحسب أدبيات الإعلام الصدّامي، وبعد الاحتلال الأمريكي، جاءت المرحلة بأبطال للطوائف وحماة للجماعات بوصفها تمثل حدودًا تقف عند شريحة عراقية معيّنة، ليس البطل في الرمادي بطلًا في ميسان والعكس صحيح أيضًا.

البطل المأمول والذي يكون رمزًا خارج الأطر الرسمية أو الطائفية أو الدينية كان متمثلًا بصفاء السراي الذي شغل هذا الفراغ كمثال حقّقه مع أصحاب الموت من شهداء تشرين، متظاهر ثائر على تراجع البلاد وانهيارها، واجه الإبادة بالسلم، عراقيته التي يمكن أن يجتمعان عليها ابن الأنبار والنجف. رفعوا صورة السرّاي في النجف فعلًا واعتقل بعض الشباب في الأنبار بسبب تفاعلهم مع ما أحدثه السرّاي، الرمز الذي لا يحتاج إلى تلميع والبطل الذي عاش البطولة موتًا ولم يدعيها.

حين استشهد السرّاي، كان الاستدعاء المعبّر عن الفجيعة، هو قصيدة مظفر النواب “صويحب” التي يحبها ثائرنا الشهيد، ترى صورة صفاء في كل مكان ومعها “صويحب من يموت المنجل يداعي”، ربما كان استدعاء الأغنية تكريسًا لأن يكون الشهيد هو المثال والأسطورة التي تحدث فيها النواب عن الأبطال الوطنيين في قصائده، وهو أمر يشبه استدعاء أغنية الشيخ أمام “جيفارا مات”، عند موت الأبطال، أنها الأغاني التي لا تعبر عن الحزن الفردي إنما حزن أمة على ما كان رمزًا أو سيكون.

ابن ثنوة

لم يبق صفاء السراي لوحده هو الرمز، فأمّه، ثنوة، التي قال المتظاهرون إننا أولادها، صارت رمزًا أيضًا. في الخوذ التي يرتديها الشباب على رؤوسهم للحماية من القنّاص والقنابل الغازية، علّق الشباب عليها “أولاد ثنوة”. كتب صفاء كثيرًا عن أمه، ثنوة، وبعد أن ماتت، بقي يرثيها شعرًا وغناءً وكتابة، كان صفاء، وحين استشهد، يتيم الأبوين، وهي القصة التي ستعطي بعدًا آخر للفجيعة الوطنية بالرمز الثائر.

تقول الأغنية الجنوبية “لا يالولد، ليش ارحلت؟ بعدك شباب، أنت إشّفت؟”، بمعنى ماذا رأيت من حياتك، وهي الأغنية التي من المفترض أن يرددها الآباء على أبناءهم حين يختطفهم الموت شبابًا، لكن الدهر الذي حرم صفاء السراي من أبويه سيمنحه آباء كثيرين في كل بقعة عراقية تفاعلت معه وعرفت قضيته.

دخلت على أمي، وقلت لها استشهد صفاء، وأشرت لها إلى المكان الذي جلس فيه في آخر زيارة إلى بيتنا. جلست أمي في المكان الذي حمل صفاء السراي وبدأت تندب وتخرج المكنون في روحها، رفعت صوتها عاليًا بـ”يا يمّة”، أظن أن الكثير من الأمهات فعلن الأمر ذاته، عوّضن وجود ثنوة وهي تبكي ولدها الشاب الذي أصبح رمزًا، أما أنا، فقد أراني صفاء الموت العراقي في صورة أخرى لم أعرفها من قبل، فالموت في قاموسنا المتوارث والراهن: فقدان.. غياب.. فجيعة.. ذهبت بعد استشهاده بيوم ورأيت الكثيرين ممن أوقدوا الشموع في ساحة التحرير تحية لروحه، وفيما كنتُ أتذكره والجراح تسيل من رأسه المثقوب بالقنبلة وهي “تنبتُ وردةً في إثْرِ وردةْ”، لم يكن لي غير أن أصوب وجهي نحو نصب الحرية وأقول: هذه قِبلَتي!

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *